السعودية لن تدخل في صراع إقليمي تديره أمريكا (جيوبولتيكية الأديان دعم الأقليات ضد الأكثرية السنية)

03/20/2024 - 08:32 AM

Arab American Target

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

أغلب النظريات الجيوبولتيكية ظهرت حديثا مع نهاية القرن التاسع عشر أغلبها كانت تتعلق بالصراع بين قوة البر والبحر منها نظرية ماكندر وماهان وسبيكمان، فيما اتسمت مرحلة الحرب الباردة 1947-1991 بالوضوح وارسو مقابل الناتو، حتى دول عدم الانحياز كانت في حقيقة الأمر تتبع لأحد المعسكرين في ظل قواعد اشتباك عرفية متفق عليها تم إقرارها في قمة هلسنكي عام 1975، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي كان هناك حاجة لوجود نظريات جديدة لشكل النظام الجديد وكان الشرق الأوسط في قلب هذه النظريات، هذه المرة منها ما أفرط في التفاؤل منهم فرانسيس فكوياما أن الليبرالية الديمقراطية والاقتصادية انتصرت وقد كتب التاريخ فصول النصر المؤزر1993، وآخرون متشائمون ومنهم هنتجتون نظريته حول صدام الحضارات 1996، وكذلك قدم الواقعيون الذين تميزوا برؤية أكثر عملية أبرزها نظرية زبغنيو بريجينسكي عام 1997 في كتاب رقعة الشطرنج الكبرى، وهنري كيسنجر في كتابه الدبلوماسية 1994.

 رغم ذلك لم تستقر السياسة الأمريكية، واستمرت في تقديم النظريات، حيث نجد كلينتون رفع في انتخاباته شعار انه الاقتصاد يا غبي لنظرية صاغها جيمس كارفيل عام 1992، وجادل الواقعيون عكس المفرطين في التفاؤل أو المتشائمين بأن الصراع القادم لن يكون أيديولوجي أو اقتصادي أو ثقافي حضاري بل سيكون جيوبولتيكي، لكن بعد عام 2001 اتبعت الولايات المتحدة استراتيجية الفوضى الخلاقة، وأن نظرية صدام الحضارات هي الغالبة، وتنحت نظرية نهاية التاريخ جانبا، وتم رفع شعار الحرب العالمية على الإرهاب.

 كلفت الولايات المتحدة الحرب على الإرهاب بمفردها 2 تريليون دولار في 80 دولة تبدد عصر السلام الأمريكي وصولا لتحسر البعض على زمن الحرب الباردة بعدما حدث خلل في موازين القوى الإقليمية خصوصا في منطقة الشرق الأوسط بعد إسقاط نظامي طالبان وصدام حسين ما أدى للهيمنة الإيرانية وصعود تركي عبر تيارات الإسلام السياسي الملالي وتيار الإخوان وتعثر عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية وظلت المبادرة العربية التي أقرت في بيروت عام 2002 حبيسة الأدراج، عززتها ثورات ما يسمى بالربيع العربي إلى أن أوقفت السعودية الحرب العالمية على الإرهاب المصطنعة عند زيارة الرئيس الأمريكي ترمب للسعودية في 2017.

 لكن عدد من المفكرين والسياسيين اعتبروا بأنها مرحلة نهاية الاستراتيجيات الكبرى لعل أبرزهم دانيال دبلو دريزنر وطالبوا الولايات المتحدة التزام استراتيجيات صغيرة ومحددة في ظل عالم سريع التغيير، وإن كان عارض هؤلاء بأن الولايات المتحدة بحاجة لاستراتيجيات كبرى أكثر من أي وقت مضى منهم روبرت ويلكي، فيما دافع الواقعيون عن استراتيجية براغماتية منتقدين نهجا أيديولوجيا للحزبين الديمقراطي والجمهوري في التعاطي مع السياسة الخارجية.

تشهد اليوم الولايات المتحدة على وقع الصعود الصيني ومشروعها الطموح الحزام والطريق والغزو الروسي لأوكرانيا وحرب غزة مما يضعها أمام اختبار قدرتها على إدارة الصراعات والتناقضات الداخلية، يبدو أنها أدركت أن الجيوبولتيك لديه القدرة على الصمود، خصوصا بعد انكشاف روسيا في مجالها ما بعد الاتحاد السوفيتي سيضع أي نهضة اقتصادية تحت التأثير الجيو - اقتصادي للغرب وليس العكس كما كانت تعتقد روسيا، كذلك أدركت الصين أن نهضتها الاقتصادية مرهونة بالتأثيرات الجيو – اقتصادية الغربية لأن تجارتها مع الاتحاد الأوروبي نحو تريليون دولار ومع أمريكا نحو نصف تريليون دولار ولا يمكن أن يستمر نموها في ظل أي مواجهة أو عزلة وكذلك الغرب فهناك ترابط بين الاقتصادات.

دفعت كل هذه المتغيرات العالمية والإقليمية السعودية لمركز الصدارة في المنطقة بعد معاناة ما يسمى بالربيع العربي، وأصبحت السعودية اليوم أحد أهم العوامل المرجحة لكفة القوى الكبرى في صراعها المحتدم ليس هذا فحسب بل هي تتجه نحو تأمين المجال الجيوسياسي لدول الخليج العربية لضمان تحول المنطقة بأكملها واستغلال الصراع الحالي بين القوى الكبرى لتحقيق أكبر استفادة ممكنة لها وللمنطقة لبناء استراتيجية أمن قومي شاملة، لذلك هي وافقت على مشروع الممر الهندي الإسرائيلي الأوروبي مقابل الحزام والطريق الصيني، فكل الطرق تقود إلى السعودية أي أن الدبلوماسية الاقتصادية تنزع فتيل الصراعات أو على الأقل تقلص من المواجهة لأن السعودية رفعت الورقة الاقتصادية جعلت الجميع يستفيد.

مكن السعودية من تفريغ جيبولتيكية الأديان الاستراتيجية التي اتبعتها الولايات المتحدة في التعامل مع المنطقة بشكل خاص بعد أحداث 11 سبتمبر، من خلال خلق صراع بين الأقليات والأكثرية لتحقيق دويلات أقلوية، لأنها حاولت استنساخ التاريخ الإسلامي وتضمينه في نظرية جيبولتيكية الأديان، فمنذ محاولة البرامكة تمكين المأمون ابن هارون الرشيد لأن أمه فارسية على الأمين اعتبره الخليفة هارون الرشيد تدخلا في أمور الدولة، بعدما كانت لهم مكانة عالية في الدولة العباسية، فقد كان يحي البرمكي مسؤولا عن تربية هارون الرشيد وزوجته أرضعته ففوض الرشيد الفضل بن يحي البرمكي بكل الأمور في الدولة باعتباره أخ الرشيد من الرضاعة، ووكله على تربية ابنه المأمون، لكن انزعج البرامكة عندما قرر الرشيد بولاية العهد لإبنه الأمين، باعتبار أنه هاشمي الأبوين في 175 هجرية 791 م، لكن استطاع البرامكة أن يجعلوا الرشيد يعقد البيعة لولده المأمون 798.

 وبعد تعاظم دور البرامكة واحتدام الصراع نجحت الدسائس وجرأتهم على الرشيد، ففي 803 أمر رجاله بالقبض على البرامكة جميعا سميت بالنكبة كان لها أكبر الأثر في نفوس القومية الفارسية، فعمدوا إلى تشويه صورة الرشيد، وهو ما تسبب في صراع بين المأمون والأمين إلى أن قتل الأمين على يد الفرس، وبعد وفاة المأمون بايع ابنه ولي العهد عمه المعتصم بالخلافة على غرار الحسن الذي تنازل لمعاوية رضي الله عنهم أجمعين لنزع فتيل الفتن.

وقد ساند السلاجقة الأتراك الخلافة العباسية ونصروا مذهبها السني بعد ان اوشكت على الانهيار بين النفوذ البويهي الشيعي في إيران والعراق والنفوذ العبيدي الفاطمي في مصر والشام، فقضى السلاجقة بقيادة طغرل بيك 1037 على النفوذ البويهي تماما وتصدوا لأخطار الدولة العبيدية في شمال أفريقيا، بل تمكن ألب أرسلان من تحقيق نصرا كبيرا في معركة ملاذكرد على البيزنطيين الذين فاقوهم بأربعة أضعاف ليفتح أبواب الأناضول أمام الأتراك، ثم ظهرت دولة الحشاشين الذين يكنون العداء للدولة العباسية والفاطمية أيضا لم يقضي عليهم سوى المغول بقيادة هولاكو عام 1256 ثم القضاء على الدولة العباسية، لكن هزم المغول في معركة عين جالوت على يد سيف الدين قطز 1260 أحيت دولة المماليك السنية في مصر وكسر شوكة المغول وحطم الأسطورة المغولية كانت نهاية المغول وموت هولاكو من الحسرة بعد معركة عين جالوت، وتفككت إمبراطورية المغول إلى خانات، وزوال الإمارات الصليبية في بلاد الشام.

قامت دولة صفوية في إيران بقيادة الشاه إسماعيل الصفوي تحالف مع البرتغاليين ضد الدولة العثمانية وكذلك تحالف مع قنصوة الغوري السلطان المملوكي ضد العثمانيين ودخل في صراع على النفوذ مع الدولة العثمانية التي تمكنت من وقف نفوذ الدولة الصفوية في معركة جالديران عام 1514 بقيادة إسماعيل الأول واحتلال عاصمة الدولة الصفوية تبريز وأدت إلى وقف التوسع الصفوي لمدة قرن من الزمان، ثم أكملت الدولة العثمانية القضاء على دولة المماليك في معركة مرج دابق في الشام 1516، وانتهى عهد المماليك ما عرف بمذبحة القلعة الذي دام حكم المماليك 267 عاما، ودخلت مصر تحت حكم الدولة العثمانية إلى أن عينت الدولة العثمانية محمد علي في 1811 من قبل العثمانيين.

 كان لمحمد علي باشا طموحات ضد الدولة العثمانية، لكنه بدأ أولا بالقضاء على الدولة السعودية الأولى بمعاونة مستشارين فرنسيين في عام 1818 لضمان ضم الحجاز إليه، ثم اتجه إلى محاربة الدولة العثمانية وانتصر إبراهيم باشا انتصارا حاسما في معركة كبيرة على الدولة العثمانية في مضيق بيلان بين حلب والإسكندرونة، ثم دخل أضنة وزحف إلى قونية، وحقق انتصارا كبيرا لكن استعان السلطان العثماني بالقيصر الروسي الذي أرسل الأسطول الروسي إلى الاستانة وهو ما فزعت له الدول الأوربية، فسعوا إلى الصلح بين الطرفين لإبعاد روسيا عن البسفور، نتجت عن جهود الصلح اتفاقية كوتاهية على منح محمد علي على ولاية مقاطعات دمشق وطرابلس الشام وصيدا وصفد وحلب وإقليمي القدس ونابلس والحجاز وأضنة لم تفض الاتفاقية إلى سلام دائم.

 كانت الدولة العثمانية تعاني الضعف، وكذلك مصر عندما أخرج الإنجليز جيش نابليون منها وفسخوا معاهدة أميان التي كانت تقرر الاحتفاظ بمصر كما هي عبر المماليك الذين كانوا يحكمونها واحتل الانجليز مصر عام 1882 حتى عام 1956 بعد أزمة السويس انسحبت بريطانيا من مصر وفق الاتفاقية الإنجليزية المصرية لعام 1954، فيما توحدت السعودية على يد الملك عبد العزيز 1902 – 1932.

في أعقاب عودة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، اتجهت السعودية إلى الدبلوماسية لإنهاء حرب اليمن، حيث تدفع الأطراف باتجاه تسوية سياسية، خصوصا أنها ترتبط معها بحدود قرابة 1500 كيلو متر فهي لا تود الانخراط في صراع جديد بعد الضربات الأميركية البريطانية على مواقع الحوثيين بسبب هجماتهم على السفن التجارية، خصوصا وأن السعودية تحرص على دعم كافة الجهود الهادفة إلى ترسيخ الأمن والاستقرار، والتركيز على التنمية الشاملة، وإتاحة المجال للحوار والتهدئة وتخفيف التوترات، ولا تؤمن السعودية بنظرية الصراع بين الأغلبية المسلمة والأقلية الشيعية الذين يمثلون نحو 10 في المائة أو أعلى قليلا والبقية من السنة، بل تراهم السعودية جميعا مسلمين يقصدون الحرمين الشريفين تحت رعايتها حتى لو حاولوا في مؤتمر كوالالمبور في 2019 تشكيل منظمة إسلامية موازية للمنظمة الأم، والتطرف ليس مقتصر على مذهب بل موجود في كل المذاهب وهو ما تحاربه السعودية دون تفرقة.

 لذلك حرصت السعودية على تنظيم رابطة العالم الإسلامي في 17/3/2024 مؤتمر بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية في مكة بمشاركة عدد من كبار الشخصيات الإسلامية من المفتين وكبار العلماء من مختلف المذاهب الإسلامية لتعزيز التفاهم والتعاون بين المذاهب الإسلامية من خلال لقائها الأخوي العلمي بمضامينه الحوارية الهادفة إلى تمتين العلاقة بينها لخدمة الأهداف المشتركة، ولا سيما ما يتعلق بالقضايا الكبرى التي تتطلب وحدة الرأي الشرعي ولا يناسبها الاختلاف والشتات المذهبي، ومواجهة خطابات وشعارات وممارسات التطرف الطائفي لإذكاء الصراع والصدام المذهبي ليس فقط يتم استغلاله من قبل مشاريع خارجية وإنما يسئ لسمعة الإسلام والمسلمين مع التأكيد على خصوصية المذهبية وعدم المساس بها تحت أي ذريعة بفضل تلك الرؤية نجح العالم في تبني تلك الرؤية وفي الأمم المتحدة تم التصويت بالأغلبية 115 صوتا لصالح مشروع القرار الذي قدمته باكستان نيابة عن منظمة التعاون الإسلامي ضد الإسلاموفوبيا تدابير مكافحة كراهية الإسلام فيما امتنعت 44 دولة عن التصويت ولم تصوت أي دولة ضد القرار، فهذا انتصار ونتاج لمثل تلك المؤتمرات التي تعقدها السعودية لتوحيد الأمة الإسلامية والإنسانية في أنحاء العالم، وإفشال استخدام الإسلام ذريعة للصراع، بل عينت الأمم المتحدة مبعوثا أمميا لمكافحة الإسلاموفوبيا، واعتمدت 15 مارس يوما سنويا لمكافحة الإسلاموفوبيا، واعتبره الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش أنه وباء خبيث الذي يمثل إنكارا وجهلا كاملين للإسلام والمسلمين ومساهماتهم التي لا يمكن إنكارها، والكراهية وباء يمكن أن تنتشر بين الجميع ولن تقتصر فقط ضد المسلمين.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا

 Dr_mahboob1

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment