بقلم: ألفة السلامي
قصة حقيقية بطلها شابّ مصري، لكنه بطل صامتٌ تقريبًا، أما البطل الحقيقي "لسان وعضلات" فهي سيدة تونسية "جدعة" مثلما يقول المصريون. نشرت هذه السيدة قصتها على صفحة مخصصة للصداقة والتواصل بين التونسيين والمصريين.
وبمناسبة اليوم العالمي للصداقة وجدت هذه القصة الواقعية أنسب ما يقال في هكذا مناسبة. ومن أهم ما يميز العلاقة بين الشعبين التونسي والمصري، ما يسمى الدبلوماسية الشعبية، وهي مزدهرة ولا تتوقف حتى في فترات تاريخية كانت العلاقات متوترة ومتجهمة بعد اتفاقية كامب ديفيد ونقل الجامعة العربية إلى تونس.
وظلت العلاقات السياسية ترتدي اللون الوردي أحيانًا والرمادي أحيانًا أخرى حسب مدى تآلف وارتياح الحكام لبعضهم البعض، بينما ارتدت اللون الوردي الزاهي بين الشعبين، ولا لون غيره على الدوام. ومفهوم الصداقة بين الشعوب يرتبط عادة بفرضيات ثقافية وتاريخية وأصول لغوية تمتّنُ وحدة مشتركة بين الشعوب في منطقة معينة. ورغم توفر هذه المعطيات بين تونس ومصر عبر التاريخ التي وثقها الرحالة إلا أن هناك عنصر آخر نفسي وروحي لا يمكن الاستدلال عليه إلا عندما ترى لقاء حميميا أو قصصا تجمع بينهما ويعكس حالة أقرب للمزاج المتشابه والارتياح المتبادل.
شاهدت أمثلة أخرى أيضًا بين المصريين وأهل لبنان، وبالمثل بين التوانسة وأهل لبنان. ولعل جسر الصداقة بدأ بين هذه الشعوب في لحظة تاريخية معينة ولا ولن ينتهي، وإلا كان انتهى الجسر وتحطم عندما نشبت توترات بسبب مواقف سياسية أو حتى كروية وهي كثيرة. بل على العكس امتدت علاقات اجتماعية وإنسانية في معناها الرحب، قوامها المحبة والفهم المشترك والتأثير المتبادل والميل إلى المشاركة في الاهتمامات المتعددة وكذلك الكثير من المشاعر الإيجابية السارة، أو غير السارة والتعاطف Sympathy إزاءها ولا تحكمه منفعة أو مصلحة بل الكثير من المواقف التي تثري الذاكرة الشعبية وتوطد اللحظة الراهنة.
أعود لقصة السيدة التونسية التي قابلت بالصدفة في أسواق المدينة العربي، والمقصود بها الأسواق القديمة في العاصمة التونسية، كان المحل الذي دخلته للبحث عن ملابس تقليدية يقف به صاحبه "المعلّم" أو الأسطى وهو تونسي بالطبع، ومعه يقف شابٌّ مصريٌّ مساعد له. وانبهرت السيدة بهذا الشاب لحسنِ أخلاقه، حيث لاحظت أنه مهذب مع الزبائن ويتعمد ألا يضايق النساء ويتركهن على راحتهن. وعندما سألته عن بعض الملابس النسائية وأسعارها كان يجيبها وهو يغض البصر منعًا للحرج. لكنها لاحظت على صاحب المحل الذي أشارت إليه بـ "ولد بلادي " بأنه بمجرد أن شعر بنيتها شراء العديد من المنتجات، خاطبها قائلا: "احكِ معي وليس معه!".
السيدة التي كانت في طريقها لدفع ما اتفقت عليه مع الشاب المصري لم ترتح في المقابل لطريقة "المعلم" بل شعرت بالاستفزاز من غلظته واختراقه للحوار؛ وتساءلت: "لماذا جعلته مساعدًا لك إذا كنت لا تثق في قدرته على استكمال عملية البيع؟!". وقررت الاستمرار مع الشاب المصري. وما كان من "المعلّم" إلا أن طرده خارج المحل، وطلب منه حمل قطع الملابس لعرضها بالخارج على المارين. ثم، أخذ مكانه محاولًا استكمال عملية البيع.
شعرت السيدة باستفزاز أكبر حيث الجو في الخارج شديد الحرارة والرطوبة بينما هناك تكييف للهواء بالداخل، ناهيك عن كونه لم يحترمهما وقاطعهما دون استئذان أو كياسة واحتقر الشاب بشكل سافل عندما طرده للخارج. عدلت السيدة عن استكمال الشراء خاصة عندما لمحت الشاب في الخارج محبطًا وسابحًا في عرقه. خرجت في تلك اللحظة من المحل وذهبت لتشتري زجاجة ماء وناولته إياها مع سندوتش، ورفضت أن تأخذ مقابلا. وهنا تدخل "المعلم" ووجه لها بصوت متشنج عبارات غاضبة من صنيعها، قائلًا: " لماذا تعطيه هذا؟". وصفت السيدة صاحب المحل بأنه "هبل" وتعني في حالة نرفزة تقترب من الجنون.
ردت عليه بنفس عنفه، قائلة: "قليل أصل وجيعان" واتهمته بأنه لا يجرأ على التصرف بهذه الطريقة لو كان الشاب المساعد له تونسيًا، حيث لن يسمح له التونسي حتى لو كان طفلًا بالحط من قدره واحتقاره وطرده في الجو شديد الحرارة ثم إهانته لأنها جلبت له ماء، في حين كان من المفروض أن يحظى بالماء والأكل من صاحب المحل نفسه. وتطور الموقف وخرج عن السيطرة، لأن السيدة اتهمته بسوء المعاملة والعنصرية. وغادر الزبائن المحل وتجمعوا حول الشاب والسيدة كما تجمع أصحاب المحلات المجاورة أيضًا ولاموا صاحب المحل على تلك المعاملة، بل وطلبوا من الشاب أن يتركه ويعمل عندهم مع راتب أكبر والتكفل بمصاريفه. وأحاطوه بمحبتهم واحتضنوه وقبلوا رأسه مؤكدين له أنه "ابن بلد" وليس غريبًا، لدرجة أن الدموع انهمرت من عيني الشاب تأثرًا بمشاعرهم.
وبالفعل، تقول السيدة أنه أصبح يعمل مع صاحب محلات اتخذه ابنًا يحسن معاملته ويتقي الله في سلوكه معه ووفر له مسكنًا تابعًا لمنزل الأسرة، وأثنى على حسن تربيته وأخلاقه وتدينه. و في نهاية قصتها تذكّر السيدة أن المغزى مما حدث ليس الحديث عن شخص تونسي سيئ تعتبره استثناء وليس قاعدة لكن لتؤكد أن التونسيين كانوا دائما وأبدًا يكرهون الظلم وينصرون المظلوم وأن تربيتهم منذ الجدود القدامى قامت على مبادئ احترام الآخرين وعدم السكوت إزاء العنصرية مهما كانت جنسية أو عرق الشخص … "تونسيًا أو مصريًا أو حتى تشاديًا" وتلك كلماتها؛ مضيفة بعباراتها الحماسية: " احنا التوانسة متربيناش بالذل ولا نرضاه لأي إنسان فما بالنا لشخص جاء ليسترزق في بلادنا مهما كانت جنسيته أو ديانته، فهو ضيف عندنا، وثقافتنا وتربيتنا وديننا وعاداتنا وتقاليدنا تحث على إكرام الضيف خاصة إذا كان غريبًا بعيدًا عن أهله ووطنه!".
والرسالة وصلت أيتها التونسية الحرّة، ومادام هناك نساء ورجال من هذا المعدن فلا ولن نخاف عليك يا "خضراء" من الأيام السوداء ووجع الزمان وانقلاب الأحوال وتردي الأخلاق!













07/30/2024 - 09:42 AM





Comments