ألسّفير د. هشام حمدان *
أثارت مواقف رئيس الأرجنتين المنتخب حديثا، خافيير ميلي، خلال زيارته لإسرائيل قبل أيام، عاصفة من التّعليقات والمخاوف داخل الأرجنتين، وفي مختلف أنحاء العالم. فالرّئيس ميلي، قام بأوّل زيارة رسميّة له خارج الأرجنتين، إلى إسرائيل، للتّعبير عن دعمها في حربها ضدّ " حركة حماس الإرهابيّة"، وعن حقّها في الدّفاع عن نفسها، والإعلان عن قراره نقل سفارة بلاده إلى القدس، وبحث مسائل العلاقات التّجاريّة، والإقتصاديّة، وكذلك زيارة حائط المبكى من أجل التّعمّق في دراساته للتّوراة، والتّلمود، والكتب المقدّسة اليهوديّة الأخرى.
عكسّ هذا الخيار للرّئيس ميلي، عمق اندفاعه في اتّجاه يمينيّ متطرّف، وعمق تأثير الجانب الدّيني والرّوحي عليه. وصفه المحلّلون في الأرجنتين والعالم، بأنّه "زعيم شعبويّ، ديكتاتوريّ قوميّ متطرّف"، إحتفل بفوزه زعماء اليمين المتطرّف في أرجاء العالم، ومثاله في أميركا، هو الرّئيس ترامب. كما أنّ الرّئيس ميلي كاثوليكيّ المولد، لكنّه شتم البابا الأرجنتيني، واصفا إياه باليساري. وهو يمارس اليهوديّة. ويميل إلى المتشدّدين بينها، زار حائط المبكى، وبكى أمامه معربا عن عاطفة لم ييرز مثلها سابقا أيّ زعيم دولة أخرى.
ألأرجنتين دولة كاثوليكيّة، لكنّها موطن أكبر جالية يهوديّة في أميركا اللّاتينيّة، وفي العالم، بعد الولايات المتّحدة، وفرنسا، وبريطانيا. لكنّها موطن أكبر جالية عربيّة في أميركا اللّاتينيّة بعد البرازيل، إذ هي ثالث أكبر جالية في البلاد بعد الجاليتين الإيطاليّة، والإسبانيّة. حمله ميله إلى اليهوديّة، للنّظر بسلبيّة إلى الإسلام والمسلمين. فتحدّث في إحدى تعليقاته عن " ألإرهاب الإسلامي"، ألأمر الذي دفع الجالية الإسلاميّة في الأرجنتين، إلى الإحتجاج. كما أنّه، حمّل إيران مسؤوليّة التّفجيرات التي حصلت ضدّ مقرّ آميا اليهودي، في بيونس أيريس، في تسعينيّات القرن الماضي.
إنتقد المحلّلون الأرجنتينيّون مواقف الرّئيس، معربين عن قلقهم، من أنّه يأخذ الأرجنتين من دون مبرّر، إلى موقف الطّرف، جانب إسرائيل، في وقت تشغل حرب غزّة ألعالم، لما تتضمّنه من مظالم وجرائم، من بينها: أبشع الجرائم في القانون الدّولي، وهي جريمة الإبادة الجماعيّة. ويخشى الكثيرون، أن تدفع مواقفه المتطرّفة الإستفزازيّة إلى حالة من اللّاإستقرار في البلاد. ويتوقّع البعض، أن لا ينهي فترة حكمه. كما يتوقّع أن يؤثرموقفه غير المبرّر، سلبا، على العلاقات بالعالم العربي، بعد أن كانت تجارة الأرجنتين مع العالم العربي، قد تضاعفت منذ أن انخرطت في مؤتمر قمّة لدول أميركا الجنوبيّة، والدّول العربيّة، كلّ سنتين، كان اقترحه الرّئيس البرازيلي لولا، خلال زيارته بيروت عام 2005.
تقول التّقارير، أنّ انتخاب ميلي، كان تعبيرا عن يأس لدى الأرجنتيين. فالإنتخابات، كانت محصورة بين نمطين من الشّخصيّات السّياسيّة: واحد يمثّل الطّبقة التي حكمت الأرجنتين لأكثر من عشرين سنة، منذ عاصفة الإنهيار المالي، وإعلان الإفلاس عام 2001، وآخر ليبرالي شعبوي، وصف نفسه بأنّه " فوضويّ"، ويريد التّحالف مع الولايات المتّحدة، وإسرائيل. منحه الشّعب ألفرصة، بعد أن فقد الأمل من وعود الطبقة الحاكمة. لكنّ برنامجه التّقشّفي، وميله لإجراءات تقلّص الخدمات الإجتماعيّة، وتصيب الطّبقة الإجتماعيّة الضّعيفة في البلاد، ستؤدّي عاجلا ام آجلا، إلى حركة شعبيّة معارضة شديدة.
ألأرجنتين هي ثاني أكبر بلد جغرافيّا في القارّة اللّاتينيّة، وإحدى أكبر إقتصاداتها إلى جانب البرازيل، والمكسيك. غنيّة جدّا في إنتاجها الرّيفي. لكنّها، عانت من إعتمادها اللّيبراليّة الجديدة في عهد الرّئيس كارلوس منعم، إذ أفسحت أمام خصخصة كلّ قطاعاتها، وفتحت إقتصادها للشّركات المتعدّدة الجنسيّات. فعلت ذلك من دون، أن يكون لديها نظام إداريّ، يمكنه أن يمنع الفساد، والتّهرّب من الضّريبة. أدّى ذلك إلى خسارة البلاد لإحتياطها من العملات الأجنبيّة. وباتت تعاني من ديون ضخمة. فقدت العملة حتى الآن 90% من قيمتها. وتجاوز معدل التّضخّم 140%
يخشى المتابعون، أن يعيد ميلي تجربة منعم الفاشلة. فهو لا ينوي تخصيص قطاعات من جديد فحسب، بلّ يريد إلغاء المصرف المركزي، وإعتماد الدّولار بدلا من البيزوس، كعملة لبلاده. هذا يعني ربط إقتصاد بلاده بالسّياسة الأميركيّة. كلّ ذلك في حين، أنّ النّظامين الإقتصاديّين الأميركي، والأرجنتيني، مختلفان تماما. إستمرار الأزمة الأرجنتينيّة، سببها الفساد المستشري في البلاد. عبثا تسعى الأرجنتين للنّهوض، بمثل هذه المواقف السّياسيّة. فالعلاج يقع داخل البلاد.
* مؤسّس ألمركز اللّبناني لخدمة العلاقات العربيّة الأميركيّة اللّاتينيّة











02/15/2024 - 09:21 AM





Comments