هل انقلبت حرب غزة على إيران بمراجعة استراتيجية محور المقاومة؟

04/21/2024 - 08:55 AM

Arab American Target

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

انتقد مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون غياب أي استراتيجية أميركية في الشرق الأوسط مشددا على ضرورة التصدي لطهران وحلقة النار التي أسستها إيران مع وكلائها في المنطقة، خصوصا وأن الولايات المتحدة تؤكد للطرفين الإبقاء على قواعد الاشتباك عند السقف المعهود، ولا تود أحد تجاوز الخطوط الحمراء.

نجحت إيران في نصب شباك الاتفاق النووي مع المجتمع الدولي من اجل كسب الوقت في التمدد في المنطقة، إلى جانب أنها استقوت بتصريح بول بريمر الحاكم العسكري للعراق بعدما احتلال أمريكا العراق عام 2003 عندما صرح في أحد لقاءاته أن أمريكا عندما أطاحت بنظام صدام حسين أنها أطاحت في نفس الوقت ألف سنة من التسلط السني على المنطقة منذ العهد العباسي، ولا أعلم لماذا تجاهل العهد الأموي وعهد الخلفاء الراشدين، وبول بريمر لا يدرك أن السعودية ليست زعيمة السنة فقط بل هي زعيمة المسلمين بجميع طوائفهم.

 لكن السعودية قدمت إنذارا للولايات المتحدة في عهد أوباما بالتوقف عن الاستمرار في التخادم وإيران على حساب المصالح الخليجية السعودية، ونفذت السعودية عاصفة الحزم ردا على الاتفاق النووي مع إيران الذي اعتبرته السعودية اتفاقا مقابل غض الطرف عن النفوذ الإيراني في المنطقة، خصوصا عندما وصلت إيران إلى مجالها الحيوي في اليمن اعتبرته السعودية حصارا لها تقوم به إيران.

 وعندما وجدت السعودية أن أمريكا والمجتمع الدولي وقف حائلا أمام تحرير صنعاء وتحرير الحديدة، وبشكل خاص بعد ضرب بقيق وتوقف نصف الإنتاج النفطي عام 2019، وسحبت إدارة بايدن الباتريوت، عندها وجدت السعودية أن تبحث عن استراتيجية أخرى بعيدا عن الولايات المتحدة ببحث التهدئة مع إيران خصوصا وأن السعودية استثمرت الاحتجاجات داخل إيران وقد يؤدي إلى انهيار نظام الملالي لأن إيران عبار عن قوميات متعددة من الأحواز والبلوش والأكراد وأذربيجان وغيرهم وكل كيان يود الاستقلال عن إيران، فوافقت إيران على التهدئة برعاية بكين، شكل صدمة للولايات المتحدة لما تقوم به السعودية من أدوار فاعلة لإدارة المنطقة، وبدأ عهد جديد في إعادة ترتيب المنطقة، واضطرت أمريكا أن تغير من استراتيجيتها تجاه المنطقة خصوصا وأن السعودية بدأت تتولى استراتيجية تنمية الشرق الأوسط وتحويله إلى الشرق الأوسط الأوروبي، وبشكل خاص التقت استراتيجية السعودية الجديدة مع الحرب الأوكرانية الذي جعل أوروبا في أمس الحاجة إلى الطاقة في منطقة الشرق الأوسط كبديل عن الطاقة الروسية ريثما تحقق الطاقة المتجددة حاجة أوروبا.

بدأت تشعر إسرائيل بخطر محور المقاومة بعدما تخلت السعودية عن المواجهة مع إيران بعد التوصل إلى اتفاق للتهدئة بشكل خاص عن توقف إيران دعم الحوثي بالأسلحة ضد السعودية في اليمن كأولوية، كما يحب بولتين يسميه محور النار، وهو حقيقة محور النار لأنه أحرق دول بأكملها العراق وسوريا ولبنان واليمن كان آخرها حماس التي اكتوى العالم الغربي بنارها، ولم يتوقع العالم الغربي أن حماس تقوم بمثل ما قامت به، فهل الموساد الإسرائيل كان ضالعا في هذه العملية، أو أراد نصب فخ لحماس في القيام بطوفان الأقصى من أجل أنه حان القضاء على حماس، الذي صفق له محور المقاومة، وكذلك شريحة واسعة من المسلمين التي لا تستوعب أبعاد مثل تلك العملية الحربية على الشعب الفلسطيني بشكل خاص.

 مما جعل الغرب يصطف خلف إسرائيل من أجل حقها في الدفاع عن النفس، رغم ذلك وقفت السعودية حائط صد أمام هذا الاصطفاف الغربي، ورفضت الكيل بمكيالين، فهي ترى روسيا معتدية فيما إسرائيل المحتلة للأراضي الفلسطينية لها الحق في الدفاع عن نفسها، خصوصا بعدما اتجهت إسرائيل إلى ردة الفعل عبر القيام بإبادة شعب بأكمله، وتهجيره وتجويعه وقطع المياه والمساعدات عنه، ووقفت السعودية بجانب الفلسطينيين باعتبار أن الشعب الفلسطيني شعب محتل وكل الشرائع والقوانين الدولية تجيز المقاومة ضد المحتل.

