العقبة حكاية العابرين الى فضاء الوجود

04/21/2024 - 17:12 PM

Bt adv

 

 

بقلم: صالح الطراونه *

 

سأكتفي حين ينحلُ المساء أمام طريقها المعبد بأنا عقباوي يا بوي، حيث أحتاجُ معول لأزرع في سفوح أرضها قصيده ينُبت منها مصباح يُشعل جمالها فقد أخفت الشمس هودجها في شعابها فإذا ما ضاقت بي الأرض ساَتيك يالعقبه فهذه بلادي لا طولٌ يطاولها وهذه بمثل زيتونةٌ لم تخضب جدائلها ففي كل دمعةِ عين تراها وفي كل وجه طيبٌ زرعنا قمحنا وصبانا .

العقبه " كلما أممت وجهي اليها ولدمعة جفن يضرعُ معي زيتونٌ وقمحٌ ليمسح الأحزانَ عن وجه التراب فمن كل فج جاء الذين يقرأون قصيدة الوطن المقدس يبوحون بغيم قراهم لذاك الأفق البعيد وهذا الخليج الممتد كقطعه في روحنا تضيء دروبنا الخجلى .

العقبه قد وزَعت فرحها المجبول في طين الأرض كطفلاً يخاف البوح , سنأتيها فهي أقرب دروب البر التي لها بين الضلوع رفات عاريه نقشنا على وجهها قناديل الأمهات فأصبحت " العقبه " أعذب الأغنيات , وغدت كالنخيل أعلاهم غصوناً فيا طالعين الصباح حين يفج الظلام ويا قاصدين الدرب لخليجها التي مع كل نسمة تنشر خريف الذكريات فهي الآن " العقبه " كنخلة تعبر الآن فصل الصيف لتقول جيئ بهذا الأسم بسبب صعوبة الوصول إليها من جهة البر، فمدخلها الشمالي يمرّ عبر مرتفعات “النقب” الشاهقة.

وتشير بعض الأحافير إلى أن تاريخ العقبة يعود إلى 3000 سنة، وكانت تسمى “أيلة” في عهد الأدوميين، وعثر فيها على أواني فخارية تزينها نقوش مسمارية وعربية قديمة وقد خضعت العقبة لحكم الأنباط، وهم قبائل عربية جاءت من اليمن قبل 400 سنة من ميلاد السيد المسيح، وفي عهدهم اشتهرت العقبة كممر استراتيجي لتجارة الحرير، ثم احتلها الرومان في العام 64 الميلادي، ويعتقد أن الآثار البيزنطية فيها تشير إلى أقدم كنيسة مسيحية عرفها العالم على الإطلاق ثم فتحها المسلمون صلحا في السنة التاسعة للهجرة، الموافقة للعام 630 الميلادي، وأهداهم الرسول صلى الله عليه وسلم بردته وهو في غزوة تبوك، وقد احتفظوا بها حتى جاءت الدولة العثمانية ونقلتها إلى إسطنبول، وفي عهد الخليفة عثمان بن عفان بنى المسلمون مدينة “إيلة” الإسلامية، وجعلوا لها أربع بوابات: بوابة مصر وبوابة الشام وبوابة البحر

وبوابة الحجاز وقد غزاها الصليبيون في العهد الفاطمي، مما اضطر سكان إلى المدينة إلى تركها خوفا على أنفسهم، ثم أعادها القائد صلاح الدين الأيوبي إلى حظيرة الدولة الإسلامية، ويتوسط مدينة العقبة برج ضخم وقلعة حصينة تعود إلى أواخر حكم الأيوبيين وأتمها وزاد عليها المماليك، وقد اتخذوها مركزا استراتيجيا هاما للسيطرة على مناطق حكمهم في فلسطين والشام في نهاية القرن الثامن عشر كانت العقبة هي منطقة القلعة فقط، وكان جميع أهلها يسكنون داخل القلعة، ثم لما زاد عددهم وضاقت بهم القلعة انتقلوا إلى خارجها وبنوا مساكنهم ومتاجرهم وأسواقهم خارج أسوار القلعة.

وبهذا تكون نواة العقبة الحديثة قد تشكلت.فمن القلعة وهي موقع لواحدة من أشهر المعارك في الحرب العالمية الأولى - وهي انتصار للثورة العربية تم تخليد هذه الانتفاضة التي اجتاحت العقبة عام 1916، في مشهد لا يُنسى من فيلم " لورانس العرب" عام 1962 حيث تم بناء القلعة التي تعود للقرن السادس عشر من قبل سلطنة المماليك واستخدمت لعدة قرون كخان أو نزل للمسافرين لاستضافة الحجاج في رحلتهم إلى مكة مروراً بشاطئ الحفاير العام المجاني، والمعروف أيضًا باسم شاطئ النخيل، على الساحل الجنوبي، هذا الامتداد الجميل المليء بأشجار النخيل يحيط به البحر الأحمر هذا هو المكان المثالي لمشاهدة غروب الشمس مع كوب من الشاي والاستمتاع بتلك اللحظات الشاردة في عالم الجمال.

ويمكن للعقبه أن تكون حجر الأساس لوادي رم، وادي الحجر الرملي والجرانيت ذو المظهر الغامض حيث يُعرف أيضًا باسم وادي القمر، وقد تشكلت هذه الأعجوبة الطبيعية من التكوينات الصخرية الرائعة على مدى ملايين السنين من الظروف الجوية المتغيرة والتآكل يغطيها غروب الشمس بشكل خاص ومن الأفضل الاستمتاع به أثناء الليل ومن ثم تضيء دروبك نحو متحف العقبة الأثري بجوار القلعة وبالقرب من سارية علم العقبة التي يبلغ ارتفاعها 130 مترًا ويقدم لك أفضل مقدمة لتاريخ المدينة الغني كان في الأصل قصرًا لمؤسس الأسرة الهاشمية الحسين بن علي حيث يضم مجموعة من القطع الأثرية من العصر البرونزي التي يعود تاريخها إلى 4000 قبل الميلاد.

ومن بين الكنوز المعروفة العملات الفاطمية من العصور الوسطى ونقش لآية قرآنية كانت معلقة فوق البوابة الشرقية في العقبة, وبعدها يمكنك أن تدخل في فضاء الوجود حيث أعظم الأصول في العقبة تقع تحت السطح - الشعاب المرجانية في البحر الأحمر يجعل من رحلة الغطس بين السلاحف والمرجان إلى أن تصل الى حُطَام سفينه حيث يذهلك المنظر وتفاصيله الدقيقة ومن هناك تعبر نحو مسجد الشريف الحسين بن علي، الذي سمي على اسم قائد الثورة العربية عام 1916، من أبرز أماكن العبادة في العقبة حيث تم بناؤه عام 1975 وتم توسيعه عام 2011، ولا يزال الحجر الأبيض يلمع على قبته الواسعة ومئذنته المعقدة وأقواسه الأنيقة.

وحين تتجول في المدخل الرئيسي ستجد الفسيفساء الداخلية المزينة بالنوافير والأعمدة والثريات ثم عُد ليلاً لرؤية البرج المرتفع مضاءً بالضوء الأبيض الساطع وانت تعبر المسجد ستمر حتماً الى استكشف مدينة أيلا الإسلامية المبكرة، حيث الشمال الغربي من وسط المدينة، تمثل الآثار القديمة موقع أول مدينة إسلامية يتم تأسيسها خارج شبه الجزيرة العربية هناك يمكنك رؤية أنقاض كنيسة قديمة، والتي يمكن القول إنها أقدم كنيسة بنيت لهذا الغرض في أي مكان في العالم، بالإضافة إلى أجزاء من سور المدينة حيث يقع الموقع أمام فندقي موفنبيك وخليج العقبة مباشرة، وعلى بعد مسافة قصيرة من الشلال، وعندما تريد أن ترصد حركة جمال العبور لعصافير غافية على جمال المدينة عليك ان تمضي الى مرصد طيور العقبة في الطرف الشمالي للبحر الأحمر، بالقرب من حدود إيلات، ويستقبل أسراب الطيور من أوروبا وآسيا وأفريقيا في كل موسم هجرة تخلق الغابات والأراضي الرطبة المزروعة هناك تناقضًا صارخًا مع الصحراء المحيطة، ولا تقل جمالًا عن إدارتها بشكل مصطنع يجذب أي موسم أكثر من 70 نوعًا مختلفًا من الطيور التي تمر عبر عنق الزجاجة من طرق الهجرة العالمية.

سأردد لوجهك الصبوح يا العقبه حين قالها " المتنبي " ذات يوم ...

وَقَفتَ وَما في المَوتِ شَكٌّ لِواقِفٍ  كَأَنَّكَ في جَفنِ الرَدى وَهوَ نائِمُ

تَمُرُّ بِكَ الأَبطالُ كَلمى هَزيمَةً وَوَجهُكَ وَضّاحٌ وَثَغرُكَ باسِمُ

إننا أودعنا فيك يا " العقبه " كتاباً..... ورائحة مسك تجوب بحركِ والرمال كالحلم الندي يسابق الريح في براري الروح ويطوف بين شواطئك كالنسر يخبئ في قلبه برتقال " أريحا " وينثر فوق سهول وادي القمر قمرًا في درب الجنود يضيء لهم دروب النصر وبأنك مدينتي التي لا تعرف التأويل

وبأنني أسقيت أقلامي من محاجر العيون حتى أصبح وجهك لي مرفأ

 

* مندوب بيروت تايمز – الأردن

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment