بقلم: ألفة السلامي
وجدت نفسي أغني هذا المطلع من أغنية العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ "كامل الأوصاف فتني، والعيون السود خدوني من هواهم، رحت أغني آه يا ليلي آه يا عين".
كان ذلك اندماجًا مع الجوِّ الفنيِّ الذي يعيشه "تيمور" في مسلسل كامل العدد في نسخته الرمضانية الثانية. وأغنية الزمن الجميل تلخّصُ أيضا ما أريد أن أقوله عن كل عنصر من عناصر المسلسل من فكرة وحوار وإخراج وتصوير وديكور ومونتاج وممثلين؛ جميع صنّاع المسلسل كانوا أبطالًا في مهماتهم، وتميزوا في أدوارهم وشدوا انتباه المشاهدين وتربعوا داخل قلوبهم رغم "زحمة" المسلسلات والتنافس الشديد فيما بينها للفوز بمتابعة المتفرجين وإعجابهم.
غير أن نقطة القوة الأكثر تأثيرًا في المسلسل هي العائلة كما يحبُّ أن يراها المجتمع ويطمح إلى تحقيقها كل فرد فيه. والفكرة الكبيرة والطموحة في اختيار العائلة كمحور في العمل الدرامي هي «التعايش» بين ثنائيات اقترحها المسلسل لتكون بديلًا لفكرة الصراع التي تعودنا عليها بين هذه الثنائيات في الواقع.
على سبيل المثال، الصراع التقليدي بين الزوجة وطليقها والعكس أي الزوج وطليقته، والأبناء وزوجة الأب وزوج الأمِّ، والحماة وزوجة الابن، والأخوة غير الأشقاء. وهكذا تتنوع الثنائيات والتعايش فيما بينها على عكس المُتوقع كما نشهده في الحياة اليومية. وينتصر المسلسل لهذه الفكرة فنشاهد نموذجًا للأسرة الممتدة الناجحة رغم المشكلات، والتي ترضي رغبة المشاهدين في استعادتها بعد أن أصبحت في الوقت الحاضر تاريخًا نسمع عنه من الأكبر سنًا وربما مجرد "نوستالجيا" جميلة نحنُّ إليها خاصة بعدما همشت تداعيات العولمة أدوار أصيلة في العائلة كان يتحملها الأب والأم والجدود والجدات.
واستطاع المسلسل استعراض تلك العلاقات شبه المستحيلة وتحويلها إلى أمر ممكن، وفتح قلوبنا ولامس اشتياقها ودغدغ خيالنا وجعلنا نندمج مع واقعية تلك القصص ونشعر بدفئها ورقيها أحيانًا وتحدياتها وأشواكها أحيانًا أخرى. ورغم تشابك المشكلات وتضارب المشاعر لم يتركنا المسلسل نفقد الأمل في إمكانية نجاح تلك العلاقات حيث جعل القيم التربوية والعائلية تنتصر. هذا الخيط الدرامي بُني مع توالي الحلقات وتطور الأحداث فصاغ حالة التعايش النموذجي والمحبب إلينا؛ والأهمّ أن المسلسل حقق هذه الرسائل القيمية دون مواعظ أو نصائح مباشرة أو مبالغ فيها. لذلك لم ننفر من الرسائل بل اندمجنا فيها ومعها وصدقناها.
ولعلَّ ما ساهم في مصداقيتها لدينا تلك الكوكبة من الفنانين الذين أدوا أدوارهم ببساطة واحتراف ودون مبالغة. الفنانة ميمي جمال على سبيل المثال كانت رائعة في التعبير عن شخصية عكست عدة انتماءات طبقية متناقضة تعكس الارتقاء والتطور الذي طرأ على الشخصية من الماضي إلى الحاضر؛ فهي تشبه الكثيرات في أوساط شعبية بلكنتها وملابسها ومصوغاتها وردود أفعالها والخرافة التي تعشش في أفكارها وخبرتها في الحياة واهتمامها بأحفادها حتى أن المشاهد رغم هذه الخلطة المستفزة أحيانًا لا يملك إلا أن يتعاطفَ معها حتى أثناء استغرابه من تصرفاتها. وجسدت دور "فوزية" باحتراف وهو دور من أفضل ما قدمت في حياتها الفنية.
ولن أتحدث كثيرًا عن أدوار إسعاد يونس وتميم عبده وأحمد كمال وألفت إمام فقد قدموا أدوارًا رائعة مع بساطة وتنوع في الشخصيات قلّما نراها على الشاشة؛ لقد تأثرنا بهم وبكينا معهم في أزماتهم دون استجداء للدموع، كما ضحكنا في أفراحهم دون افتعال للضحك. ورغم أن هناك أجيالا عديدة عاصرت هؤلاء الممثلين هم في مراحلهم الزمنية المختلفة وتدرك قيمتهم بلا شك.
إلا أن هذا المسلسل أعاد اكتشافهم أمامنا من جديد وأمام أجيال شابة لم تكن تعرفهم، فزاد توهجهم وارتفع بالتالي سقف التوقعات بشأنهم فيما هو قادم من أعمال. وأتمنى أن يستفيد صناع الدراما من عودتهم القوية؛ فمازال لديهم الكثير من فرص الإبداع والنجاح ليسعدوا بها العائلات المصرية.
ولا أريد أن أختمَ دون إشارة إلى شريف سلامة ودينا الشربيني فقد كانا مفاجأة سعيدة في دراما رمضان بهذا النضج في الأداء والذي فاق النسخة الأولى من المسلسل. أما الأطفال والشباب فقد تفوقوا في إظهار مواهبهم بسلاسة واحترافية ذكرتني بأطفال هوليود وكأنهم وُلدوا وترعرعوا في هذه العائلة وجسدوا المشكلات السلوكية والنفسية التي يعيشها هذه الأيام الأطفال والمراهقون بإتقان وكأنهم تعلموا التمثيل في أكاديميات الفنون.
وفي انتظار هذه الكوكبة الرائعة من الممثلين وصنّاع العمل في الموسم المقبل وكامل العدد+2.
* صحفية مصرية متخصصة في الشئون الدولية











04/02/2024 - 09:34 AM





Comments