بقلم: ألفة السلامي
مرت ذكرى رحيل الفنان الكبير أحمد زكي منذ أيام هادئة دون احتفاء يُذكر. ولا أدري هل هذا الصمت سببه الانشغال بمسلسلات رمضان أم أن الزمن كفيل بأن ينسي الساحة الفنية أحد رموز الفن المعاصر! في كل الأحوال، ليس من باب التطهر من ذنوبنا أن ننسبها للزمن وهو بريء من آثامنا. وإذا أردنا حقيقة أن ننصف الفن مما يعتريه من ظواهر سلبية –قبل أن ننصف أحمد زكي نفسه- فعلينا تذكير شباب الفنانين، خاصة الذين يلعبون أدوار البطولة في المسلسلات الآن، بأحد أيقونات التمثيل في مصر؛ ربما يكون لهم قدوة وبوصلة تحفزهم نحو الإجادة والإتقان وتطوير موهبتهم ومهاراتهم حتى يصدقهم المشاهدون كما صدقوا أحمد زكي.
وعند استحضار ذكرى هذا الفنان العملاق بعد 19 عاما من وفاته، يغمرني دفء عجيب يوقظ مشاعر قديمة في روحي المتعطشة للفرح والإيجابية. تدقُّ بابي ذكريات مع أحمد زكي كانت بسيطة في وقائعها لكنها عميقة في مغزاها. قد يكون الراحل في غنى عن شهادتي أو شهادات غيري، لكني أؤمن أن المجتمع هو من يحتاج فنانيه حتى يحتضن رموزه الوطنية ويُعلي من شأن وقيمة "قواه الناعمة" ويصحح مسارات قد ينساق إليها أو حتى تُفرض عليه وتهمّش أدواره في محيطه العربي والإقليمي. الفن هو أحد أدوات الحضور الثقافي حتى يكون الشعب، أي شعب، موجودا ومؤثرا.. وبخير!
لا أريد أن أسرد قصصا وتفاصيل كتبت مرات ومرات عن أحمد زكي لكني أنبش في الذاكرة لأستحضر منها تفاصيل توقظ روح الإبداع وتُحفز الرغبة في المزيد من التميز لدى الفنانين والابتعاد عن الابتذال والتفاهة.
كنت في بداية العشرينيات من عمري وفي مستهل طريقي في عالم الصحافة، وقد رجوت الأستاذ محمود سعد أن يعرفني على مجموعة من الفنانين المتميزين حتى أبدأ سلسلة حوارات فنية "فاتحة للشهية"، للمجلة الخليجية التي كان سعد مسئولا عنها في مكتبها بالقاهرة، وكان في مقدمة القائمة أحمد زكي وعادل إمام ويسرا ومحمود حميدة وعاطف الطيب ووحيد حامد.
كنت أجري الحوار على عدة مراحل وفي أماكن كثيرة، بين المنزل ومواقع التصوير والأستوديو وغرف المونتاج، والحوار بالنسبة لي هو حالة متكاملة للفنان أكثر منها إجابات على أسئلة.
دخلت منزل أحمد زكي لأول مرة الساعة الثامنة صباحا؛ كان يقطن شقة في الدور التاسع بحي المهندسين تعلو فندق أطلس. وعندما حدد لي هذا الموعد المبكر، ظننته قد أخطأ، ويقصد الثامنة مساء، لكنه عاد وجدد تأكيده على تلك الساعة المبكرة. وجدت عنده عددا من الأشخاص البسطاء ملتفين حول مائدة إفطاره العامرة بالفول والبيض والجبن وغيرها الكثير. كان يعزم على ضيوفه ويحلف ويتولى بنفسه تقديم ما لذّ وطاب، بينما لم يفطر هو بل شرب الشاي واعتذر لأنه أفطر لما استيقظ في السادسة. وأخذ يستمع لأحاديثهم حول ما يدور في الشارع. قد تبدو الأحاديث عادية لكنها "وجبة" يومية مهمة حول ما يجري حوله، وخاصة نبض الشارع الذي يحتاج فنان الشعب الإلمام به!
أحمد زكي شرقاوي كريم ولا أقول جديدا بذلك، فأهل هذه المحافظة مشهورون بالكرم الزائد، حتى قيل عنهم بأنهم عزموا القطار. لكن أحمد فاقهم جميعا وكان مضرب المثل في كرمه. وهو مهذب وخجول، يحدث المرأة فلا يتطلع لعينيها أو ملامحها. ويحدث الرجال الكبار باحترام شديد، ويعامل أقرانه بمودة متناهية ويكفي أن تلتقيه مرة واحدة حتى تقتنع بتواضعه الشديد وتستنكر ادعاءات الغرور التي يروجها البعض عنه.
باختصار، وجدت طفلا احترت فيه من فرط الطيبة والبراءة والصدق. إضافة لذلك، كان صريحا للغاية، واتضح ذلك عندما فسر لي سبب موافقته على إجراء الحوار. لقد سألني عن سبب وجودي في مصر فأعلمته أني متزوجة من مصري، وعلم أنه شرقاوي مثله. وسألني: "تعرفي إيه في الشرقية"، فسردت عليه كل المدن والقرى في محافظة الشرقية التي أعرفها، وفرح بمعلوماتي الصحيحة وزادت غبطته من نطقي "ديار بنجم". وضحك، قائلا: "مصریین کتار ما يعرفوش ينطقوها ".
وهكذا بدأت العلاقة من موقف طريف جعله يحدد الموعد مع صحفية مبتدئة. وبعد الاختبار، تكررت الحوارات قبل وأثناء دخوله أي عمل جديد. وعندما كان يقرأ كل حوار بعد نشره، يتصل في الصباحات الباكرة ويعلق بسعادة: "ده موش حوار، أنت تكتبي قصة عني وعن الفيلم".
ما لفت نظري بعد ذلك وعندما أصبحنا أصدقاء، أن الصور و"البوسترات" المعلقة في بيته، ليست لشخصه بل لفنانين آخرين، وأكثر "بوستر" شد انتباهي كان للفنان محمود عبد العزيز، وقد وضعته "مديرة المنزل" على أحد الجدران، وعندما سألته عن تلك الصور لزملائه التي تملأ الجدران، أجاب ضاحكا: "الشغالة نجمها المفضل محمود عبد العزيز ولم تعترف بي بعد". وضحكنا لأن صيغة الإجابة توحي باحتمال اعترافها به يوما ما.

الفنان الكبير أحمد زكي
ولم يكن يتذمر من كون ابن جيله محمود عبد العزيز هو بطل ونجم في بيته بل قالها بكل حب. وتأكدت مع تكرار المواقف أنه لا يحمل في قلبه غيرة أو "نفسنة" من زملائه –كما يحدث هذه الأيام، بل قد يشاهد فيلما لنور الشريف، على سبيل المثال، عدة مرات ولا يخفي إعجابه بل بكل تواضع يروي كيف أعاد الشريط عشرات المرات في موقف معين ليتعلم كيف جسد "نور" موقفا أعجبه. وتصدق عليه مقولة الدكتور مصطفى محمود "صاحب القلب الأخضر".
وقد عاصرت تصوير عدد من أفلامه، مثل "زوجة رجل مهم"، و"ضد الحكومة"، و"كابوريا" و"هند وكاميليا". ولمست تلك العبقرية التي جعلته يتربع على عرش التمثيل، متوجا ملكا للأداء الرفيع والذي يصعب تكراره. كان أكثر من تقمص واندمج مع الشخصيات التي يمثلها، بل إنها إقامة في الشخصية وانصهار فيها فيسكن في تفاصيلها بكل حواسه وخلجات نفسه حتى يتحولا إلى شخص واحد. وهذا ما جعله يعتلي القمة دائما، لدرجة أنه يقدم أحيانا جهازه العصبي قربانا لكل دور جديد.
إنه فنان يعصف به القلق خوفا على فنه واسمه، يغضب بسرعة ويهدأ بسرعة، ويفرح بسرعة. كثيرا ما أجده متوترا مشدود الأعصاب وكأنه "سلك كهرباء عاري"، أو في أحيان أخرى أراه صامتا هادئا ولكنه يموج بالمشاعر في داخله وتوشك على الانفجار. وتكون تلك الحالة علامة مميزة لولادة جديدة، حيث شرع في عمل جديد أو على أبوابه.
أذكر أنه عندما بدأ في تصوير فيلم زوجة رجل مهم مع المخرج المبدع محمد خان انفعل بشكل زائد مع السيناريو المحكم للكاتب رؤوف توفيق، خاصة في تناوله للسلطة والمنصب وتأثيرهما على الشخصية. وتقمص أحمد زكي شخصية الرجل المهم هشام ضابط أمن الدولة. وانعكست انفعالاته على زملائه وعلى زوجته في الفيلم (ميرفت أمين). وقد أصيب أحمد زكي بقرحة في المعدة، وهي أكثر الأمراض شيوعا لدى ضباط الشرطة، وأصبح يتألم وتنتابه نوبات قيء، حتى أن طبيبه حذره من هذا التقمص الخطير الذي كاد يدمر أمعاءه.
نفس تلك العبقرية في التحضير للدور ومعايشته شاهدتها عندما كان يمثل دور محامي التعويضات في فيلم "ضد الحكومة"، حيث كلف "سمير عبد المنعم" رسام الكاريكاتير -وهو ابن خالته وصديق عمره- بالذهاب إلى بورسعيد، ليشتري له بدلة سوداء فخمة دفع فيها أيامها أكثر من ألفي جنيه. وفوجئت به عندما ذهبت للقائه في فندق "هيلتون" يلبسها طول الوقت، بل وينام ويستيقظ دون أن يغيرها إلى أن أصبحت تبدو رثة، لكنها أصبحت تشبه بدلة محامي التعويضات الذي يقف على سلم المحاكم.
أحمد زكي ليس ماضيا انتهى دوره بل لابد أن يظل حيا فينا ومعنا ونشاهد أفلامه باستمرار في القنوات والمنصات ونقيم له المهرجانات حتى يستلهم الشباب الدروس من مسيرته ويبقى الفن والفنانون دائما أفضل سفراء للثقافة والمحبة والسلام في عصر لم يعد يُسمع فيه غير أصوات الحرب وخطابات الكراهية وتُهمّش الفنون والثقافة ومعها السلام والفرح!











04/07/2024 - 23:25 PM





Comments