بقلم: محمود الكومى
حين يتوارى النهار ينساب ثغر البلبل الرنان يسكب الألحان، فيعطر الجو، حتى لا يترك الفضاء فريسة جوف الليل وحلكة الظلام، لكنى يا عذراء أسير السهر منذ أرخى الليل سدوله حتى السحر والى أن تلوح فى الأفق تباشير الصباح.
يبوح السهر فى سهرية القمر وحتى فى الغياب بكل توسلات المناجاة، لكن المناجاة لا تتوهج وتشتعل شدة الوجد إلا وحيداً مع شدو الكوكب الإنساني "أم كلثوم" ينساب ثغرها يضاهى بلبل رنام ويتفوق أو عندليب يعندل ويتعندل أو طائر وروار يغرد بل ويتغرد .
هيهات.. هيهات .. فشهد الكلام حروفه من نور يصوغها شاعر الشباب والبحور " أحمد رامى" من ضوء القمر، للوصف وللمناجاة وللطيف يسرى وقع الكلام معبراً عن صورة شعريه ليس لها مثيل "سهران لوحدى اناجى طيفك الساري سابح فى وجدي ودمعي ع الخدود جارى".
يداعبها"رياض السنباطى" ذلك المبدع فى اللحن الصاعد بالفن، القدير على تغليف الأشعار بحبات اللؤلؤ والمرجان، حين يقدم للسهرية بمقدمة تصور السهر والقمر والوحدة والمناجاة لتجسد الجو الحالم لكل هذه الكلمات بما تعنيه من تدفق الفكر وعمق الخيال، لحظة تناغم آلات الكمان تذوب مع العود والقانون فينتظم الإيقاع المقام يفوح شذى النغم مصورًا الجو النفسي للسهر بوحشته بخياله بأفقه الرحب فى مناجاة للطيف السارى ليسبح الخيال والمخيال، وهنا تحين النشوة فتسلم آلات الموسيقى نغماتها الى الصوت الملائكى بعد ان مهدت له الأجواء لتفوح عطور ثغر كوكب الشرق فتضىء المكان رغم الليل وهى تصدح سهرااااااااااااااااااان فى مد للألف بنفس واحد وشهيق وتتابع .... لوحدى اناجى طيفك السارى، هذا الطيف الذى يسبح فى الوجد والدمع الذى يسرى على الخدود قتبدو متعة الشبق
فيصدح الناي يبكي القلب الحزين، وتستعيد الست سهرااااااااااااااان لوحدى - ما ابدع التصوير بالصوت وأنين الناي، أنات عاشق ولهان - حوار ولا فى الاحلام .
نام الوجود من حوالي وانا سهرت فى دنياي
أشوف خيالك فى عنيه وأسمع كلامك وياي
فمن ذا الذى صاغ وصور فملك القلب واسكت اللسان - فى مخيلتي لابد ان أرى الوجود وقد نام وران السكون وانا الساهر المؤرق في الكون لا تفارقني صورة نديمى ولا يغيب صوته عن أذاني، تبدع أم كلثوم فى تصويرها لهذه اللوحة الشعرية وتجسد مع النغم الحالم للموسيقى يتصاعد ويغيم حين ينام الوجود وينصهر السهر مع الوحدة يشعل نار الوجد والضنى .
وتعود البوتقة الموسيقية ما بين القانون وأوتار الكمان مصورة الجو النفسي لهذا التناقض
حين تشدو سيدة الغناء
ما بين نعيمي وأنس الروح ساعة رضاك
وبين عذابي وطول النوح أيام جفاك
يا لها من صورة تبين كل اللى شفته خطر ع البال وعشت فيه هايم ولهان
ولازلت هايم ولهان مع - موسيقى الصوت وصوت الموسيقى - فى العزف والشعر والغناء الكل مجسدًا فى اللحن السنباطى الشرقى الحالم السهران.
يا اللي رضاك أوهام والسهد فيك احلام - حوار رائع ما بين الآلات الموسيقية ونبضات أم كلثوم الروحية، ومالى فى التصوير اتخيل كيف يضن الحبيب بالجفا وكيف اعتبر جفاه حرمان !! اِلا مع رامي و السنباطي وأم كلثوم، تزداد حلاوة الضنين والأنين والجفا والسهد وحتى البعاد، وكأنه لقاء ود وولع وحب فى منتهاه
وكيف يصور الحاسد والعزول بالعهد الجميل، تلك معجزات الثالوث (رامي السنباطي وأم كلثوم )
لا يوم وصالك ... هناني
ولا هجر منك ... بكاني
معادله صعبه للذى لم يعرف للحب معنى، لكن لمن ذاق الحب واستعذب المعنى، يرى في تلك العبرات آفاق رحبة ومعانى دسمة.
يا طول عذابي وحرماني..... ببعاد ( ثالوث الطرب والتطريب رياض ورامى وأم كلثوم )عن الابداع ..... لكنهم فيما تركوه كنز لا يباع بكنوز الدنيا .
لذا فكل من أحب الغناء الشافى والشهد الصافى لابد أن يعرف ما هو آتى ويترحم على الفن الراقى
سهران لوحدي أناجي طيفك الساري
سابح فى وجدي ودمعي ع الخدود جاري
-----------------------
سهران لوحدى
*كاتب ومحامى - مصرى










02/04/2024 - 08:20 AM





Comments