يسعى الحوثيون إلى تحريك مسار الحوار ليس مع الحكومة بل مع السعودية

06/03/2024 - 09:59 AM

Prestige Jewelry

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

انزعجت الجماعة الحوثية عندما حيدت السعودية العلاقة معهم عن تداعيات الحرب في غزة، وعملت ما في وسعها لإبقاء قنوات الواصل مفتوحة مع إيران بما يبقي الباب مواربا أمام الحوار بين الحوثيين والشرعية، فالسعودية لم تندد بالهجمات الحوثية على السفن في البحر الأحمر بالرغم من أن موقفها مهم بالنسبة إلى الولايات المتحدة لعدة أسباب أولا أن السعودية تطالب بوقف فوري للنار في غزة عندها سيتوقف الحوثي عن استهداف السفن وثانيا أن الولايات المتحدة هي من أوقفت التحالف بقيادة السعودية عن تحرير الحديدة وإبعاد الجماعة الحوثية عن البحر الأحمر واستبدلته باتفاق إستكهولم عام 2018 برعاية أممية في السويد، فيصبح استهداف السفن شأن أمريكي وليس سعودي، لذلك رفضت السعودية الانضمام إلى تحالف بحري دولي شكلته واشنطن لحماية حرية الملاحة، لكن كان موقف السعودية المطالبة بضبط النفس وشددت في نفس الوقت على أهمية الاستقرار في منطقة البحر الأحمر.

يسيطر الحوثيون على شمال اليمن بحكم الأمر الواقع ويودون أن يعززوا استدامة هذا الحكم، وفشلوا في ابتزاز السعودية من أجل منحهم هذا الحكم، واتجهوا إلى استثمار طوفان الأقصى لابتزاز أمريكا على غرار ما حدث عام 2018 التي منعت التحالف من تحرير الحديدة لكن فوجئ الحوثيون أن الأوضاع الدولية تغيرت وأصبحت السعودية دولة محورية تتنافس عليها الدول الكبرى من أجل تحقيق مصالحها الاقتصادية ولن تستطيع أمريكا إغضاب السعودية، ما يعقد الجهود الأممية والدولية الرامية إلى تحقيق حل دائم لأزمة البلاد التي تواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية بالعالم عززها استهداف أمن الممرات في البحر الأحمر في أن الحوثيين ليسوا شركاء موثوقين.

دفع الحوثيون الذين لم يحصلوا على ما أرادوا لا من السعودية ولا من الغرب إلى التصعيد العسكري في جبهات القتال الداخلية بجانب التصعيد في ممرات البحر الأحمر، ما جعل المبعوث الأممي هانس غروندبرغ إلى إبلاغ مجلس الأمن الدولي بهذه المستجدات التي تنبئ بخطورة الوضع العسكري في 13 مايو 2024 باستمرار الأنشطة العسكرية في سبع محافظات باليمن، وبشكل خاص تهديدات الحوثي في مأرب داعيا الأطراف اليمنية إلى ضبط النفس والدفع بخارطة الطريق لحل الأزمة، سبق أن أحاط المبعوث مجلس الأمن في 15 أبريل 2024 في أن الوضع العسكري في اليمن ما يزال مستقرا نسبيا مقارنة بما كان عليه قبل أبريل 2022.

أبلغ وزير الخارجية اليمني شايع الزنداني المبعوث الأممي أن الجيش الوطني أسقط طائرة مسيرة مجنحة للحوثيين في الجوف وحدثت اشتباكات نتج عنها قتلى من الطرفين، وان هذا التصعيد العسكري من قبل الحوثيين يصاحبه تصعيد اقتصادي فاقم من الأزمة الاقتصادية، وقوض العملية السياسية، وفرص تحقيق السلام، وطالبه بضرورة إعادة النظر في التعاطي الأممي مع الممارسات الحوثية ودفعها للانخراط في بجدية في مسار سياسي مبني على المرجعيات المتفق عليها وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة على رأسها القرار الأممي 2216 بعدما أعلن المبعوث الأممي في 23 ديسمبر 2023 عن التزام الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي بحزمة تدابير ضمن خارطة طريق تشمل وقفا شاملا لإطلاق النار، لكن التوقيع على هذه الخارطة اصطدم بتصعيد عسكري، ما جعل الحكومة الشرعية في مارس 2024 تعلن عن توقف خارطة الطريق الأممية لوقف إطلاق النار مع الحوثيين بسبب تصعيد الجماعة في البحر الأحمر وتهديد الملاحة الدولية.

