بقلم: صالح الطراونه *
تلملم أشيائي الصغيرة من مكتبي في قافية السور المكسور بجامعة عمان للهندسة التطبيقية حيث كان الصباح يتنفس على أوتوستراد الزرقاء وحافلة أمانة عمان التي تقلنا في كل صباح حينها كان ربيع العمر يرفرف بأضواء عمان الزاهية بمدرج سمير الرفاعي وصوت حبيب الزيودي، وجميل علوش يضج في كل ركن من أركان المكان يناجي بيروت وضريح أخوه الذي قتله بارود الحرب الأهلية حينها.
كان يعاكسني القدر بمنهاج العربية حين كنت أحد طلابه المبعوثين من تراب بني غامق وأرض لا تعرف الربيع، كان كلما يريد كتابه الشعر على بعض أوراق القاعة رَقَم 7 بمدرج الكُلِّيَّة يناديني حيث خطي الجميل الذي سار معي في رحلة الجيش حين كنت عسكري بمعسكرات الشهيد صالح شويعر، كان يناديني أيه الأسمر الجنوبي صاحب الشعر البني الذي يحتوي رائحة الزيت في كل خصلاته الندية كندى أول كانون تعال لي واكتب ما امليه عليك كان يكتب الشعر في كتابه الأخير " جراح على الطريق " ليطبعه في بيروت التي كانت حينها لا مدينة يضاهيها غير الكويت في رحابة الفكر الأدبي الصاعد بعيداً عن ذوي الرؤوس المدلجة.
كان يلملم دمعات تحاول ان تتوارى من امام طلبته " في منهاج اللغة العربية الذي حققت فيها رغم ضئالة معرفتي بالإعراب علامة الثمانون " فقال يكفيك ان تكتب لإستاذك بعض القصاصات لكتاب جراح على الطريق الذي سأبعثه معك للكرك لتبيع نسخه في شارع القلعة او في الثنية قبل ان تكبر، أو تبقية في مؤاب ضريحاً كرجم الصخري الذي ولدت فيه " أمي " قبل أن تقتلها عمان بسرعه وقبل أن أودعها وداعاً أخير او حتى أشاهد معها كيف كانت تصلي الضحى في سريرها المطل نحو وداي السير …وجاوا ومسجد الحسين المقابل لرائحة العيد التي غابت منذ عشرون عام .
مدرج 7 كان يحمل فضاء أصدقاء قتلتهم المرض وغابوا من كراسة الذاكرات الى يوم نبُعث من جديد…
فكيف أطوي صفحة الغياب دكتور جميل علوش وآنت الذي علمني كيف أصيغ المبتدأ قبل الخبر وكيف أرسم على لوحة الذاكرة وجه فيصل، وأيمان، ومريم، وبتول وحمدان في طواف المغنى الذي كتبه حبيب الزيودي وحمدان المعتقل في رحاب بلاد الغربة الى أن مات لا يعرف إنك كنت تكتب للوطن هذه بلادي لا طولاً يطاولها، كيف لا أبكي يا أمي وبتول ما زال جرحها نازف في بيداء الذين حرفوا بلاد العرب تحريف.
كيف لا أعيد الذاكرة وأنا أتعبد كل صباح خارج اسوار السور المكسور بجامعة عمان للهندسة التطبيقية واعيد بناء سوراً جديد فيه عطر ما زال لا يذهب رغم غسيلي اليومي لوجهي ووجه الأرض التي أنجبت مهراً لطارق تهيم في شعاب الفاتحين مدرج رقم 7.
* مندوب بيروت تايمز - عمان











03/30/2024 - 11:13 AM





Comments