منذ عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بدأ يحجم حلقة النار بانسحابه الأحادي من اتفاق النووي، أربك الدول الغربية التي شاركت أمريكا في توقيع الاتفاق النووي واقترب من السعودية وزارها في أول جولة خارجية في 2017 واتفق مع السعودية على وقف استخدام الإرهاب من قبل الدول، وحينما وجد ترامب إيران لم ترتدع، وبدأت تهدد القوات الأمريكية في العراق، اتجه إلى قتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس والمسؤول عن حلقة النار، ثم واصلت السعودية قبل الاتفاق بينها وبين إيران برعاية بكين في 10 مارس 2023 قتل الحاكم العسكري الإيراني في صنعاء حسن أورلو في 20 ديسمبر 2021 الذي وعد بالإفطار في مأرب لأن السعودية تعتبر استيلاء الحوثي على مأرب خط احمر.

 واصلت إسرائيل بعد التهدئة بين السعودية وإيران باغتيال قادة من الحرس الثوري بمثابة مجزرة للحرس الثوري الإيراني أبرزهم محمد رضا زاهدي مسؤول حلقة النار خارج إيران، وهو الذي خطط لطوفان الأقصى وبشكل خاص مسؤول عن تسليح حزب الله على مدى ثلاثة عقود من الزمن، وتولى زاهدي قيادة قوات فيلق القدس في لبنان منذ عام 2008، وسبق أن شغله بين عامي 1998 و 2002، ونشط في لبنان بأسماء حركية مثل حسن مهدوي ورضا مهدوي، وقبله تم القضاء على رضا موسوي في ديسمبر 2023 مسؤول الإمدادات لقوات الحرس الثوري في سوريا بضربة صاروخية إسرائيلية على منطقة السيدة زينب إلى جانب عدد من القادة البارزين في الحرس الثوري الإيراني وكبار قادة حزب الله الميدانيين ووفق حزب الله أعلن عن مقتل 280 عنصرا في صفوفه منذ بداية الحرب، بينما إسرائيل تؤكد ان العدد أكبر من ذلك.

فيما أوروبا وبشكل خاص بعد الحرب الروسية في أوكرانيا خسرت سياسيا في وقف هذه الحرب، واقتصاديا حاجتهم إلى السعودية التي تقود ملف الطاقة دوليا، وعسكريا واستراتيجيا وبشكل خاص فرنسا والولايات المتحدة في مد النفوذ في أفريقيا، لذلك نجد أمريكا تحتاج الى التحالف مع السعودية للاستثمار المشترك في أفريقيا، باعتبار أن السعودية دولة لديها قبول في أفريقيا، وبشكل خاص بعد رعاية السعودية للممر الأخضر الطاقوي من الهند إلى أوروبا عبر إسرائيل.

 لذلك إسرائيل وأمريكا يصران على إرغام إيران على مراجعة استراتيجية محور النار أو ما تسمية إيران محور المقاومة، لكنه في حقيقة الأمر مشروع إيراني تغاضت عنه أمريكا تحول إلى حلقة من نار لم يعد يحاصر السعودية فقط بل أصبح يحاصر المصالح الغربية الإسرائيلية، ولم تعد تقبل إسرائيل أن تقاتل إيران خصومها في المنطقة دون أن تضطر إلى خوض معارك معهم داخل الأراضي الإيرانية، وبدلا من انتهاج بايدن النهج الدبلوماسي على غرار سلفه الديمقراطي أوباما الذي أبرمت إدارته الاتفاق النووي في 2015 بعد مفاوضات مكثفة، مما اضطر السعودية إلى ابتاع نهج دبلوماسية التهدئة.

 فإسرائيل قامت بشكل متعمد بضربات استعراضية داخل إيران عطلت قدرات إيران العسكرية عبر 3 طائرات اف 35 أرسلت صواريخ إلى المواقع العسكرية، لكنها تجنبت استهداف مواقع نووية، كانت رسالة واضحة لإيران أن إسرائيل قادرة على القيام بضربات قدراتها النووية إذ لم تقم بتغيير سلوكها ووقف دعم أذرعها في المنطقة ووقف تخصيب اليورانيوم، وأن هناك متغيرات كثيرة في المنطقة حدثت لم تستوعبها إيران، ولم تعد إيران تساهم في تحقيق المصالح الغربية والإسرائيلية، فيما هناك قوة سعودية صاعدة استثمرت قدراتها وموقعها اللوجستي فرضت على العالم أن يقيم معها شراكات متعددة.

 

 * أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا

  [email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment