التضخم والتوازنات الاقتصادية

02/21/2024 - 10:11 AM

Atlantic home care

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

 

منذ زمن بعيد يمر العالم في فترات تضخم وركود متتالية، وكأن اقتصاد الدول كما العالمي يتطور عبر دورات واضحة متكررة. دورات التضخم والركود تاريخيا كانت تختلف جدا في توقيتها وعمقها ومدتها، لكنها لم تكن طويلة الأمد. هل هذا هو حال تضخم اليوم الناتج عن أسباب عميقة مرتبطة ليس فقط بحربي أوكرانيا وغزة، وانما أيضا بالمواضيع الصحية كالكورونا والكوليرا وغيرهما؟ هل تضخم اليوم سيزول كليا بعد فترة أم سيكون حاضرا لفترات طويلة بسبب تغيرات جوهرية في الاقتصادات بينها مشكلة المناخ والصراعات الاقليمية وضرورة بناء سلاسل امدادات جديدة تتجاوب مع التغيرات الكبيرة. أصبحت الصراعات الإقليمية أخطر بكثير وما هو النزاع الكوري الشمالي الجنوبي الا مثال واضح للأوضاع الجديدة التي يمكن أن تنفجر.

هنالك تغير واضح في العلاقات الاقتصادية الدولية أساسها ضعف العولمة والعودة الى العلاقات الاقليمية أو علاقات الجوار التي لا تنتج اقتصادات حية فاعلة. بنيت العلاقات الدولية منذ الحرب العالمية الثانية ليس فقط على المصالح السياسية وانما على المصالح الاقتصادية، أي توجه المنتجين نحو الموقع الأرخص وهذا مفقود اليوم. أهم مؤشر لهذا التغيير الكبير هي العلاقات الأميركية الصينية التي تردت بعد الضرائب الجمركية المفروضة أميركيا على الواردات الصينية، كما بسبب تحديد نوعية الصادرات الأميركية الى الصين. عندما يتأثر الإنتاج الاقتصادي بالمصالح السياسية والأمنية، لا بد وأن تتأثر الأسعار ويشتعل التضخم وهذا ما يحصل. من الأمثلة الأخرى اضطرار أوروبا لايجاد مصادر طاقة بديلة نظيفة أو عادية بسبب الحرب الروسية، مما يعني تكلفة إضافية جديدة وكبيرة. هموم أوروبا اليوم أكبر من الطاقة لتصل الى الهجرة والأمن والعلاقات الاجتماعية التي أظهرت دقتها مطالب المزارعين الأخيرة واقفالهم لأهم المدن والعواصم.

تشير الوقائع الى أن التوازن الاقتصادي العام سيستمر لكن في ظروف تضخمية مرتفعة. منذ 2019، يتأثر الاستقرار العام سلبا. هنالك شركات أفلست وأخرى أستمرت لفترة لكنها لم تستطع ايصال المنتج الى المستهلك بسبب سؤ سلاسل الامداد. حصل تجمع شركات في بعض القطاعات ساهم في اضعاف المنافسة وبالتالي في رفع الأسعار. العرض تدنى، ونعرف جميعا من فترات صعبة سابقة أن عودة العرض الى حيويته السابقة يتطلب الوقت والجهد وحتى الاستثمارات والتشريعات المناسبة.

تعود تدريجيا اليوم عجلة الحياة الاقتصادية الى ما كانت عليه قبل الكورونا، وهذا ما يظهر جليا في قطاعي الطيران والسياحة. لذا يرتفع الطلب على السلع والخدمات مما يسبب التضخم في غياب العرض الكافي بل القدرة على زيادته. هنالك ملايين المستهلكين الذين غابوا عن الأسواق ويعودون تدريجيا. الأسواق الاستهلاكية تحسنت لكنها لم تعد بعد الى مستويات 2018. لا ننسى أنه حتى في ظروفنا العالمية المتحسنة، تنمو الاقتصادات بنسب ضعيفة. تبعا لصندوق النقد، ستنمو الاقتصادات الصناعية 1.5% هذه السنة والناشئة والنامية 4,1% منها 2,9% لمجموعة الدول العربية التي تأثرت اقتصاداتها سلبا بالتخفيض الطوعي للانتاج النفطي تنفيذا لقرارات "أوبك +".

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment