أطفال "الهجرة غير الشرعية" في اليونان!

04/29/2024 - 09:04 AM

Bt adv

 

 

 

ألفة السلامي

 

الهجرة غير الشرعية لا تتوقف ولا تهدأ رغم الإجراءات لعلاجها من منبعها. والملفت أن أطفالًا يسافرون عبر مراكب الهجرة غير الشرعية وبموافقة وتشجيع من أهاليهم. هي ظاهرة غريبة حاولت العديد من الدراسات فحصها، ومنها تلك التي قادها المركز القومي للبحوث الاجتماعية في مصر، لفهم أسباب اندفاع الأهالي لتسفير أبنائهم ودفع مبالغ ضخمة في سبيل ذلك، رغم علمهم بالمخاطر الهائلة التي تنتظرهم في الرحلة البحرية والتي قد تودي بحياتهم؛ بل إنهم يتفقون مع السمسار على أنه في حالة مات الابن غرقًا يتولى تسفير ابن آخر بنفس المبلغ المدفوع مسبقًا، مقابل التكتم على اسم السمسار وعدم إفشاء أي تفاصيل عن الرحلة خلال تحقيقات الشرطة!

ومن الملاحظ خلال السنوات الأخيرة إقدام الأهالي على تسفير أبنائهم الأطفال وبأعداد كبيرة مقارنة بالفترات التي سبقتها؛ والطفل وفقًا للقوانين الدولية هو من لحظة الولادة ولحدِّ الثامنة عشر. وجاءت قرارات الأهالي بإرسال أطفالهم في رحلات الموت بعد أن أصبح معروفًا لديهم أن القوانين الأوروبية تمنع إعادة الأطفال إلى بلدانهم الأصلية. وقد قرأت مؤخرًا تدوينة لصحفي مصري يدعى عمر لورانس، يعيش في مانهاتن بنيويورك حسب ملف تعريفه الشخصي على منصة أكس، ويعمل مترجمًا في اليونان. وذكر في التدوينة أن السلطات في أثينا ألقت القبض على 23 طفلًا مصريًا في ميدان "مونستراكي" وسط العاصمة اليونانية. ويوضح أن أكبر طفل في هذه المجموعة لم يتجاوز الخامسة عشر، وقد وصل مع أقرانه لليونان من ليبيا عن طريق البحر منذ فترة لم يحددها. وأودعوا دارًا لرعاية الأطفال، لكنهم هربوا منها بسبب إجبارهم على حضور دروس لتعلم اللغة اليونانية!

يصف المترجم هؤلاء الأطفال بـ "الرايقين" وأن لديهم نفس قصة شعر لاعب النادي الأهلي إمام عاشور. وشرح لهم الإجراءات التي تنظِّمُ عودتهم لدار الرعاية وتغليظ العقوبة إذا ما حاولوا الهروب منها مجددًا حيث يحالون لسجن الأحداث. كما شرح لهم "في هدوء" الورطة التي وضعوا أنفسهم فيها حيث أنهم مهددين بالترحيل إلى بلدهم. وحاول التعرُّفَ على دوافعهم للهروب. لكنْ فوجئ في الأثناء بطفل يتزعمهم ويصدرُ أوامره للجميع بالتزام الصمت. وخاطب المترجم في تحدٍّ وطلب منه أن يترجم للضابط فقط ما يقوله هو، باعتباره متحدثًا نيابة عنهم؛ ثم أملى شروطه -لا تستغربوا فهذا فعلًا ما حدث - قائلًا: "خليهم يسيبونا نشتغل ويعطونا أوراقًا رسميّة نمشي بيها براحتنا ولحد ما نلاقي شغل ويوفرون لنا سكنًا ومالًا! "

المترجم تركهم قليلا وذهب للضابط ثم عاد إليهم ليعلن قرار رحيلهم إلى مصر، موضحًا أن موعدَ الطائرة بعد ساعتين، وأن عليهم أن يتواصلوا مع أهاليهم لاستقبالهم في المطار! وهنا هبط عليهم الخبر كالصاعقة وتغيرت لهجتهم محاولين استعطاف المترجم حتى يتوسط لدى الضابط فيعدل عن قرار الترحيل. وتغيرت لهجة الطفل "الزعيم" الذي كان يقول للمترجم "أنت هنا فقط لترجمة مطالبنا إلى الضابط" ثم أصبح يستحلفه بأغلى شيء عنده حتى يمنع ترحيلهم!

