ألسّفير د. هشام حمدان
هلّل الرّأي العامّ الدّولي لقرار محكمة العدل الدّوليّة، الذي يقرّ بحقّ الشّعب الفلسطيني في غزّة، بالحماية من أعمال الإبادة الجماعيّة. قبلت المحكمة الدّعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا. فأثبتت، أنّها فوق الإعتبارات السّياسيّة. لم يتعامل حكم المحكمة مع الإتّهام الأساسي في القضيّة، ألمتعلّق بحدوث إبادة جماعيّة. لكن سيتمّ ذلك لاحقا. لم تفرض المحكمة وقفا للحرب. ربما لأنّها، ترى هذا المطلب سياسيّا، ويعود أمر البتّ به إلى مجلس الأمن. ركّزت المحكمة فقط، على مطلب التّدخّل العاجل لوقف هذه الجريمة. فأمرت إسرائيل باتّخاذ كلّ الإجراءات التي في وسعها، لمنع ارتكاب جميع الأفعال ضمن نطاق المادّة الثّانية من اتّفاقيّة الإبادة الجماعيّة، والتّأكّد من أنّ جيشها، لا يرتكب انتهاكات إنسانيّة في القطاع، وأن تضمن منع التّحريض المباشر على الإبادة الجماعيّة، واتّخاذ تدابير فوريّة لضمان توفير الإحتياجات الإنسانيّة الملحّة في قطاع غزّة، ومنع تدميره.
لا أهدف لتحليل الحكم، بل لقراءة دلالاته وأبعاده. ألقرار يذكّرنا بالحكمة القائلة: لا يموت حقّ وراؤه مطالب. قال وزير خارجيّة فلسطين، أنّه، يثبت أنّ "لا دولة فوق القانون"، وأنّه لصالح الإنسانيّة، والقانون الدّولي. وقالت جنوب إفريقيا، أنّه إنتصار حاسم لسيادة القانون، ومنعطف مهمّ في البحث عن العدالة للشّعب الفلسطيني. كلّ القوى الدّوليّة في العالم، بما في ذلك إدارة الرّئيس بايدن المحرجة، تناولت حالة غزّة ببعدها الإنساني، والحقوقي، والأخلاقي. وزير خارجيّة إيران نفسه، دعا إلى تقديم مسؤولي النّظام الإسرائيلي فورا، للعدالة، لارتكابهم جرائم إبادة جماعيّة، وجرائم حرب ضدّ الفلسطينيين. هذا يعني، أنّ حكّام إيران، يدركون معنى أهمّيّة العدالة.
قال وزير خارجية بريطانيا، وبحقّ، أنّ لجوء جنوب أفريقيا إلى محكمة العدل الدّوليّة، لن يساعد في تحقيق وقف الحرب في غزّة، وأنّ على حماس مغادرة غزّة لإتاحة الفرصة لحلّ الدّولتين. وقال مسؤول السّياسة الخارجيّة في الإتّحاد الأوروبّي، جوزيب بوريل، أنّ إسرائيل، موّلت حماس، لإضعاف السّلطة الفلسطينيّة. وكرّر أنّه يجب فرض حلّ الدّولتين من الخارج.
نعم، حماس تمزج بين دور السّلطة والمقاومة. هي في موقع السّلطة في غزّة. كانت إسرائيل، والولايات المتّحدة، وأوروبّا، أكثر الذين فرضوا على السّلطة الفلسطينيّ، بألإقرار بالإنتخابات التي جرت في حينه، في غزّة، وجاءت بحماس لتولي السّلطة فيها. تحوّلت هذه السّلطة إلى وسيلة لجعل غزّة ثكنة عسكريّة، ليس كقوّة دفاع عن غزّة، بلّ ك"مقاومة" ضدّ إسرائيل. فسّر الغرب هجوم حماس يوم 7 تشرين الأوّل الماضي، بأنّه عمل عدواني من سلطة، يمنح إسرائيل حقّ الدّفاع عن النّفس. فيما رأت الشّعبويّة العربيّة، أنّه فعل مقاومة. الشّعبويّة السّياسيّة، هذا المرض الذي يدفع به العامل الدّيني في منطقتنا، يدمّر الرّؤيا، ويقتل الحقوق الفطريّة لشعوبنا. كان الإستغلال السّياسي للدّين، وما زال، ألعامل الرّئيسي في إخضاع بلداننا للإستعمار.
إذا كانت إيران، توّمن بالعدالة وفقا للقانون الدّولي، فأيّ حلّ تراه ينهي مشكلة فلسطين سوى حلّ الدّولتين؟ ألم تبدأ كلّ هذه المشكلة، وتستمرّ حتّى الآن، لأنّ بعض القيادات الشّعبويّة الإسلاميّة، والعربيّة، ظلّت ترفض حقّ إسرائيل بالوجود وفقا للقانون الدّولي؟ ألجهة الشّرعيّة الوحيدة ألتي يحقّ لها تقرير عدم شرعيّة دولة إسرائيل، هي نفسها، الأمم المتّحدة التي اتّخذت القرار بإنشائها. نحن ملتزمون ميثاق الأمم المتّحدة، والقرارات الدّوليّة الشّرعيّة. لا يمكن أن نقبل بعضها، ونرفض البعض الآخر.علينا قبل أن نطالب أميركا وأوروبّا بوقف ازداوجيّة المعايير، أن نبدأ أوّلا بأنفسنا فنتوقّف عن إزدواجيّة المعايير.
حبذا لو تتوقّف إيران عن تقليد إسرائيل، بفرض عدالتها عبر السّلاح والقوّة. إيران، وقوى "الممانعة والعارضة والمقاومة"، مثل إسرائيل، يتناولون موضوع غزّة ببعد سياسيّ ودينيّ. وزير الأمن القومي الإسرائيلي، كرّر عزف السّيمفونيّة المقيتة، ألتي لم ولن تتوقف، فاتّهم المحكمة بمعاداة السّامية. و"المقاومة" تقاتل بإيديولوجيا دينيّة: أخوان وخمينيّين. إسرائيل والمقاومة، وجهان لعملة واحدة تدفع لتدمير المفهوم الحقوقي للقضيّة الفلسطينيّة، وتحويلها ساحة صراع، في خدمة كلّ المصالح الخارجيّة سوى مصلحة الشّعب الفلسطيني نفسه. إيران نفسها، تستخدم هذه السّاحة، كذلك ساحة لبنان، لتحصل على مقعد على طاولة رسم النّظام الإقليمي الجديد للشّرق الأوسط.
نرفض فكرة "فالج لا تعالج" في لبنان. سنتمسّك بالعدالة، والقانون الدّولي. ونكرّر مطلبنا "مراجعة المحاكم الدّوليّة".











02/04/2024 - 08:33 AM





Comments