حوار مع سعد الدين الشاذلي

02/20/2024 - 10:18 AM

Your Ad Here

 

 

 

بقلم: ألفة السلامي 

 

مرت منذ عدة أيام الذكرى الثالثة عشر لوفاة الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان الجيش المصري في حرب أكتوبر، والذي رحل في العاشر من فبراير 2011 عن عمر ناهز 89 عاما، وذلك بالتزامن مع ثورة 25 يناير 2011. جمعتني بالفريق سعد الدين الشاذلي لقاءات قليلة ولكنها مهمة خاصة بالنسبة لي لترسيخ خطواتي المهنية. كان ذلك على إثر الغزو الأمريكي للعراق في العشرين من مارس عام 2003.

وما دار في المرات القليلة من حوار حول شجون الشاذلي وما يؤرقه يعتبر اليوم شهادة حية على عصور مختلفة من الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي وأذنابه والذي مازال مستمرا ونرى حلقات دامية منه في فلسطين والعديد من الدول العربية.

كان الشاذلي قائدا للجيش المصري ورئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، ويعدّ من القادة العسكريين الكبار الذين خاضوا خمس حروب، آخرها حرب أكتوبر 1973. وكان الرأس المدبر للهجوم المصري على خط الدفاع الإسرائيلي "بارليف". واختلف مع الرئيس الراحل محمد أنور السادات الذي بحسب رواية الشاذلي - كان يرغب في إبعاده عن الجيش فعيّنه سفيرا لدى المملكة المتحدة، ثم سفيرا في البرتغال، وأصرَّ حينئذ على الاستقالة عندما وقّع السادات اتفاقية كامب ديفيد عام 1978؛ وقضى بعدها 14 عامًا في الجزائر لم يكن يحب أن يسميها باللجوء.

هناك أصدر كتابا قدم فيه روايته لحرب 1973، وبسببه حوكم غيابيا أمام محكمة عسكرية بتهمة إصدار كتاب دون موافقة وإفشاء أسرار عسكرية، وهي التهمة التي نفاها تماما، واعتبر أن ما نشره معلومات حكومية وليست عسكرية. وحكم عليه غيابيا بالسجن 3 سنوات مع الأشغال الشاقة. وعاد عام 1992 إلى مصر في عهد الرئيس مبارك. ورغم حصول الشاذلي على رد الاعتبار في 2005 بموجب خطاب رسمي من القوات المسلحة بما يعني عودة نياشينه وأوسمته إليه بكل مزاياها، إلا أنه كان يشعر بالظلم من عدم رد الاعتبار إليه علنًا وأمام الرأي العام خاصة وأنه كان يرفض أن يطلب بنفسه ذلك ويعتبره إهانة. وقد بادر المشير طنطاوي رحمه الله بالتواصل مع المشير الشاذلي للسؤال عنه عندما علم بمرضه؛ ذلك ما عرفته قبل عام تقريبًا من وفاته، حيث وجه بتكفل القوات المسلحة بعلاجه وشكلت بداية لاسترجاع الحقوق المادية والمعنوية له ولأسرته.

البطل المؤمن الفريق سعد الدين الشاذلى بطل حرب أكتوبر
 الفريق سعد الدين الشاذلي

 

ولكن الشاذلي عاش ومات وهو يتألم من الظلم الواقع عليه؛ لم يغفر لمبارك كيف حبسه سنة ونصف السنة رغم حفظ قضية إفشاء الأسرار العسكرية التي حركها مبارك ضده عام 1983.

واعتبر الشاذلي تلك القضية بدافع إزاحته حتى لا يكون منافسًا محتملًا خاصةً في ضوء الشعبية التي كان يتمتع بها بعد حرب أكتوبر، كما لم ينس ولم يغفر كيف تم تعمّد تزوير الصور الرسمية لحرب أكتوبر في غرفة العمليات، حيث تم إزالة صور الشاذلي بطريقة "الفوتوشوب" وتم وضع صورة مبارك الذي كان رئيسا للقوات الجوية آنذاك ونُشرت في جريدة الأهرام، وانتقد الشاذلي ذلك لأنه لا يتناسب مع البروتوكول العسكري، مثلما شرح لي بعد هذه الواقعة بعقدين، حيث قال إن "قادة الجيوش لا يكلمون الرئيس مباشرة داخل غرفة قيادة العمليات".

كما تأَّلم الشاذلي من تكريم جميع قادة حرب أكتوبر، إلا هو، حيث لم يتم تكريمه بأي نوع من أنواع التكريم، وتم تجاهله أيضًا خلال الاحتفاليات التي أقامها مجلس الشعب المصري لقادة حرب أكتوبر.

 وقبل البدء في تصوير الحوار داخل استوديو الأسوشيتد بريس في الدور السابع بالعمارة الواقعة خلف فندق هيلتون النيل، سألته لإشاعة جو من الراحة قبل التسجيل، وهو المعروف بالجدية والتكتم. قلت: "ما أكثر شيء تفتخر به اليوم عندما تنظر لمسيرتك الطويلة الزاخرة بالمواقف خلال خمس حروب شاركت فيها، وبطولات حققتها في حرب 73 شهد بها أعداؤك في دولة الاحتلال قبل أبناء وطنك؟"

ردُّ الفريق الشاذلي جاء مقتضبًا، لكنّه فاجأني حيث كان بعيدًا كل البعد عن توقعاتي حيث قال: "بناتي الثلاثة..". وذكر أكبرهنَّ واسمها شهدان. وكانت تلك المرة الأولى التي أعرف فيها أنه "أبو البنات" وأن شهدان هي الكبرى وتتمتع بمهارات رياضية فائقة حيث تجيد القفز بالباراشوت! تحدث عن ذلك بفخرٍ وعرفان لأسرته.

بناته شهدان وسامية وناهد وزوجته، حيث تحملن آلامًا ومعاناة ثقيلة خلال منفاه. كما شعرت كم هو "حنون" رغم الشدة الواضحة في ملامحه وشخصيته. وشجعني ذلك لأسأله من جديد عن الفترة التي قضاها في الجزائر. أجاب: "كويسة جدًا وعندي ذكريات حلوة كتير". فنطقت بعدة كلمات من اللهجة الجزائرية. فرد بابتسامة خافتة: "اللهجة كانت صعبة عليَّ". هذه التفاصيل الإنسانية وغيرها كتبتها في عمودي بالعالم اليوم الأسبوعيُّ الذي كنت أرأسُ إدارة تحريره آنذاك. لكنِّي لم أكتب عن "الحالة" التي سرتْ في مكتب الوكالة في القاهرة عند حضور الفريق الشاذلي من بيته خصيصًا لتسجيل حوار تلفزيوني مع صحفية شابة حول الغزو الأميركي للعراق عام 2003 في حين أنه رفض عشرات العروض مع قنوات غيرها.

لم أكنْ أعرفُ السبب الذي كثيرًا ما سألني رؤسائي وزملائي عنه، لكني أعرفُ أنه أمرٌ شديد الأهمية لي وحفّزني في خطواتي اللاحقة كما أعطى ثقة إضافية لمصادر غيره "ثقيلة الوزن" للتعاون معي. أتذكَّرُ أن صحفيين زملائي تزاحموا أمام باب الأستوديو لتحية الفريق الشاذلي ومنهم من طلب التقاط صور تذكارية معه. ولم يترك زميلي المصور عمرو نبيل الفرصة دون تسجيل تلك اللحظة. كما أن المصور التلفزيوني نبيل هريدي سجل واحدًا من أجمل وأعمق الحوارات للفريق الشاذلي حول الغزو الأمريكي للعراق ومن منظور عسكري واستراتيجي شديد التفرد أكثر منه منظور سياسي. ولعل الفرصة مناسبة الآن لتعيد الوكالة بث هذا الحوار الذي يوجد في أرشيفها للعبرة واستخلاص الدروس!.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment