د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
قراءة فاحصة لتاريخ الإسلام الذي انطلق من الجزيرة العربية، وبعد فتنة عثمان رضي الله عنه، أراد الصحابة إبعاد الفتن عن الجزيرة العربية، فنقل الإمام علي عاصمة الدولة الإسلامية إلى الكوفة، خصوصا بعدما تم القضاء على أكبر إمبراطوريتين في معركتي اليرموك والقادسية، وكانت الكوفة قاعدة الجيش التي انتصر فيها الإمام علي في معركة المدائن على الفرس، وفي نفس الوقت اتخذ الإمام معاوية عاصمة دولته في دمشق، فظلت شبه الجزيرة بعيدة عن عواصم الدولة الإسلامية بعد ذلك، وكان هناك اهتمام محدود بمكة والمدينة حتى قدوم آل سعود الذين وحدوا الجزيرة العربية في 1727، لكن الدولة العثمانية رفضت استمرار الدولة الوليدة التي تهدد شرعيتها، إلى أن أتى الملك عبد العزيز آل سعود ووحد الجزيرة العربية بالتزامن مع ضعف وانهيار الدولة العثمانية التي انهارت بشكل فعلي في 1909 وانتهت رسميا في 1 نوفمبر 1922.
يكرر التاريخ نفسه، فكانت الدولة الصفوية بالتحالف مع البرتغاليين الذين يسيطرون على سواحل الخليج العربي ومضيق باب المندب في منافسة مع الدولة العثمانية وكان هدف الدولة الصفوية المتحالفة مع البرتغاليين احتلال مكة والمدنية، حيث وصل الجيش الصفوي البكيرية، ووصل البرتغاليون بر ميناء جدة، لكن ظروف سياسية منعت تحقيق هذا الهدف، والتقى الجيش الصفوي بقيادة إسماعيل الصفوي بالجيش العثماني بقيادة إسماعيل الأول في جالديران عام 1514 انتهت بانتصار القوات العثمانية، واحتلالها مدينة تبريز أدت إلى وقف التوسع الصفوي لمدة قرن وجعلت العثمانيين سادة الموقف.
يتكرر المشهد اليوم بين إيران بدعم الغرب والسعودية التي ترعى الحرمين الشريفين كما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر وبقية الخلفاء الراشدين، في أعاد توحيد الجزيرة، هذه المرة تختلف إذ تنافس إيران السعودية عبر تشكيل محور ما يسمى بمحور المقاومة متاجرة بالقضية الفلسطينية، انكشف غطاء هذا المحور بعد طوفان الأقصى عندما أعلنت إيران أن طوفان الأقصى كان ثأر لمقتل قاسم سليماني، وفي نفس الوقت استطاعت السعودية تبني مشروع اقتصادي لم يكن فقط وطنيا بل إقليمي وعالمي، ويتقاطع في السعودية مشروعان الحزام والطريق والممر الهندي الأخضر الذي يصل بين الهند وأوروبا مارا بالسعودية.
عندما تغيب المرجعية عن أي إصلاح يصبح شعارا أجوف لا قيمة له، لأن البدع والأهواء ليست إصلاحا حتى لو صدرت من المسلمين ( والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم ) ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون )، فهناك التيار الإصلاحي والمدرسة الإصلاحية، والإصلاحيون، أغلبها تيارات منحرفة مستترة بالإصلاح، ومنذ الخوارج في عهد الإمام علي رضوان الله عليه كانوا يطالبون الإمام علي بالإصلاح ويتمسكون بقوله تعالى ( إن الحكم إلا لله ) رد عليهم الإمام علي حق أريد به باطل، يتكرر اليوم السيناريو وبشكل خاص ترديد الولاء والبراء ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم) ويعتبرون كل العرب صهاينة ويهود فيما قال أبو جعفر ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين أي تولاهم ونصرهم على المؤمنين.
كذلك يفسرون قول الله سبحانه وتعالى ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) يطالبون بمقاطعة اليهود والنصارى ومعاداتهم، بينما في الآيات القرآنية المحكمة توضح المقصد من غايات هذه الآيات ( وقاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ) وفي أية أخرى ( ولا يجرمنكم شنآن قوم ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) بل أمر الله سبحانه وتعالى البر لمن لم يقاتل المسلمين ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) ويتهكمون بالدول التي أقامت علاقة مع إسرائيل ويتجاهلون قول الله سبحانه وتعالى (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ) بل إن الصحابة الكرام اعتبروا صلح الحديبية بقولهم أنقبل الدنية من ديننا، فقال أبو بكر لعمر إلزم غرزه فإنه نبي، بل في الآية العظيمة يطلب الله سبحانه وتعالى الصبر على أذى أهل الكتاب والمشركين ( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ).
أرادت السعودية جمع الكلمة وتوحيد الصف من خلال تعزيز مبادئ الوسطية وترسيخ قيم الاعتدال من خلال الدعوة لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية في دول العالم الإسلامي في مكة المكرمة قادمين من أكثر من 60 دولة، اختتم أعماله ب8 توصيات في 6 أغسطس 2024، ركز المؤتمر على ربط المواطنين بقياداتهم ( لأن الشيوعيون كانوا يرون أن الثورة يتبناها مجانين ويقودها انتهازيون ويذهب ضحيتها الأبرياء ) فلا يعقل أن السنوار بيده مقاليد السلم والحرب، وسلمته جماع الإخوان مفاتيح السلم والحرب، بخلاف القيادات الحريصة على الشعب بل وعلى القضية الفلسطينية وعلى دماء الشعب، رغم أن عملية طوفان الأقصى عملية بطولية نفذها أبطال، لكن ماذا جنت وما هي النتيجة كان إبادة غزة بالكامل، فيما قامت الثورة الفلسطينية عام 1965، وكانت تعتمد على اضرب واهرب، لأنها تدرك أنها في مواجهة جيش مدجج بالأسلحة مدعوما غربيا، وسبق أن خسرت المقاومة الفلسطينية في المواجهة الشاملة مع إسرائيل في 1982 في بيروت، فيما تتولى السعودية مسار العملية التفاوضية للوصول إلى دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 عاصمتها القدس الشرقية، تمكنت السعودية من جهود قام بها وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان زار 23 بلدا حول العالم ف يغضون 25 يوما أثمرت تلك الجولة من الحصول على موافقة 148 دولة حول العالم على إقامة هذه الدولة المستقلة.
أكدت القمة على التضامن الإسلامي، وتعزيز التعاون في التصدي للتطرف الذي يهدد أمن المجتمعات، مع تنشيط الفهم الصحيح للإسلام ونشره في العالم وفق الكتاب والسنة، ووفق ما سار عليه السلف الصالح، مع تعزيز المواطنة في دول العالم، مع أهمية التعايش والاندماج في المجتمعات الغير مسلمة، مع الحفاظ على الخصوصية الإسلامية في ظل العولمة الثقافية، مع أهمية إيجاد إطار متكامل يحفظ للفتوى قدرها، وعدم استغلالها بغير دليل يقيني وليس ظني.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية سابقا بجامعة أم القرى













08/08/2024 - 11:39 AM





Comments