لماذا واشنطن تختلق الأعذار لكييف بعد هجوم كروكوس الإرهابي؟

03/26/2024 - 10:31 AM

Arab American Target

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

تبلغ مساحة روسيا ضعف مساحة الولايات المتحدة، انهار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وظهرت خمسة عشرة جمهورية، بعدما استمرت ثلاث أرباع القرن منذ 1917 تبقى 76 في المئة من مساحة الاتحاد السوفيتي تمتد من بحر البلطيق غربا إلى المحيط الهادي شرقا ومن حدود الصين جنوبَا إلى المحيط المتجمد الشمالي شمالَا، ووفق نظرية ماكندر فهي تتمتع بحماية طبيعية، وهي أعظم قلعة دفاعية طبيعية على وجه الأرض وبأهمية أوروبا الشرقية، ولخص نظريته عام 1919 من يسيطر على أوروبا الشرقية يسيطر على قلب الأرض.

 شكلت البوصلة بالنسبة للسياسات الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى التي انتهت 1918، وللاستراتيجية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية التي انتهت 1945 بعدما عدل نظريته عام 1943 في ظل التنافس الأمريكي الروسي في منطقة الشرق الأوسط، أي أن هناك أصبح قلبان بدلا من قلب واحد شمالي وجنوبي يربط بينهما المنطقة العربية بمثابة منطقة الارتكاز، لكن السُّعُودية لم تترك الجانبين التنافس على المنطقة، بل هي من تدير هذا التنافس لتعظيم مصالحها ومصالح المنطقة من أجل ترميم المنطقة العربية التي ضربها زلزال ما يسمى الربيع العربي 2011.

اتجهت الولايات المتحدة إلى اختراق قلب الأرض بالقوة الناعمة من دون غزو عسكري عبر الغزو الأيديولوجي من طريق ثورات شيوعية في الهلال الداخلي في قلب الأرض، ودعم قيام ثورات في الهلال الخارجي في الصين عام 1949، وفي كوريا الشِّمالية 1951، وفي فيتنام 1954، وفي كوبا 1960.

استمرت أمريكا في دعم الثورات الملونة وثورات الربيع العربي في المنطقة العربية في ظل الصراع بين أمريكا وروسيا، تود إلى جانب ضرب محيط روسيا بالثورات الملونة كذلك تود تكرار مشهد تأثر الاتحاد السوفيتي في الثمانينيات بانخفاض أسعار النفط لينتهي ذلك العقد بانهيار الاتحاد السوفيتي 1989، وتوالت الثورات في دول أوروبا الشرقية المطالبة بانتهاء تبعيتها لموسكو في بولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا مرورًا بدول البلطيق الثلاث، ثم بدأت الثورات الملونة في أوكرانيا عام 2004 رأته موسكو انقلاب أمريكي مدبر على غرار الانقلاب ضد ادوارد شيفارنادزة 2003.

الغرض الجيوسياسي من دعم أمريكا لتلك الثورات الوصول إلى مكامن وجود الغاز وسط آسيا بالتوازي مع قطع خطوط الغاز الروسية التي تغذي أوروبا بثلث احتياجاتها من الغاز، حيث تطمح أمريكا في تمديد خطوط غاز من مكامن الغاز في تركمنستان وأذربيجان إلى أوروبا عبر جورجيا وتركيا عبر بلغاريا وصربيا والمجر وكانت إيران متضررة من هذا المشروع، لذلك تلتقي مع روسيا ضد هذا المشروع الذي يؤثر عليها، فيما تلتقي تركيا مع أمريكيا في تحقيق هذا المشروع عندما اصر أردوغان على تحقيق هذا المشروع في ظل انشغال روسيا في حربها مع أوكرانيا ووقف مع أذربيجان في تحرير قرة باغ وإخراج أرمينيا منها، وتمكن من تحقيق خط غاز جنوب القوقاز من أذربيجان يمر عبر جورجيا وتركيا إلى أوروبا، أيضا إيران خسرت نفوذها في القوقاز، بعد سيطرة أذربيجان على قرة باغ المنطقة الانفصالية التي كانت تحت السيطرة الأرمينية لمدة ثلاثة عقود، وتحقيق ممر زنغزور التي كانت تعارضه إيران، أصبحت الديناميات المتغيرة تمثل تحديا لأهداف إيران طويلة الأجل، رغم ذلك روسيا تحاول كسب ود تركيا، ولم تحصد روسيا شيئا بعدما نجحت الجهود الروسية في تضييق الخناق على النفوذ الأمريكي العسكري في آسيا الوسطى بعد إغلاق قيرغيزستان وأوزبكستان القواعد العسكرية الأمريكية، كما رفضت كازخستان وأذربيجان أي تواجد عسكري أمريكي، وبالتالي أفشلت خطتها للوصول إلى مكامن الغاز.

 كذلك أفشلت روسيا هي وإيران محاولة القذافي وبشار الأسد عام 2009 مد خط غاز من أكبر حقل غاز في العالم من الخليج العربي إلى أوروبا عبر الأردن وسوريا وتركيا لإيقاف هيمنة الغاز الروسي، كذلك محاولة القذافي صنع دينار ذهبي يحل محل الفرنك الأفريقي التابع لفرنسا أيضا يهدد عملة الدولار، فليس هناك بد للولايات المتحدة وأوروبا من دعم ثورات الربيع العربي استثمرته إيران وروسيا وكان لهما حضور في سوريا بشكل مكثف.

حصلت روسيا بعدما وقفت مع الولايات المتحدة في حرب الإرهاب عند حدوث أحداث 11 سبتمبر 2001 وأيضا دعمت أمريكا روسيا في حربها ضد انفصالي الشيشان وتم إنشاء مجلس ناتو روسيا، وكانت روسيا في منتهى التسامح مع السياسات الأمريكية بما فيها سياسات تضر بمصالح روسيا على المدى البعيد، خصوصا عندما اتخذ الغرب سياسات استفزازية بمحاصرة روسيا وتطويقها عبر توسيع حلف الناتو شرقا ليضم معظم ما كان يسمى بأوروبا الشرقية، وإصرار الولايات المتحدة على بناء ما يعرف بالدرع الصاروخي في كل من بولندا وتشيكا، وادعت الولايات المتحدة من أجل صد صواريخ الدول المارقة إيران وكوريا الشمالية باتجاه أمريكا والغرب، بينما رأت روسيا تطويقها صاروخيا لإعاقة القوة الصاروخية الروسية.

عقدت قمة أوروبية في وقت تحقق القوات الروسية بعض التقدم في أوكرانيا مستغلة معاناة كييف من نقص الذخيرة وانشغال أمريكا بالانتخابات وحرب غزة، يودون من خلال هذه القمة إرسال رسالة لأوكرانيا ولروسيا في نفس الوقت قوامها عزمهم على مواصلة الدعم الكثيف لأوكرانيا بنحو 50 مليار يورو حتى 2027 لمنع روسيا من تحقيق نصر ميداني، لأن أوروبا ترى فيه خطر على أمنها واستقرارها للتوصل إلى الاستقلالية الاستراتيجية التي يؤكد عليها ماكرون الرئيس الفرنسي، في ظل تعليق الدعم الأمريكي بسبب خلافات سياسية داخلية في واشنطن بين الديمقراطيين والجمهوريين، لكن دول مثل ألمانيا ومعها هولندا والدانمارك ودول أخرى تعارض توجه ماكرون وبشكل خاص اقتراض الاتحاد الأوروبي كما حدث أثناء جائحة كورونا لتمويل الحرب في أوكرانيا، وكانت أوكرانيا وبريطانيا ودول شرق أوروبا تدعو إلى مصادرة الأصول الروسية كافة في بروكسل وهو ما رفضته برلين وباريس باعتبار عملا كهذا سيطيح مبدأ الحصانة بممتلكات الدول وضربا لمبدأ الملكية، حيث هناك 280 مليارا من الصول الروسية مجمدة منها 210 مليارات في العواصم الأوربية، بل هناك نقاشا داخل الاتحاد الأوروبي من نقل المسؤولية عن دعم أوكرانيا من البنتاغون خوفا من عودة ترمب، رغم تطمينات سوليفان مستشار الأمن القومي الأمريكي عن حلحلة في قضية المساعدات الأميركية.

وفي مستهل جلسة مجلس الأمن الذي أحدث اختراقا ويطالب بوقف فوري للنار في غزة بموافقة 14 عضوا مع امتناع أمريكا عن التصويت، لكنها لم تستخدم الفيتو، فهي سابقة بعد استخدام الفيتو ثلاث مرات وقف جميع أعضاء مجلس الأمن دقيقة صمت على ضحايا الهجوم الإرهابي الذي شنه داعش قرب موسكو.

 وكان للمندوب الروسي فاسيلي نبيتزيا الذي اعترض على محاولات الولايات المتحدة إدخال تعديلات على نص القرار وإذ عبر عن الحزن والخيبة بسبب الطريقة التي تم بها العمل على مشروع القرار خلال الساعات ال24 الماضية مشيرا إلى التعديل الذي طلبه المفاوضون الأميركيون واستبدال كلمة دائم المتعلقة بوقف النار بصياغة أكثر ضعفا، وقال إن هذا امرا غير مقبول منتقدا ترك مساحة واسعة للغاية للتفسير الأمر الذي يسمح لإسرائيل باستئناف عمليتها العسكرية في قطاع غزة في أي لحظة بعد إنهاء وقف إطلاق النار.

أقر بوتين بأن متطرفين إسلاميين يقفون وراء الهجوم على قاعة للحفلات الموسيقية قرب موسكو خلف أكثر من 130 قتيلا، وقال بوتين خلال اجتماع نقل التلفزيون في 25/3/2024 وقائعه بقوله نعلم أن الجريمة ارتكبها متطرفون إسلاميون يحارب العالم الإسلامي بنفسه إيديولوجيتهم منذ قرون، لكنه كرر القول إن منفذي هجوم موسكو حاولوا الفرار إلى أوكرانيا، وتساءل عن السبب وراء محاولتهم التوجه إلى أوكرانيا بعد ارتكاب جريمتهم.

 فيما تلقى فرضية وقوف داعش الذي أعلن مسؤوليته عن الهجوم تلقى اعتراضات واسعة في موسكو وأن الغرب يعمل على ترويج هذه الفرضية، ويريد بوتين معرفة من وراء هؤلاء الإرهابيين، واعتبر أوكرانيا الوحيدة المستفيدة من هذا الهجوم، ولا زالت واشنطن تتستر على كييف من خلال تصريحات أطلقتها الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاؤوفا التي رأت واشنطن تختلق الأعذار لكييف وإلصاق تهمة بداعش، ما يعني تورط السلطات الأميركية بشكل مباشر وغير مباشر في رعاية الإرهاب الأوكراني، كما أكدت أن التدخل الأميركي في شؤون الشرق الأوسط أدى إلى ظهور وتعزيز كثير من الجماعات المتطرفة والإرهابية.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا

 [email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment