المترجمة/ دعاء عبدالكريم
هل جربت أن تكره أغنية بعد حُب عميق؟ في يوم من الأيام حاول شخص ما أن يعترف لي بحبهِ وإعجابه بي. لكنهُ بَدى لي بأنهُ رجلاً يفيض خجلاً، أسمر اللون طويل القامة تربى في بيئة علمتهُ أن الحب ضعف وهشاشة لا تليق بالرجال الحب من منظورهِ هو توأم الدموع لذا كان يتجنبهُ بمبالغة تامة. كنا سوياً في العمل كلانا متعايش في بيئات مختلفة.
صباحًا يستيقظ مثلما يتم تشغيل شاحنات الـ مرسيديس بنز بنشاط وديناميكية عالية. يغسل وجهه بقسوة يدعك لحيتهُ السوداء بالماء البارد والصابون ثم يرتدي بنطالهُ الذي كان يرتديهِ يوم أمس مع قميصهُ الأبيض بنصف كُم في كل الفصول. رجل لا يفرق بين الصيف والشتاء لكون بيئة عملهُ يملؤها دُخَان الآليات وحرارة محركاتها.
يتناول فطورهُ المعد للجميع طعام لم يصنع بُحب ولا بأنامل امرأة تفرست بملامح وجههِ ليلاً بل صُنع لملئ بطون اعتادت أن تكون مصقولة، حياة عملية ورياضية في آن واحد يا لها من كوميديا سوداء أن تهرول خلف رزقك بينما يمضي أقرانك ساعات الصباح في صالات فاخرة لممارسة الرياضة.
سألتهُ ذات يوم: "هل تمارس الرياضة؟ جسمك يبدو مثاليًا للغاية ما هذهِ العضلات السداسية؟".
على السؤال رد بسؤال، قائلاً: "هل أنا مجنون لأدفع المال الذي اجنيهُ بالركض لكي أركض مرة أخرى داخل صالة رياضية كالأبله؟". لم أستغرب من إجابتهُ اطلاقاً على العكس بَدت لي أفكارهُ كأنها تحاكي أفكاري بمنتهى الوعي.
الغريب في الأمر أنهُ أعجبَ بي على الرغْم أن حياتهُ لا تشبه حياتي شتان ما بيننا كنا نغوص في تناقضاتنا التي جعلتنا نكمل بعضنا البعض. هو مغرم بالنهار لكن يشتاق للقمر، يحب الشاي ويشتري لي القهوة المثلجة، يحب الصخب ويفضل أن يقضي ساعة الاستراحة برفقتي رغم أنني صامتة مثل تماثيل المرمر.
ما إن رأى ملامحي حتى دبت آفة عشقي في قلبه رغمًا عنه، سألني عن قلبي قائلاً: "هل لقلبكِ صاحب أو حبيب؟ هل تنتظرين أحد ما؟ لماذا كل هذا التجاهل؟".
طيلة سنوات عُمري لم أعش قصة حُب مع أحد، لم تكن أنوثتي ناقصة ابداً، لكني لم أجد من يقرأ روحي حتى رأيت وجههُ الذي أتعبتهُ الحياة.
قلت لهُ: "لا… ولكن لست المرأة المناسبة إليك. ابحث عمن تبدأ معك من جديد، ليس من المنصف أن تشاهد المباراة من الشوط الثاني.".
قال لي: " أنا أكرهُ عُمر المباراة، أنا أفضل الجزاءات فهي الحاسمة وتثبت مهارة الفريق، صحيح ما فائدة أن أضيع من عُمري 90 دقيقة في تشجيع فريق لا يتواجد فيهِ لاعبي المفضل. نحن لا نشاهد المباراة حبًا بالفرق بل حبًا بمن نحب.
هل تفهمين؟".
في اليوم التالي قال لي:" قولي لي بأنكِ لا تريدي أن أكون في حياتكِ لكي أنسحب بدلًا من هذا التجاهل القاتل. انكري وجودي أمامي بعدها غادري اينما شئتِ، أنا متأكد بأن لي مكان في قلبكِ عينيك تقول ذلك أنتِ امرأة خُلقتِ لتعيش في أعماق روحي".
كتبت لهُ:" يقول جبران خليل جبران، البعض نحبهم لكن لا نقترب منهم... فهم في البعد أحلى وهم في البعد أرقى... وهم في البعد أغلى البعض نحبهم ونسعى كي نقترب منهم ونتقاسم تفاصيل الحياة معهم ويؤلمنا الابتعاد عنهم ويصعب علينا تصوّر الحياة حين تخلو منهم. البعض نحبّهم ونتمنى أن نعيش حكاية جميلة معهم ونفتعل الصدف لكي نلتقي بهم ونختلق الأسباب كي نراهم ونعيش في الخيال أكثر من الواقع معهم البعض نحبهم بيننا وبين أنفسنا نصمت برغم الألم لا نجاهر بحبهم حتى لهم لأن العواقب مخيفة، ومن الأفضل لنا ولهم أن تبقى الأبواب مغلقة".
قال: أنا لا أجيد اللف والدوران وفاشل جدًا في التلميح.
أنا كالحرب كالقيامة، والموت، أنا أشبهُ كل شيء واضح لا يهم إن أحببتني أم لا. مشاعري تكفي لكلانا، هل أنت فاشلة في الطبخ؟ نطبخ سوياً. هل تريدين أن تكونين بمفردك سنعيش بعيداً عن الجميع. أنا لا أخشى من أي شيء عدا أن أفقدكِ أو يمر عليّ يوم لا أسمع فيهِ صوتكِ أو أرى وجهكِ.
ذهبنا سويًا لأشتري آلة الكمان من نوع كريستينا، بينما ذهب هو ليشتري لي حلوى باهظة الثمن، بينما أنا قدمت إليهِ شطيرة برغر، لا تساوي 5 دولارات. انتابني الخجل حينما قارنت عطائي بعطائهُ، كان سخي جدًا كأنه من طبقة أرستقراطية لم يرى ملامح الفقر إلا على محياي لذا أعاد لي شطيرتي قائلاً: "لا داعي لذلك أنا لا أستطيع أن أخذ منكِ طعامكِ، كنت أمزح معكِ أردت أن أجلس معك لا أكثر،
لو كنت أعلم بأنكِ ستشترين لي شطيرة كنت ذهبت معك لأدفع لك ثمن الطعام لكلانا، كيف لرجل أن يأكل من مال امرأة؟". تركت الشطيرة في السيارة ثم قلت لهُ: "بإمكانك أن تعتبرني صديقة بعمرك، إن شئت تناولها وإن شئت قدمها لأي قطة ستصادفها في طريق العودة إلى السكن الخاص بك".
لا أعلم هل باتت الشطيرة في جوفهِ أم صارت من نصيب إحدى القطط المشردة.
في اليوم التالي ذهبت إلى المكان الذي أشترى لي علبة الحلوى وسألت عن ثمنها فكان باهضاً كما توقعت.
مضى أسبوعاً كاملاً وأنا هادئة جداً حتى ظن الجميع بأننا متخاصمين، حتى هو أيضاً تفاجئ بتصرفي فمن المعتاد ان حاجز الخجل والارتباك يختفي تدريجياً بعد كوب من الشاي فما بالك بمن يقدم علبة كبيرة من الحلوى. لم يتحمل كل هذا الصمت الذي ترجمهُ على أنهُ تجاهل.
قال لي: "لماذا كل هذا الصمت المميت؟، هل تتلذذ روحكِ بعذابي أم هذه قلة احترام؟، هل أنا أشبهُ الجميع؟، أنا لست رجلًا أقل منكِ لكي تنظرين لي بكل هذا الغرور، انزلي من عليائك كي لا أبكيكِ بقساوة كلماتي أنا أيضًا رجل متعلم لم أخرج من حظيرة بقر لكي تعامليني بكل هذهِ اللامبالاة".
قلت لهُ: "حظيرة بقر! أنا من محبين حياة البسطاء، غادر عالمي وأتمنى أن تهبك الأقدار امرأة أفضل مني تجيد الركض خلف المظاهر، دعك مني أنا أنتمي إلى الشاي المعمر على الجمر والجلوس في الحدائق العامة لست مثلهن لا أجيد الجلوس على الطاولات الفاخرة ولا أجيد المشي بالأحذية العالية أنا أرتقي بعقلي لذلك تراني صامتة مع الأغلبية".
قال: "أهدرت عُمري في المحاولات كل ما أعرفه عن النساء هو عشقهن للرجل الثري الذي يقدم الهدايا بلا مناسبات، عندما رأيت بساطتكِ وقناعتكِ التامة تعريت وتجردت من أقنعتي. هذهِ المرة الأولى التي أكون فيها واضحًا أمام ذاتي لذا قررت أن أُمطر عليكِ كل حُبي كل عشقي كل كلمة تليق بكِ يا سيدة قلبي الأولى والأخيرة".
