بقلم: ألفة السلامي
مشهد سائقي الدراجات عند الصباح والمساء في العواصم الغربية جميل ومنعش، ليس فقط لأنه يحقق الصحة السليمة والبيئة النظيفة ولكن أيضًا لأنه يوحي بالحرية والبساطة. وتحتل هولندا مقدمة دول العالم من حيث ركوب الدراجة حيث ان الهولنديين معروفون بعشقهم لركوب الدراجات، لدرجة يقال عنهم شعب الدراجات حيث يفوق عددها إجمالي السكان كما تتجاوز مسافة مسارات الدراجات داخل المملكة 35,000 كيلومتر.
كانت هذه الظاهرة قد عادت للانتشار في مصر منذ 2014 وشهدت ترحيبًا احتفاليًا حماسيًا، خاصة عندما قاد المبادرة رئيس الجمهورية شخصيًا، وخرج عدة مرات بالدراجة للتريّض في الصباح الباكر. وعندما تجوَّلَ صباحًا مع قافلة من البنات والبنين في مؤتمرات الشباب بشوارع شرم الشيخ أعطى رسالة إيجابية بقيم اجتماعية وثقافية ورياضية نفتقدها، في وقت تزدهر فيه أمراض التفاخر بالسيارات الفارهة! ولا أدري لماذا تراجعت المبادرة بعد ذلك ولم تستمر بنفس الحماس رغم كونها كانت ستعطي بعدا رائعا لنشاط المؤسسات الشبابية والأندية الرياضية، حيث ان ركوب الدراجات ليس دعاية اجتماعية أو طبقية بل معانقة لمفاهيم الصحة البدنية والعقلية في عصر افترسته الأمراض نتيجة التلوث والتوتر والاكتئاب.
وتشجيع هذا السلوك مهمة المجتمع المدني الذي ما تزال معظم جهوده شكلية ولا تمس هموم الشباب. نتذكر أن ظاهرة الدراجات الهوائية انتشرت في العديد من المدن والضواحي العربية عند انتشار جائحة كوفيد، خاصة خلال حظر التجوّل، بسبب تدابير الوقاية من الفيروس، الذي يبدأ مبكرًا ليلًا للسيارات بينما تظل الشوارع مفتوحة لمدة أطول للمشاة وراكبي الدراجات. والأمر يستحق حملات - بدون جوائح-للدعوة مجددًا لدعم استخدام الدراجات الهوائية، ولمَ لاَ يكون الدعم بإزالة الرسوم والجمارك على استيرادها وهو ما يتناسب مع اتجاه الدولة والعالم نحو تحقيق الاستدامة البيئية باستخدام الطاقة النظيفة. كما أن التشجيع على تصنيعها محليًا أمر ضروري مثلها مثل السيارات الكهربائية والسيارات محلية الصنع. ولا أشك أن مؤسسات المجتمع المدني قادرة، إذا أرادت، أن تنشر مثل هذا السلوك حرصًا على الحياة الصحية ونظافة البيئة وخفض العوادم الصادرة من وسائل النقل.
وليتنا نعود لعصر الأجداد عندما كان كل بيت لا يخلو من دراجة هوائية يستخدمها الجميع بالتناوب في قضاء احتياجاتهم من مشتريات ومشاوير صغيرة. وقد لاحظت أن محلات لعب الأطفال لم تعد تهتم بمثل هذه الهدية التي تنمي حب الدراجة منذ الصغر، بل أصبحت ألعاب السيارات هي الأكثر عرضًا، خاصة تلك التي تحاكي تطور التكنولوجيا في السيارات الكبيرة والفاخرة وتغازل جيوب الآباء وعقول الصغار، وقد تخلى الغالبية عن هذه اللعبة التي أصبح يُنظر إليها من منظور طبقي على أنها لعبة الفقراء بينما تعد لعبة رياضة حقيقية للجميع تحرك أجسام الأطفال وتبني عضلاتهم.
وفي الوقت الذي تشجع البلديات في الدول الأوروبية ركوب الدراجات وتوفرها في كل الميادين مجانا أو بمقابل رمزي أصبح التنافس على أشده في شوارع عدد من عواصم المحافظات المصرية لركوب أحدث السيارات وأغلاها. وتوقفت عند مقولات شعبية يكررها الهولنديون، وهم دائمو السخرية من السيارات ذات العلامات الألمانية والأمريكية والسيارات الرياضية، خاصة عندما يتطرق الحديث عن جيرانهم الألمان.
وعرفت أن المزحة تعود لقصة تاريخية خلال الحرب العالمية الثانية عندما احتلت ألمانيا النازية هولندا لمدة خمسة أعوام وسرق الألمان ما يزيد عن 18 مليون دراجة من الهولنديين. وعندما يتندر الهولنديون بهذه الذكريات فإنهم يعتبرون دراجاتهم ثروة وطنية لا تُقدَّرُ بثمن!
والفرق في العقلية بين أثرياء العالم وأثريائنا كبير، ليس في حجم الثروات ولكن في إدارة الثروة والتعبير عن مظاهرها وكيف تكون السلوكيات الإيجابية مصدر فخر وثراء قومي. إن أثرياء العالم يركبون الدراجة ويمارسون هذه الرياضة يوميا بعشق ووعي، ويسكنون في الريف بالمناطق الأقل تلوثًا ويبتعدون عن ناطحات السحاب والعواصم الملوثة، ويمشون يوميًا على أرجلهم عشرات الأمتار وربما الكيلومترات ويصعدون أو ينزلون الدرج حتى يتفادوا استخدام المصاعد ويمسكون في أيديهم أجهزة تليفون تنتمي لأجيال قديمة في عمر التكنولوجيا؛ التليفون بالنسبة لهم وسيلة اتصال وليست مظهرا من مظاهر التعبير عن الطبقة والقدرة المادية.
كم أتمنى ونحن في مراحل تغيير اجتماعي مازلنا نبحث عن بوصلته ومقاليد اتجاهاته أن نتمسك بالتطور الجوهري ونعلي جوانبه القيمية التي تجعلنا نحافظ على عاداتنا وتقاليدنا الوطنية الإيجابية ولا نهدرها في خضم البحث عن تطوير حياتنا. وهذا دور أصيل للمفكرين والأدباء والمثقفين إلى جانب صانعي السياسات؛ فلابد أن ينتبهوا إلى التمسك بالمظاهر الإيجابية وتغيير المظاهر السلبية، وسيتحقق هذا الفرق الجوهري من خلال نشر العلم والتعليم والوعي وليس بتعظيم العائدات المادية فقط.
هذا ينطبق على استخدام الدراجات الهوائية الذي استرعى انتباهي كنموذج لسلوك مواطني الدول الغربية، لكنها تنطبق على كل مظاهر السلوك اليومي الحياتي. ولدينا موروث غني من السلوكيات الحميدة التي يمكن استدعاؤها والتمسك بها وهي بالمناسبة في صلب أهداف التنمية ولا نحتاج لاستيرادها من مجتمعات أخرى فهي أصيلة في تراثنا؛ وستجعلنا بالتأكيد أكثر صحة وبهجة وراحة نفسية!.











06/14/2024 - 14:54 PM





Comments