ويروي المترجم كيف اتصل الطفل المتزعم للمجموعة بخاله تليفونيا، وطلب الأخير بدوره الحديث مع المترجم. وقال له بالحرف الواحد: "سلام عليكم يا باشمهندس، هو فيه ايه؟ الواد عنده 11 سنة وعايز يبني مستقبله ودافعين له 300 ألف جنيه عشان يوصل؛ عايز ترجعهولنا ليه؟ ما الناس كلها بتآكل عيش، والله أخوه عمره ثماني سنوات كان خارج معاه على نفس المركب بس قلنا بلاش، وبعدين لغة ايه ومدارس ايه اللي اليونان عايزاه يحضرها، احنا فاضيين؟!"

في تلك اللحظة تأكد المترجم أن كلامه مع هذا الخال لن يجدي نفعًا. وانتهت المكالمة مع الخال وغاب المترجم نصف ساعة ثم عاد ليعلنَ للأطفال أنهم سيعودون إلى دار الرعاية بشرط الالتزام وتعلم اللغة وعدم محاولة الهروب من جديد حيث أن السجن سينتظرهم هذه المرة ولن يفلتوا. والغريب -كما يقول المترجم- إنهم كانوا غاضبين ومتذمرين عندما حضر المشرف لاصطحابهم للدار. وتحدث الضابط مع المترجم بينما كان الأول يستكمل كتابة المحضر الخاص بالأطفال، قائلًا بالحرف: "سيحاولون الهروب مرة أخرى-احنا عارفين- وسوف يسجنون؛ وداخل السجن سيتعلمون "غصبًا عنهم!". وختم كلامه، متسائلًا: " ماذا كان يتوقع من أرسلهم للبحر في رحلة الموت؟!".

والحقيقة أن ما يلفت النظر في هذه القصة فكرة الاستحقاق للفرصة و"البجاحة" المستفزة التي يتحدث بها الطفل وهو في النهاية لا يملك أي مقومات، غير متعلم وقليل التربية وغير مستعد لبذل أيجهد للتعلم وتحسين نفسه وتلقي مهارات تفيده في المستقبل. صحيح أنه وغيره من الأطفال ضحايا ويدفعون ثمنًا لمجموعة من الأسباب المتداخلة التي أدت لهذا الوضع، لكن النتائج الكارثية لهذا الوضع مرشحة للتفاقم. والدليل على ذلك ما ذكره المترجم أيضا من وجود حالات تحرّش داخل مترو أثينا تورط فيها أطفال "مصريون" وفقًا للبلاغات والكاميرات، إضافة إلى المشاجرات والجرائم كالسكر والمخدرات في الطريق وغيرها. وبفضل تدخل منظمات المجتمع المدني للدفاع عنهم يخرجون من أقسام الشرطة، دون حتى شكر من دافع عنهم.

قد يرجع هذا السلوك إلى غياب التربية في المنزل لكنَّ الأمر ليس قاصرًا عليه؛ فالنمط العام السائد في المجتمعات عموما هو النمط الاستهلاكي وكأنَّ الحقوق مادية فقط دون تعب أو مجهود (يعني فلوس ومقتنيات) بينما أول الحقوق هو الحق في التعليم المقترن بالتربية وهو واجب أيضًا على الأسرة وعلى الحكومات، مثلما رأينا اليونان في هذا المثال، وكيف تصرُّ على تعليم المهاجرين الصغار اللغة والانضباط داخل دور الرعاية.

 عندما غاب الصح والغلط والحلال والحرام والقيم عموما ظهرت التجاوزات والجرائم. وعندما يبحث البعض عن الكسب السريع مهما كانت المخاطر ويبيعون أرضهم ومصاغهم وكل ما يملكون حتى لو كانت الخسائر موت أبنائهم فلا يجب أن نتعجب بعد ذلك من هذا كله!

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment