خُفي حُنين!

08/13/2024 - 16:29 PM

Bt adv

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

أُنزل الستار على أولمبياد باريس؛ ورجعت الوفود العربية إلى أوطانها بخفي حُنين. ولمن لا يعرف خُفّ حنين فهي تعني الرجوع بالخيبة.

وتعود قصة المثل العربي إلى حُنَين الذي كان إسكافيا من أهل الحِيرة، وهي مدينة تقع في جنوب العراق، وقد أراد أعرابي أن يشتري منه خُفَّين، يعني فردتي حذاء؛ وساومه فاختلفا حتى غضب حُنين وأراد أن يغيظ الأعرابي. فلما ارتَحَلَ الأعرابي أخذ حنينٌ أحدَ خفيه وطَرَحه في الطريق ثم ألقى الآخر في موضع آخر، ولما مرَّ الأعرابي بأحدهما، قال: "ما أشبه هذا الخُفّ بخف حنين!

وحصيلة مشاركة الدول العربية السبعة هي 17 ميدالية ملونة فقط، في ختام الألعاب الأولمبية الصيفية بنسختها الـ 33. واحتلت مملكة البحرين الصدارة، وهي أصغر دولة عربية مساحة وسكانًا، لكن رصيدها كان الأكبر بـ 4 ميداليات، بواقع ذهبيتين وفضية وبرونزية.

تلتها في الوصافة الجزائر برصيد 3 ميداليات، بواقع ذهبيتين وبرونزية. ثم مصر في المركز الثالث برصيد 3 ميداليات أيضًا، بواقع ذهبية وفضية وبرونزية، متفوقة على تونس بأفضلية المراكز المتقدمة، حيث جاءت بَعثة نسور قرطاج في المركز الرابع بذات العدد. فيما جاءت دولة المغرب في المركز الخامس برصيد ميداليتين، بواقع ذهبية وبرونزية. وحلت مملكة الأردن في المركز السادس برصيد ميدالية فضية، وأخيرًا قطر برصيد ميدالية أيضًا ولكن برونزية.

وكان شعور كل العرب العاشقين للرياضة إزاء هذه الخيبة هي المرارة ولا غيرها، تدمي القلب الموجوع أصلا بخيبات السياسة، ليس فقط بسبب هذا الحصاد الهزيل ولكن أيضًا لأن الجهد المبذول كان أقل من أن يستطيع رفع العلم العربي. أما المثابرون جديًا من شتى دول العالم فقد نجحوا في عملهم وتربعوا على منصات التتويج الأولمبي، بينهم لاعبون من دول صغيرة وفقيرة، سكانها ربما هم أقل من سكان محافظة أو ولاية في الدول العربية، بينما بلدان كبيرة وعريقة في تاريخ الرياضات الأولمبية تخرج بلا أي أمل يقوي العضلات الرخوة.

وحتى الأبطال الذين حصلوا على أوسمة امتزجت فرحتنا بهم بالحزن الذي ساد طيلة الدورة بسبب الخيبات المتلاحقة، في الوقت الذي نجد بلدًا مثل كوريا الجنوبية - ليس لديها 400 مليون نسمة كالعرب ولا أموالهم، تحقق المركز الثامن برصيد 13 ميدالية ذهبية و9 ميداليات فضية و10 ميداليات برونزية!

ونعود الى خيباتنا وهي "خيبة بالويبة" لكثرتها، كما يقول المثل، ولا شك في أن تبريرها قد بدأ قبل العودة من باريس على طريقة الشماعة الجاهزة (الظروف، ومرض البعض بإنفلونزا أو كورونا لا فرق، والدعم المالي الضعيف)، وجميعها تبريرات للهروب من المسؤولية والمحاسبة الحقيقية.

وليست مقالتي هذه لأقسو على اللاعبين أو لأنكأ جراحهم، فالضرب في المَيِّت حرام، لكنْ للتذكير بأن المسؤولين هم اللجنة الأولمبية في كل بلد، واتحادات اللعبات والمدربين، ووزارات الرياضة، والسياسات والخطط الرياضية "العقيمة"، عسى أن تنفع الذكرى.

والموقف البنّاء في رأيي الآن هو النظر إلى السنوات الأربع المقبلة من الآن، الشروع في التدريب بفكر مختلف وخطة حقيقية، ليس عيبًا أن يتعلمها المسؤولون من جديد، حتى لا تمر دورة وتأتي أخرى ويتذكرون قبل بضعة أشهر من موعد الأولمبياد، فيكون تشكيل الفريق من الأحباء الذين يتونّسون بهم، والإداريين حتى لو فاق عددهم اللاعبين المتسابقين، ويتمتع الجميع بما لذ وطاب إلا الفوز بالميداليات، لنجد في الأخير "خيبة الأمل راكبة جمل"!

إن الحصول على وسام هو صناعة وطنية بامتياز صعبة المراس تحتاج قوة وجلد، مثل صناعة الحديد والصلب، ودقيقة وناعمة تحتاج مهارات فائقة مثل صناعة الحرير والماس. وتمر بمراحل تحضيرية وخطط واكتساب خبرات علمية وعملية وتجهيز بدني للرياضيين العاشقين لمجالاتهم والمتفانين فيها، وليس "صاحبي وابن صاحبي". هناك مدربون عرب على مستوى عالمي ويمكن جلب المزيد من الخارج إذا كانوا الأفضل على ألا تكون "سبوبة". ولابد من عقد لقاءات مع كبار الرياضيين العرب الحاصلين على ميداليات خلال تاريخ اللعبة للاستفادة من تجاربهم وطرق جاهزيتهم وروحهم التنافسية.

لدينا على سبيل الذكر وليس الحصر "نوال المتوكل" بطلة أولمبية مغربية اسمها مكتوب بالذهب، تم انتخابها، نائبة لرئيس اللجنة الأولمبية الدولية مؤخرًا خلال أعمال الدورة 142 لاجتماع اللجنة في خضم أولمبياد باريس، تتمتع المتوكل، عضو اللجنة الأولمبية الوطنية المغربية، بخبرة طويلة في اللجنة الأولمبية الدولية، وكانت نائبة رئيسها أيضًا من 2012 إلى 2016.

ومن الضروري في رأيي إرساء مبدأ وتقليد: أن تبدأَ / تنتهيَ مدة أي وزير للرياضة في الدول العربية مع انتهاء الدورة الأولمبية؛ فإما تجديد التكليف وإما الرّحيل وفقًا للحصاد، باعتبار مسؤوليته السياسية عن نتائج الدورة، وغيرها من البطولات الدولية والعالمية.

كما أن اللجنة المعنية بالرياضة في كل برلمان عربي عليها دور المحاسبة عن الإنجازات والإخفاقات والأموال التي تم إنفاقها وهل هي إهدار لأموال الشعب أم ذهبت في مصارفها الضرورية، ويحاسب رئيس اللجنة الأولمبية الوطنية والفريق جميعه الذي يتولى إدارة المِلَفّ وصرف المخصصات السنوية.

تلك روشتة مختزلة لتقويم المسار حتى لا تعود الفرق الأولمبية بخُفّ الإسكافي حُنين!

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment