الأبجدية تبكي عبر أعمدة الصحف

07/18/2024 - 09:50 AM

A

 

 

بروفسور نسيم الخوري *

 

تبكي الكتابة عبر أعمدة الصحف القليلة الباقية فلا تنام خوفاً من شحنها يوماً نحو الأضواء والفضاء. تبكي الأبجدية إذ كنت تسمّي نصك مولوداً تُشاوره قبل نشره تُلبسه أحزان شعبك وتوصيه بأن يتحول كل حرف منه صاحب رائحة وموقف وحتى بقذف صاروخ لبرهة أو يحني رأسه بصلاة جماعية تسحبنا من جحيمٍ له صيغ الجمع وقد صار لبنان وطنك وكأنه خردةً انتظار مقيتٍ فوق أرصفة العالم.

أكتب بين حبرين/نهرين من دماء: نهر الكلمات تنزف عبر ألسنة التبشير الحزبي السياسي اللبناني لم ولن يغطّي عراء الحياة، ونهر يتدفّق بالدم اليباس في الرؤوس الحزينة ولو كان محفوراً فوق بلاط الساحات والجادات والمقابر.

ماذا قيمة الحبر بعدُ سوى كتابة لبنان بحراً رحباً لا حرباً ولا ربحاً يتراكم خوفاً وقهراً عبر مسلسلات الإنهيار الداخلي والإنبهار الخارجي بالضياع؟

هي نيران الكتابة لا تخبو بين مئة لبنانٍ ولبنان ومئة حزب وحزب وعرب وعرب ومسيحي وآخر ومسلم وآخر فوق سقف وطن بحجم الكفّ يختزن الفيالق المشقوعة المتتالية فوق رأسك، بحثاً عن الشعب الضائع الجائع الخائف الخانع أمام قيادات دهريّة متكوّمة فقدت مقاعدها الصلاحيات ولو لقيادة درّاجة منذ مئة سنة.

أجوس الكلمات المتفجّرة بمعظمها هنا، قبل أن أستعملها. أشاورها وحيداً وطويلاً في الضوء كما في الظلام، وأشعر وكأنها لطخاً بل كوّةً سوداء ضخمة في جسدٍ أثقلت كوارثه خطاه. لن تيبس دماؤه ولا ماء له من حوله.

وأروح أغسل الكلمات أو أنقعها بذوراً بدماء أطفالي، لأخرج بها نحو النور، وكأنّ لا همّ باقٍ سوى تسنيد الواقع بجدران النديب قبل هبوب الحرائق. لنتذكّر أجدادنا قُدّوا من عجينة الصخور المطحونة بأصابعهم الفولاذية ثم أطفأوها بملوحة المياه المتوسطة وأسّسوا لكم بقعةً بأحجار رجولتهم جمعت الكلمات بصيغة التشتّت.

كانوا يتركون زوجاتهم وبناتهم والأطفال يبذرون الحبوب اليابسة في الأثلام انتظاراً لربيع آتٍ، لكنّ معظمنا يتشيطن لتسوّل قروش مثقوبة تبيّض شقاء شعوبنا إذ تنشب التصريحات والنصوص تُبشّر بالمزيد من الموت والمرض الآتي وكأننا نُقيم على حافة المستنقع.

قرف الحبر من الكتابة عنهم يطوّقون العرب بمزدوجات المحبةٍ والعطايا ومدّ الكفوف والجيوب وقد نبذونا بعدما أذهلتهم الدهشة لخلافاتنا وانحطاطنا ولو تلفّطاً بالتحيات.

بتّ أُنظر إلى الطاقات المنبعثة أو الكامنة في أجساد الكلمات وكأنّها محنطة مسكونة بالإنحطاط، لربّما توضع ونحن معها وفيها بين المزدوجات للحفاظ عليها، فمن قال لكم بأنّ السمكة الصغيرة لا تسمُن فتصير حوتاً يخزّن الحبرُ والدم لا ليكسد أويبكي عجزه أو شيخوخته أو موته، بل ليحرّك هذا التخلّف الأسود العتيق المتنامي في اللسان السياسي اللبناني؟

أقفز بالكتابة من جوف الموت ولو عصرت السطور لزاجتها حفاظاً على شابات لبنان وشبابه ومستقبله. هو خروج مؤقّت مشغول بسين الغد، أتطلّع فيه الى أحفادنا الذين ينخرطون بالدنيا مدركين ما كابدناه وعشناه، ونحن الذين قرعنا أبواب الشرق والغرب، قبل أن تزحف قوى العالم إلينا.

الكتابة إذن؟

لا مأوى سوى الكتابة التي ماتت أو تموت وقبل أن تنتفي مثل غيمة تلبّدت فوق إرتجال الألسنة وارتحالها عن مجاريها وشرفها. نعم الكتابة قبل أن تحرق الأجواء أجساد الكلمات والوطن فلا يداويها مبعوث أو طبيب وسياسي أجنبي ولا قدرة على حفظها في الصدور والمواقف أو في الخزائن المنسيّة المخلّعة تحت أقدام عاشقي الانحطاط والوعورة الإمبراطورية المركونة منذ ما قبل التاريخ.

أهرّب نصّاً مقصوداً مجبولاً بالدماء وأرميه في الزمن البعيد لأوقظ حكّاماً يعجنون وطنهم طينة ليست صالحةً لإعادة البنيان النفسي والوطني، أو على الأقل ملاطاً قد يرفع البناء السياسي اللبناني مجددًا. ليس هذا مستحيلًا!

أنظروا من حولكم أين هي دول الخليج والعالم وأين أنتم يا أتعس المخلوقات في الأرض.

إنّه التحدي عبر بذرة الشمس وحضارة التغيير في الضوء وقد أصابكم العمى وكأنك لا شعب وبشراً أمامكم ومن حولكم بل قطعان ماعزٍ وغنم وماشية ترعي في البراري.

أما زلتم تُصدّقون مرندحين الأغنيات البالية بأنّ بيروتكم عاصمة الفكر العربي ومطبعة العرب وجامعاتهم ومدارسهم ومشفاهم ولوحاتهم ومعارضهم وحداثتهم؟

 مساكين إذ تدّعون أننا حضن الديمقراطية والحريّة والحداثة والمعارضة والثورة وأنتم الدكتاتورية والعبودية والقِدم ومطأطأي الرؤوس والاستكانة. لستم سوى حبّة من اللوز الأخضر تُملّحونها للوافدين من حولكم ببقايا ملح الصحراء المجفّفة العالقة فوق شفاههم، بعدما يُطفئون شموسهم وثرواتهم هاربين من جنونكم ومن فراغات جيوبكم ونفوسكم.

كان لبنان وكانت بيروت وعواصم لبنان وجباله ومصايفه وقراه لكنّ هذه الـ "كان" تطلّقت بعدما نحرتها أصبح التي جعلتكم تعيشون اليوم على أعتاب الغير أو تتكدّسون على أعتاب العجز يجرفكم الرعب الغريب العجيب منقادين نحو توريث الأجيال القارئة القادمة وطناً خلفكم محشوراً في براميلكم المقلوبة فوق الأرصفة لا يصلح سوى لل......... إملأوا الفراغ الواسع بالصفات التي تخرجونها من جروحكم ودموعكم وجوعكم يا أبناء لبنان ال.......

إملأوا أيضاً وأيضاً.....

 

* كاتب وأكاديمي لبناني

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment