هل سيتم تحييد المشروع الإيراني لصالح مشروع إقليمي دولي بقيادة سعودية؟

02/09/2024 - 11:08 AM

A

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

تدرك السعودية خلفيات الصراع التاريخية، ورؤية أمريكا في حماية النظام العالمي الليبرالي من الأعداء الذين يريدون تحطيمه، ورغبة بكين وموسكو في الدفاع عن عالم متعدد الأقطاب متساو ومنتظم، ويرفضان احتوائهما من قبل أمريكا، وتنتقد بكين واشنطن بسبب نفوذها في منطقة آسيا المحيط الهادي ودعمها استقلال تايوان، فيما ترى موسكو أن واشنطن تستخدم أوكرانيا لتدميرها، وأن هجومها على أوكرانيا رد على حرب بالوكالة تقودها الولايات المتحدة، وعزز الحليفان علاقتهما بعدما نبذت روسيا على الساحة الدولية.

النزعة الانعزالية في أمريكا قوية منذ نشأتها بسبب أنها بلد مزدهر يقع خلف المحيطات، وبعيد عن مشكلات العالم القديم، في أوروبا المكتظة بالقوميات والأيديولوجيا، والشرق الأوسط بمشاكله التي لا تنتهي، رغم ذلك ترى أن تركهما سيكونان ساحة لأعدائهما لملئ الفراغ الذي يهدد مصالحها، ما يفرض عليها ممارسة دور الشرطي العالمي، جعلها تنشر نحو 800 قاعدة عسكرية حول العالم، رغم أنها هي من جعلت الصين كمحرك اقتصادي عالمي، لكن عندما بدأ يتسارع صعودها أصبح يقلق الولايات المتحدة في أن تعود الحرب الباردة مرة أخرى، خصوصا بعدما أصبح الناتج الصيني يمثل 75 في المائة من الناتج الإجمالي للولايات المتحدة، بعدما كان ناتجها 7 في المائة من الناتج الأمريكي عام 1990 وتحتل المركز الأول في الصادرات.

تتابع السعودية ملامح حرب باردة جديدة تتضح من المنافسة بين الصين وأمريكا، فالسعودية كدولة صاعدة استطاعت التعامل مع أمريكا وروسيا والصين وفق ما يحقق مصالحها، ويتذكر الجميع كيف تجاهلت السعودية تحذيرات أمريكا ومطالبتها زيادة إنتاج النفط، ومن أجل الضغط على السعودية اتهمتها أمريكا أنها تدعم إيرادات نفطية لروسيا التي دخلت حربا في أوكرانيا، لكن أثبت الموقف السعودي أنه يخدم السوق منتجين ومستهلكين، لكن دور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في التوسط بين أمريكا وروسيا في صفقة تبادل السجناء بين الجانبين يؤكد حيادية السعودية، ولم تكتف بذلك السعودية بل صوتت ضد روسيا في مجلس الأمن وتقديم مساعدات لأوكرانيا لدعم إعادة إعمار أوكرانيا.

 السعودية تعتبر العلاقة مع واشنطن تاريخية وصلبة، وتعتبر واشنطن حليف قوي للرياض، لم تتوقف السعودية عند هذه الشراكة الممزوجة بالحياد الإيجابي جعلها تتجه إلى التهدئة مع إيران برعاية بكين، واعتبرت إيران جزء من المنطقة وجارة، وقال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان سنستمر في مد اليد، سعيا لإقامة علاقة إيجابية تخدم استقرار المنطقة ورفاهية شعوبها.

عندما وجدت واشنطن أن الصين حريصة على أمن المنطقة واستقرارها بإحيائها طريق الحرير التراثي التاريخي الذي كان يمتد من مدينة تشان غان عاصمة الصين خلال عهد سلالتي هان والتانغ إلى أوروبا عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط من القرن الثاني قبل الميلاد حتى القرن السادس عشر يمتد لمسافة 5 آلاف كيلو متر حاليا يصل أوروبا عبر السعودية، وهو مشروع اقتصادي عملاق يحقق لها النمو المستدام باسم مبادرة الحزام والطريق، يقابله مشروع أمريكي واعد في الشرق الأوسط لمواجهة طريق الحرير الصيني، فلجأت الولايات المتحدة إلى مشروع مماثل الممر الهندي الإسرائيلي الأوروبي كما لجأت بكين إلى التهدئة بين الرياض وبكين من أجل استقرار المنطقة كذلك يتطلب من الولايات المتحدة معالجة ملفات عديدة في المنطقة منها النفوذ الإيراني، وتحجيم أذرعها في المنطقة التي تتغذى على ملف القضية الفلسطينية، ولا يمكن نهاية هذه الأذرع إلا بعد إيجاد حل للقضية الفلسطينية.

 نجحت السعودية في تحول الصراع في المنطقة بين إيران وأذرعها والولايات المتحدة، فرضت واقعا جديدا لم يكن موجود من قبل بدء من توجهات أممية وأوروبية ودول الانحياز تطالب بتحقيق الدولتين ولأول مرة في تاريخ القضية.

السعودية تقود المنطقة التي تعيش حالة انتقال وتغير بعدما استطاعت إعادة ترتيب دول المنطقة قطر وتركيا وإيران على أساس اندماج إقليمي أفضل، وخفتت ضوضاء اتفاقات أبراهام، وحل محلها المطالبة بإقامة دولة فلسطينية على حدود 67 عاصمتها القدس الشرقية.

أدركت إيران أن ما تشعله من توترات إقليمية بات يهدد أمنها خصوصا بعدما أدرك العالم أن السعودية تقود شرق أوسط كمحرك اقتصادي وممول طاقوي خصوصا بعد تضرر سلاسل الإمدادات العالمية بعد حرب أوكرانيا أصبحت أوروبا أكثر حاجة لطاقة الشرق الأوسط، وأنه سيؤمن سلاسل الإمداد التي تأثرت بجائحة كورونا وبحرب أوكرانيا وغزة وضربات الحوثي في البحر الأحمر وزيادة الهجمات على القوات الأمريكية التي وصلت إلى أكثر من 130 هجمة في العراق وسوريا نتج عنها قتل ثلاثة جنود أمريكيين على الحدود السورية العراقية الأردنية في النتف.

ووفق صحيفة فايننشال تايمز تضغط أمريكا على إيران للتوقف عن بيع طائرات مسيرة مسلحة إلى روسيا في إطار تفاهم غير مكتوب أوسع نطاقا لخفض التوتر تقول أميركا أنها شراكة دفاعية عميقة بين روسيا وإيران، وفي نفس الوقت تحاول أمريكا وإسرائيل قطع الطريق الإيراني إلى لبنان والبحر المتوسط، مما فرض على الولايات المتحدة القيام بضربات لقادة من حزب الله العراقي، وقيام إسرائيل بضربات تستهدف قيادات لحزب الله في لبنان، بجانب الهجمات الأمريكية الجراحية للحوثي في اليمن التي تستهدف فقط تحجيم قوتهم الصاروخية.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا

 [email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment