الحبُّ... دُفِنَ في مقبرةِ العالمِ!

02/13/2024 - 10:21 AM

Your Ad Here

 

 

مارفن عجور

 

" الحبُّ... دُفِنَ في مقبرةِ العالمِ! " قد لا يُدرِك أحد ما الذي جئتُ أقوله وقد يستغرب الجميع من القول الذي افتتحت به نصّي، وقد يناقضني الجميع على ما قلته لكنَّ في الحقيقة أتوّقع في نظرتي اليوم أنّني على حقًّ وأنَّ الحبَّ دُفِنَ في مقبرةِ العالمِ والآن الحبُّ أصبح مصالحَ وقد اختفى في الكثير من الأماكن ليُصبح الصدق ظلام والكذب نور !

الحبُّ اليوم لا ينمو فبعدَ الأزمات المتتالية التي عصفت رياحها على الشعوبِ والبلدانِ والدولِ وقضت عليهم وبالأخصَّ أزمة كورونا، إبتعد الناسُ عن بعضهم البعض وأصبح الصديق غريب والحبيب عدو والأخ فخّ.

أزمة كورونا، أقفلت المؤسسات والشركات والمدارس والبلاد أشعلت نار الحقد في قلوب أبناءِ هذا العالم، فأصبحوا يتراكضون للحصول على مصالحهم، فالمادّة أصبحت الروح والروح الحقيقية وُضِعَت في كيسٍ أسودٍ ذلك الذي نرمي فيه الزبالة لتُرمى على الطرقات وتدهسها السيّارة وتموت وتُدفَن، الروح الحقيقية التي تزّين الإنسان وتعطيه لقب صاحب القلب الجميل والروح النقيّة أصبحت اليوم تراباً لم تعد حيّة وكان ذكرها مؤّبداً فكلّما حلَّ النهار كلّما عمّت نار الكراهية في القلوب وازدادت الحروب والصراعات بين البشر حتى تذكّر الناس الذين ما زالوا محافظون على خلقِ الله أن في يومٍ لم يكن كلُّ هذا بل كان الحب والوفاء هما الطاغيان في القلوب وثناياها وفي جميع الدروب ولم يكن هناك حروب بل كان غطاء السلام لا يزال يدفئّ الشعوب! فأزمة وباء كورونا التي أوصلت الناس إلى الحجر الصحي بعد انتشارها وجعلت هذا الحجر " نفسي ".

خلال هذا الحجر وبعده أصدقاء، أحبّاء، جيران افترقوا وأصبحوا غرباء، وأسماءٌ كانت في حياتنا هي الأساس أصبحت كهؤلاء الناس الذين يمرّون في حياتنا مرور الكرام! الحجر الصحي أدى إلى الحجر النفسي وأخذِ قرارات مصيرية ساهمت في تدمير اندماجنا الاجتماعي وتدمير ثمرة الحب التي كانت تقود نفسها دائماً إلى من ينّميها أي إلى من يحبّها.

الآن، لا نعرف من كنا نحبّ وأصبح عيد الحب عيدُ الكذبِ، عيدٌ لم نعشه في أيَّ سنةٍ بوجهٍ حقيقيًّ لأنَّ الزيف ابتاع شقةً في قلوبنا وعقولنا بسعرٍ باهظٍ فافترشها واستقرّ بها لتوّسعت أكثر فأكثر وصارت قصراً، فهل فكرّنا يوماً أن نتصلّ رغبةً بالمعرفة كيف حال صديقنا؟ كيف هو حاله بعدما انتهى حالنا معه ؟ كيف يكمل مسيرة حياته؟ هل قلنا لنفسنا فلنكسر حاجز الفراق ونجتمع من جديد تحت نور المحبّة ونور السلام ونور الوقار ونور الصدق ونور اللطف ونور الحنان ونور السكينة فيُّمّد النور إلى قلوبنا ويملؤونا بنشاط الحبَّ لا بنشاط الكره و بنشاط الجهاد لا بنشاط الكسل وبنشاط الضمير لا بنشاط الخبث ؟.

أقولُ متأسفاً: لا وألف لا ! فنحنُ ومن غيرنا نحنُ جعلنا الوباء يتغلّب على الوفاء، على فرحنا، يتغلّب على وسادتنا الناعمة التي تفوح منها رائحة النعيم، فأصبحنا الآن نسبح غارقين في بحرٍ من الحزن، وكأنما الحجر الصحي هو السفينة التي أغرقتنا في هذا البحر لكي نبتلع مياه الكره والحقد ونستيقظ في الصباح وننام في المساء على وسادةٍ مليئةٍ بالقلق والشرور والذعر فلا أتوّقع وإن كنتم تتوّقعون أن الحقد جنّة السعادة! أزمة كورونا، وضعت شاشات في وجهِ الإنسان تخبئّ وراءَها الكثير من الأضرار القلبية والعقلية والروحانية وأمحت شاشات الوجوه المنارة بالأمل " وجوه أحبّاءِ هذا الإنسان "، أزمة ولّدت معضلاتٍ لا حلولَ لها فقصفت في سلاحِها إندماج الإنسان في مجتمعه وكلماته الطيّبة التي استقاها في صغره، والأصل الطيب الذي اقتلعه من جذوره ليُصبح الآن يعيشُ في فوضى، وحرّيةً مطلقة لا تجلب له سوى ألم الرأس والحفرات التي قد يقع فيها كلَّ ما ألهمه عقله بارتكاب أفظع أنواع الجرائم بحقّه وبحقّ أخيه الإنسان! نعم، مصلحة الإنسان أصبحت تطغى عليه، الأنانية أصبحت ثقافته، والآن الحبُّ يموتُ في العالمِ وينمحي أثره والقلب الطيّب إنطفأ والقلب الشرير أُنير فيا حسرة على أناسٍ خلق الله بهم نعمة الذكاء فلم يستثمروه بل سمحوا لما يناقض الإنسانية أن يتوافق مع عقولهم! وكم هو شرسٌ هذا الواقع، دعانا نغنّي أغاني الذكريات، ذكريات الأيام الرزينة، الأيام التي فيها كنّا نجتمع تحت وطأة السلام، دعانا نفتح ألبومات الذكريات لتنهمر دموعنا على كلَّ صورةٍ علّقناها في الألبوم! وما أعظم هذه الجريمة الصحّية لم تُقضِ على الصحة فقط بل قضت أيضاً على الصحة النفسية والروح البيضاء وقتلت الثقة بالنفس في سكاكينها المليئة بدّمٍ أحمرٍ لا يتوّقف انبثاقه!.

أجلس مع نفسي أربط الماضي باليوم واليوم بالمستقبل وأسرح في مخيّلتي بعيداً وأحاور ذهني وعيناي تقفان في مكانٍ واحدٍ وهو الماضي، الماضي فقط وأنا أقول: رزق الله... متى كانت منازلنا عامرة بحبَّ الأقارب والأهل والتجمعّات العائلية والكلمات الصادقة والطيّبة وكنا في بيتنا الدافئ نعكس الدفئ على بعضنا البعض فكنا مدفأةً لنفسنا ولكلَّ من تشاركنا معه بيتنا ولكلَّ من ضحك معنا وبكى معنا وانتصر معنا وفشل معنا وتنشأ معنا وتعلّم معنا

رزق الله ... متى كان التعليم بألف خير وكنّا نتعلّم بكلَّ شغفٍ بلا كلل ولا ملل وكنّا نذهب راكضين مسرعين متشوّقين حاملين الحقائب إلى مدارسنا ليس جالسين نائمين على أسرّتنا نشارك في التعليم عن بعد وكأننا لسنا موجودين.

رزق الله... متى كانت الصحة جيّدة وكان من انتقلوا إلى أحضانِ الله بين أحضاننا ونحن بين أحضانهم فليسَ من وباء يقضي عليهم وليس من وباء يعضّ بأسنانه الشرسة صحتهم. 

رزق الله ... متى كنا نلوّن أيامنا بابتسامات الأحبّة وكلماتهم وقصصهم الجميلة ووجوههم التي ما إن شّع منها السلام تطمئننا أن السلام... السلام باقٍ ... باقٍ لا يزول وها هي الرزق الله استهلّت ذكرياتي فالسلام زال والصحة تدهورت والعلم تراجع إستُّخف به، أُهمل وتلاشى.

ها هي الرزق الله تطغى في كلماتي وتطغى في كتاباتي وتطغى كلّما خطَّ قلمي واقعي ...ها هي الرزق الله تعيشُ في عالمي ... تعيش في مسامعي ... تعيش في عينيَّ فأتأمل كلَّ يوم الأيام الجميلة ولا أراها سوى في الأحلام فأسمع كلَّ يوم الكلمات التي ترددّت على مسامعي قبلَ هذه الأيام الرديئة، كلمات الحبّ والحبّ ولا شيء سوى الحبّ !

الرزق الله تسكن في داخلي، تسكن في قلبي... الرزق الله تتوّسع أكثر كلّما تعرفت إلى شياطين العالم الحالي، كلّما اكتشفت أكثر ما يحدث، كلّما فهمت ماذا يحصل على الأرض وعلى الأراضي جميعها، الرزق الله أرددّها على لساني كلّما مررتُ من طريقِ جهنّم، الزرق الله أردّدها كلّما سمعت عن حربٍ نشأت وعلاقةٍ فشلت وقلوبٍ عن قلوبها ابتعدت، قلوبٍ زاحت عن براءتها ووقارها وسكونها وهدوئها وتحوّلت حرّةً مطلقةً فوضويةً تدمرّ وتبالغ في أفعالها وتجري اموراً معيبةً مخجلةً تنشر الآفات والظواهر وتخفض ارتفاع ظاهرة الحبّ!

 

وكما كانت أزمة الحب بين الناس أزمةً ظاهرة بشكلٍ واضحٍ، كانت أزمة الحبّ بين الدول واضحة وضوح الشمس، فهل من دليلٍ قاطعٍ إلّا دليل الحرب المفتوحة التي لا تتوّقف بين فلسطين وعدوّها؟ فأين نحن من الإنسانية عندما تُقتل الأطفال ويشاهدها الناس تلفظ أنفاسها الأخيرة على التلفزيونات كأفلام سنيمائية؟ أين نحنُ من الإنسانية والحبّ عندما تبقى الحروب قائمة ويخاف الفلسطيني من أن يموت قبلَ أن يحومُ طيراً في سماوات الإبداع... ويحلّق في العالي رائداً ومفكراً لا شهيداً في فصل الربيع ومواسم الجنى؟ 

الإنسانية ... السلام... الحبّ ثلاثُ مصطلحات مُسحت من قاموس البشرية، من قاموس الدول، من قاموس العالم كلّه ... واليوم نعيّد عيد الحبّ ونحن نشهد على أفظع أنواع الجرائم، جريمة قتل أناسٍ منعمّة بالبراءة والطهارة والصدق، نعيّد عيد الحب ونحن نشهد على خلو السلام من بلد السلام بسبب الشرور التي تغذوه دون حدود ودون قيود ودون وقوفٍ ودون رحمة ... نعم! نعيّد عيد الحبّ في وقتٍ أنَّ الحبّ دُفِنَ في مقبرةِ العالم!

اليوم نعيّد عيد الحبّ وذاك الطفلة الفلسطينية التي أتت تحبّ، تغامر، تفرح استشهدت فقتلت رصاصة من سلاحِ الحبّ وهذا الأب الفلسطيني الذي راح يقاتل من أجلِ وطنه مات على أرضِه، مات فماتت رصاصة أخرى من الحبّ، وفلسطين التي حضنت أبناءها كحضن الأم الحنون تدمّر وتمرض وتصاب بالأوبئة والأمراض والإسهال كلّما غطَّ شمسها عتمةَ الحروب وظلامها! 

اليوم نعيّد عيد الحب، وقلبنا عالقٌ تحت الأنقاض كساكني الأنقاض في الزلازل والحروب والنزاعات، قلبنا عالق تحت الأنقاض ولا يستطيع إنقاذ نفسه بنفسه، فالقلب لا يحتاج منقذ مساعد سوى صاحبه. اليوم نعيّد عيد الحبّ وقلوبنا ملتصقة بالكره، اليوم نعيّد عيد الحب والفساد ملأ العالم والناس أصبحوا فاسدين والأوطان أصبحت على حافّة الإنهيار والناسُ تنشر بينها ثقافة الأنانية والمصلحة الشخصية

اليوم ١٤ شباط نعيّد عيد الحبَّ ونحن عالقين في الرزق الله 

اليوم ١٤ شباط نعيّد عيد الحب ونحن مذْ افترقنا لم نعد نحبّ 

اليوم ١٤ شباط نعيّد عيد الحب ونحن مذْ حُجرنا لم نعد نصدق في الكلام

اليوم ١٤ شباط ... أقول لكم عيدَ حبًّ سعيدٍ على أملٍ أن يسكن السلام في أرجاءِ أوطاننا مرّة اخرى وتعيش فلسطين بسلام ويعود لبنان واحةً للحرّية وتعود كلُّ الأوطان رمزاً للعيشِ بسكينة وطمأنينة!

اليوم ١٤ شباط... كونوا أنتم ولا تنخدعوا ولا يكذب عليكم أحداً ولا تلتحقوا بتيّارات الخراب.

اليوم ١٤ شباط... نمّوا أنفسكم ونقوّا ضمائركم، وأقول لكم أخيراً بكلَّ صدقٍ ما الذي قاله يسوع المسيح " أحبّوا بعضكم البعض كما أحببتكم". 

الحبّ يفوز ... الحبّ ينتفض على الكراهية.. إجعلوه أولويتكم لا تخشوه... الحبّ ينمو عندما أنتم تقرّروا.

عيدَ حبًّ سعيد!

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment