بقلم: ألفة السلامي
صالحة حمدين طفلة بدوية من فلسطين فازت بجائزة هانز كريستيان الدولية للقصة الخيالية من بين 1200 عمل من جميع أنحاء العالم عن قصتها "حنتوش". الجائزة تحمل اسم أديب الدنمارك الأشهر هانز كريستيان (1805-1875) وهو من مشاهير رواة القصص في العالم، خاصة قصص الأطفال، وقد ترك تراثًا مهما من القصص شملت "الأميرة والبازلاء"، و"البطة القبيحة"، و"الحورية الصغيرة"، و"ملابس الإمبراطور الجديدة"، وغيرها من القصص الممتعة. وعرفتُ بقصة صالحة وفوزها من صفحة الصديق الأديب عماد شقشوق على موقع فيسبوك. وشدتني القصة وأبعادها فرغبت مشاركتكم تفاصيلها المشوقة.
تروي أحداث القصة الفائزة أن صالحة الفتاة ذات الرابعة عشر تعيش في خيمة صغيرة في وادي أبو هندي وتروي تفاصيل يومها ونشاطها ما بين المدرسة ورعاية غنماتها وحلبِ نعجاتها. ونعيش مع صالحة ما بين واقع مؤلم لا يميزه سوى صوت الرصاص، وخيال جامح يخترق حالة الحزن والإحباط حيث نطير معها على أجنحة خروفها في رحلة أمل يصنعها خيال الطفلة الخصب التواق إلى تغيير الواقع المرير.
تنتمي صالحة إلى سكان وادي أبو هندي أحد ضواحي بادية القدس الشرقية المحتلة وهو تجمع يعدُّ نموذجا لأحد تجمعات الجهالين في بادية القدس، التي تقف عقبة في وجه الاستيطان، حيث يرفضون التهجير والترحيل لأنهم بدو لديهم عشيرتهم وأغنامهم، ويحبون العيش في مكانهم، فيه أصلهم ومنبتهم، يرفضون الابتعاد عنه وعن حياتهم البدوية بكل ما تحمله من تميز وخصوصية.
ويخوض عرب وادي أبو هندي معركة في المحكمة العليا الإسرائيلية للحفاظ على أرضهم. ويستيقظون في الصباحات الحزينة على أصوات قوات الاحتلال وهي تهدم منازل مواطنين في الوادي التابع لبلدة أبو ديس، جنوب شرقي القدس، ويقضون على المعالف وحظائر الأغنام وخزانات المياه.
ويتوزع البدو الفلسطينيون في أربعة مواقع بضواحي القدس، هي: عناتا، الخان الأحمر، وجبل البابا، إضافة إلى وادي أبو هندي؛ ويرفض الاحتلال الاعتراف بتجمعاتهم هذه ويسعى لطردهم منها مجددًا، مثلما يسعى لطرد الفلسطينيين جميعهم؛ فذلك هدف الاحتلال وخطته منذ أعلن تأسيس الكيان المشؤوم.
وبالعودة لصالحة وقصتها، تخبرنا أنها تبلغ الرابعة عشر من عمرها وتذهب صباحًا إلى مدرسة عرب الجهالين، واسمها أيضًا مدرسة القصب نظرًا لأنها مصنوعة من القصب. وقد أعلن جنود الاحتلال أن الأرض منطقة عسكرية مغلقة، حيث يتدربون على إطلاق النار في المنطقة الزراعية.
ثم تعرّفنا صالحة إلى أصدقائها الذين يعيشون معها في الخيمة. إنه فريق من النعجات، عددها سبعون نعجة، تتولى صالحة حلبها بعد عودتها من المدرسة، ثم تصنع الجبن لتبيعه بعد ذلك لأهل المدينة. وتصف الطريق الوعرة التي تسلكها نظرًا لأن قوات الاحتلال يمنعون أهل البلدة من تعبيد الطريق. كما تصف صوت إطلاق النار خلال الليل، وكيف يصيبها بالجنون -فهي تكره صوت الرصاص-وتحاول الهروب منه.
لكن كيف لها أن تهرب وهي لا تملك دراجة، ولا سيارة عندها أو طيارة. ونكتشف أن لديها سرًا: تطلب من قرائها الاقتراب حتى توشوش في آذانهم ما تخفيه عن الجميع، ولديها حق فلو سمعها الجنود لألقوا القبض على خيالها وسجنوه هو أيضًا!
وندرك أن صالحة لديها ما يمكنها من الهروب وما تتفرّد به عن الآخرين! إنه "حنتوش" خروفها الأسود، صاحب الأذنين الطويلتين، لكنه يخفي جناحين سريّين يخبئهما داخل الصوف، ويخرجهما حين تهمس في أذنيه: "يا حنتوش يا خروف أطلع جناحيك من تحت الصوف".
بحثت عن معنى حنتوش وجدت انه اسم عربي، يُطلق على الذكور، وليس له معنى دقيق إلا وصف للشخص الطيب والكريم.
وتداعب قصة صالحة خيالنا فهي تغني له في أذنيه، عندما يبدأ جنود الاحتلال في التدريب على إطلاق الرصاص، بينما تركب صالحها حنتوش وينطلق بها في جولات بعيدة، يحلقان عاليًا في حلم جميل يكسران به قضبان السجن ويتحديان السجَّان. والمفاجأة أن حنتوش أخذ صديقته هذه المرة إلى برشلونة. نعم برشلونة، ربما لأنها أرض الملاعب وموطن اللاعب العالمي ميسي، فقد يعوضان بذلك الحرمان في وادي أبو هندي الذي لا توجد به ملاعب، حيث الأرض مزروعة بالألغام والموت!
في برشلونة تقابل صالحة وخروفها الخارق "ميسي" الساحر، صاحب الأهداف الكثيرة الممتعة، ويلعبان معه لساعات طويلة، حيث يقف "حنتوش" يحرس المرمى، وتهاجم صالحة ميسي وفريقه، وتدخل في مرماه خمسة أهداف.
ومن شدة انبهار ميسي بصالحة وحنتوش يقترح أن يضمهما إلى فريقه برشلونة. لكن صالحة ترفض الاحتراف الذي يأخذها بعيدًا عن باديتها، وتقرر العودة مع خروفها إلى وادي أبو هندي حيث الأغنام هناك في انتظارها، وإذا تأخرت عنها لن يذهب أحد ليحلبها؛ كما تكشف لميسي أن والدها في السجن حيث قضى ست سنوات ومازال أمامه تسع عشرة سنة، ولابد أن تؤدي مهمتها في انتظار خروجه.
وما كان من ميسي إلا أن أسرَّ لصالحة عزمه على زيارة وادي أبو هندي، حيث ينوى أن يقام هناك "مونديال" وسينظفان معًا الأرض من الألغام، ويبنيان أكبر ملعب في العالم. أما المفاجأة فهي إطلاق اسم "حنتوش على الملعب، كما سيكون الخروف هو شعار المونديال.
وتدعو صالحة الجميع لحضور المونديال وترحب بهم في وادي أبو هندي. وتنتهي قصة صالحة الطفلة الفلسطينية الفائزة بجائزة "هانز كريستيان" الدولية للقصة الخيالية، ولكن مازالت قصة شعب يرزح تحت وطأة الاحتلال مستمرة، ورغم القسوة فهي لا تفقد أجنحة خيالها الخصب التي تطير بها لترفرف في سماء الأمل وتعانق الإنسانية الرحبة، حيث تحمل أحلام جميع أطفال العالم الذين يعانون في الحروب.













07/16/2024 - 11:20 AM





Comments