ضحكت وقلت لهُ: "قلبك يُشبهُ الفندق ممتلئ بالنزلاء أنى لي أن أكون الأولى، بل قل يا سيدة قلبي ما قبل الأخيرة لعلِ أصدق. أنت لا تملك سلطة على نفسك لكي تلتزم بميثاق تبرمهُ من تلقائك تحتاج عامين من النضوج لتربط مصيرك بمصيري، لست من النساء اللواتي تضطر أن تجلب لهن الهدايا بلا مناسبات لتحصل على فتات الاهتمام، أنت لا تملك الشجاعة التي كنت أطمح أن تفاجئني فيها كأن تسرق حزني مني تكون لي أب وأقرب لي من الوتين ألا تعلم بأن سرقة الحزن من القلب مباحة،
كم مرة سرقت حزنك وخبئت نصفه في قلبي ونصفه الآخر في عيني". قال: "أنا أعرف بأن حزنك بلون كحل عينيكِ الأسود، وحبي بلون بياض وجهكِ وعندما أحببتكِ بجنون تام أمست حياتي رمادية اللون. أنا الآن بلا قرار...
لا أعلم هل النجوم في السماء أم سقطت تحت قدميكِ هل أهرب منكِ إليكِ أم تهربين مني إلي، أم يظل هذا الحب كالفرس الجموح الذي يفر من صاحبهُ ولا يقنعهُ أي ترويض لأنني جلدتهُ بالسوط مراراً وتكراراً رغم أنه فرس لا مثيل لهُ ولا يستحق قساوتي.
كنت ظالمة معهُ، لم أمنحهُ التقدير الذي يستحقهُ، لذا إما أن تقتلينهُ بغيابكِ عني للأبد أو أقتله بامرأة تختارها لي أمي أو تختارها لي غريزتي الحيوانية التي تكاد تقتلني. كل ما أخشاه أن أكون مع امرأة غيركِ رباه...
لو كانت حبيبة رجل أخر تركها لتتزوج زواج تقليدي لذلك تدعي بأن الحب لم يطرق بابها يوماً، أنا مستعد أن أموت لأجل أن تكونين كل المسميات في حياتي لا أريد حبيبة أحد لا أريد أن تختار لي أمي، هي ستختار لي جسداً لا قلباً وعاطفة. لا أريد أن تكونين مُلكاً إلا لي، لا أريد شمساً تشرق في سمائي بعد أن غربت من سماوات أخرى. أفضل أن تبقى سمائي صافية تنتظركِ لتكوني لها شمساً وقمراً منكِ النار والنور.
هل تعلمين في هذهِ الحياة تُحبني امرأتين أُمي التي أنجبتني لتثبت لأبي بأن اختياره لها كان صائباً جداً فالنساء لا يمنحن قلوبهن إلا لرجل يكون في أعينهن سيد الرجال وعلمتني أن حب المرأة للرجل مثل ثمرة الخوخ لا تتسع إلا لبذرة واحدة، والحبيبة الثانية هي أنتِ يا مُعذبتي التي سأعيش في قلبها الصغير. ألا تريدين أن تشربين شاي المساء معي ألا تريدين أن أضع زهرة الياسمين بين خصلات شعركِ الأصهب.
ألا تريدين أن أقبل جبينك قبل أن تنامين ألا تريدين أن أصنع لكِ رفوف كتب من الخشب، سأصنعها لكي على مستوى طولك الذي لا يتجاوز156 سنتيمتر". في اليوم التالي قال لي: "سأرسل إليك شيء يختصر على قلبي الإفصاح وعلى قلبك التصديق". أرسل لي على أحد برامج التواصل الاجتماعي أغنية للفنان علي جاسم أسمها "من الأخير".
عدت إلى منزلي، سمعت الأغنية، تمعنت في كلماتها بدقة. منذ ذلك اليوم وإلى يومنا هذا كان ذلك اليوم هو اليوم الأول والأخير لولادة حب ووفاتهُ لأنهُ كان يُشفي قلبهُ بقلبي الذي لم يعرف الحب وما هو إلا بعد أن أَحبهُ.
لم يبق لي إلا تلك الأغنية لحنها وكلماتها مثل حطب تضرم النار في لُب قلبي ببطء، تعانقهُ ألسنة نار الذكريات ويُنقى كما يُنقى الذهب، زالت شوائب الحب يا هذا وبان نقائهُ رغم هذا لم تأتي صاحبهُ بعدها أكل الدهر وشرب حتى الثمالة فوق عُمري ليكون سيد قلبي الأول والأخير. ليتني أجد إجابة لماذا أختار أن يكون قلبي المتيم بهِ يتيمًا.











06/12/2024 - 12:36 PM





Comments