 ما يعني أن الجماعة الحوثية لن تقبل بالحلول السياسية بسبب أن لديها نشوة عالمية لتحقيقها العديد من المكاسب على رأسها تنفيذ الأجندة الإيرانية وكسب أصوات العامة ليس فقط في اليمن بل في أنحاء العالم العربي مستثمرة طوفان غزة وادعاء نصرتها، ما جعلها ترفع سقف طموحاتها وتحاول السعي نحو التجذر أكثر وأعمق في ظل الانقسام في الحكومة الشرعية والأداء الرخو، ولا توجد بارقة أمل لتحقيق السلام في ظل تعنت الحوثي التي تسعى لتحقيق أجندتها في اليمن ما لم يتم تحييد قوتها العسكرية والاقتصادية.

من أكبر أخطاء الشرعية اليمنية تحييد القطاع المصرفي أدى إلى الانقسام النقدي وانهيار العملة من أجل احتواء الحوثيين، لكن ما حدث العكس باعتبار أن القطاع المصرفي دعامة أساسية لتحقيق وحدة اليمن، ما جعل البنك المركزي اليمني يقدم على منع التعامل مع 6 بنوك في صنعاء بعدما أمهلها فرصة 60 يوما لنقل فروعها إلى عدن، اعتبر القرار الرئيس اليمني خيار الضرورة خصوصا وأن القرار يعزز حضور الدولة ومؤسساتها وهو قرار لحماية الاقتصاد وطمأنة القطاع المصرفي والمودعين مع تعهد البنك المضي بالإصلاحات وإنهاء التشوهات النقدية التي تسببت فيها الجماعة الحوثية.

بالفعل عزز البنك المركزي في عدن سيطرته على التحويلات المالية من الخارج وحصرها في البنوك وشركات الصرافة المؤهلة لتحسين أداء الإيرادات العامة بعدما مارس الحوثيون حرب اقتصادية ضد الشرعية بدأها منذ 2020 عندما حظر تداول الأوراق النقدية الجديدة، وقصف موانئ تصدير النفط لحرمان الحكومة الشرعية من الإيرادات، ومنع رواتب الموظفين في المناطق التي يسيطر عليها منذ 7 أعوام حتى الإيداعات استخدمها في تمويل جماعته وتمويل المجهود العسكري في الجبهات ورغم احتجاجات المودعين لكنهم لم يحصلوا على إيداعاتهم، هذا إلى جانب سك عملة مزورة، في محاولة فاشلة لتقاسم المركزي القانوني للدولة وهو خط أحمر لا يمكن تجاوزه أو قبوله.

لذلك كان قرار البنك المركزي في عدن السيطرة على التضخم وعلى العملة الوطنية التي قيمتها في عدن نحو 1760 ريال مقابل الدولار وفي صنعاء 531 ريال مقابل الدولار، ويمكن وصول بنك عدن إلى الشبكة المالية العالمية سويفت، وتعزيز الرقابة على البنوك والعمليات المصرفية الخارجية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لذلك قرر البنك المركزي في عدن سحب الطبعة القديمة قبل 2016 من الفئات كافة ومنح مهلة شهرين للمودعين والبنوك والشركات لتسليم هذه الفئات إلى البنك تمهيدا لإلغائها التي تفرض الجماعة التعامل بها حصر.

أي أن البنك المركزي اتخذ 3 قرارات مركزية بعدما ورطت الجماعة الحوثية نفيها في مواجهة عالمية عندما استهدفت أمن الممرات البحرية ولن تجد ممانعة دولية لصالح الجماعة الحوثية كما حدث عام 2018، فقرر البنك المركزي في عدن نقل الفروع إلى عدن وسحب الطبعة القديمة والسيطرة على التحويلات الخارجية.

هناك حراك سياسي تحضيرا لاحتضان العاصمة مسقط لقاءات بين فرقاء يمنيين وجهات معنية بالصراع بهدف كسر جمود العملية السلمية لكن البعض يعتبر مثل تلك اللقاءات موضوع شك كبير بعد إجراءات البنك المركزي التصحيحية لتعزيز دور الحكومة الشرعية وإجبار الجماعة الحوثية على الجلوس على طاولة المفاوضات، ولن تكون هناك أي مفاوضات مع السعودية باعتبار أنه شأن يمني - يمني وأن الجماعة الحوثية هي من ورطت نفيها في مواجهة دولية في البحر الأحمر.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا

     [email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment