د. عبد الحفيظ محبوب *
تسعى الصين للصدارة الاقتصادية مع حلول منتصف القرن الحالي لتعزيز مكانتها العالمية، ما يقلق الصين أن التوسع التجاري يعتمد على أسواق منهكة وبحاجة إلى إصلاحات بنيوية كبيرة، مع ذلك هناك إصرار صيني لتبني سياسات آمنة للوصول إلى هذه الأسواق، وبشكل خاص الأسواق الضخمة، كالأسواق الأوروبية، وحتى الأمريكية، التي بلغت مع أمريكا في 2022 نحو 690.6 مليار دولار، ونحو 912.6 مليار دولار مع الاتحاد الأوروبي، ومع موسكو نحو 240 مليار دولار، ونحو 431 مليار دولار مع الدول العربية، ومع أفريقيا نحو 282 مليار دولار، ومع رابطة دول جنوب شرق آسيا نحو 975 مليار دولار، ومع أمريكا اللاتينية نحو 485 مليار دولار، أي أن وجهات الصادرات الصينية بلغت 3.6 مليار دولار حول العالم، تليها أمريكا بنحو 2 تريليون دولار ثم ألمانيا بنحو 1.65 تريليون ثم هولندا بنحو 966 مليار دولار وفرنسا 618 مليار دولار.
هناك تنافس صيني مع أمريكا والهند وبصورة أكثر دراماتيكية على منطقة الشرق الأوسط، ( طريق الحرير، الممر الهندي ) وهناك نقاط تماس قد يصعب تجاوزها فيما يتعلق بمناطق النفوذ البحري، ومحاولة الصين كسر التفرد الأمريكي بالقرار الدولي، لكن هذا القرار الدولي المتفرد مكلف، لذلك تبحث الولايات المتحدة عن حلفاء، لكنها وجدت السعودية ودولة الإمارات ومصر يتنحون عن المشاركة في هذا التحالف لمواجهة الحوثي الذي يهدد أمن ممرات البحر الأحمر لأسباب عديدة أهمها أنهم يطالبون وقف فوري للنار في غزة ولم تحققه أمريكا، وثانيا أن السعودية لديها اتفاق تهدئة مع إيران بواسطة بكين، وأيضا لديها تفاهم مع الحوثيين من أجل توقيع خريطة الطريق اليمنية التي ترعاها الأمم المتحدة لتحقيق السلام في اليمن، وسابقا وقفت أمريكا أمام تحجيم دور مليشيا الحوثي وإبعاده عن البحر عندما أراد التحالف استعادة الحديدة من الحوثي لصالح الشرعية لكن أمريكا استبدلت تحرير الحديدة باتفاق استكهولم عام 2018.
أصبحت إيران بين الصين والولايات المتحدة بعدما وقعت الصين مع إيران باستثمارات ب400 مليار دولار على مدى ربع قرن، بعد زيارة قام بها الرئيس الصيني إلى طهران في يناير عام 2016 منها 280 مليار دولار موجهة لصناعة النفط والغاز، و120 مليار دولار ستستغل في شبكة الطرقات والسكك الحديدية والمطارات والتكنولوجيا في إطار مبادرة طريق الحرير الجديد، وكان التصديق على الاتفاقية في 23 يونيو 2020 وصياغة الاتفاق في 27 مارس 2021، ورغم أن هناك تخوف داخل إيران يشبه الاتفاق بمعاهدة تركمانجاي لعام 1828 التي تخلت بمقتضاها بلاد فارس عن أجزاء كبيرة من أراضيها لصالح روسيا، وهناك تخوف من أن يكون هذا الاتفاق يعزز التبعية المتبادلة بين البلدين.
لكن الصين تستثمر العقوبات الأمريكية على إيران وحالة الضعف التي تعاني منها إيران في أسواقها المحلية لتعزيز علاقتها بإيران، باعتبار إيران نقطة جيوسياسية غاية في الأهمية، وفرصة لإيران أيضا في تحقيق التقارب بينهما في أوراسيا بعد الانسحاب الأمريكي الذي أوجد فراغا يمكن أن تملؤه الصين وإيران، وعدم قدرة روسيا بعد دخولها الحرب في أوكرانيا، ما جعل السعودية التي تقود دول مجلس التعاون الخليجي تقيم علاقة اقتصادية مع دول آسيا الوسطى.
رغم ذلك هناك تجاذبا بين الصين والهند خصوصا في مصالح الطاقة انضمت إليهم أوروبا بعد تقليل الاعتماد على الطاقة الروسية، فأصبح للسعودية وبقية دول المنطقة أهمية كبيرة جدا ستتجه أنظار العالم إليها كمصدر للطاقة بجميع أشكالها خصوصا وأنها تمتلك الاستثمارات والمساحات الشاسعة والشمس.
تعتبر الصين المحيط الهندي مجالا حيويا لتجارتها حيث يمر منه 80 في المائة من وارداتها من النفط من منطقة الشرق الأوسط، ويأتي عبر المحيط الهندي ومضيق ملقا نحو 95 في المائة من تجارة الصين مع دول منطقة الشرق الأوسط، لذلك هي حريصة على تأمين تجارتها التي تود مضاعفتها وتعظيمها خلال العقود المقبلة، وهي تدرك انه يلوح في الأفق تحديات جيوسياسية حتى مع تطور بحريتها باعتراف الولايات المتحدة التي اعتبرتها الأكبر في العالم حسب تقرير وزارة الدفاع الأمريكية في 2020 التي تبحث عن تواجد في جغرافيا جديدة، فهي تطمح تطوير ميناء جوادر في باكستان وكياوكبيو في ميانمار الأبرز التي تطل بهما الصين على المحيط الهندي، بجانب تطوير ميناء تشابهار الإيراني وجاسك وهما لا يبعدان عن مضيق هرمز، فهي بحاجة إلى توافق على سياسات الحركة والملاحة والتواجد في المحيط الهندي وكسر تفرد النفوذ الأمريكي في المحيط الهندي ومضيق باب المندب والقرن الأفريقي من أجل أن يغير التوازنات مع أمريكا والهند في البحر بشكل خاص.
وفق صحيفة فايننشال تايمز نقلت عن مسؤولين أميركيين في 24/1/2024 إن الولايات المتحدة طلبت من الصين حث إيران على كبح هجمات الحوثيين في اليمن على السفن التجارية في البحر الأحمر، لكنها لم تتلق أي مؤشر على استعداد بكين لتقديم أي دعم في هذا الصدد، خصوصا وأن الصين وروسيا لم يستخدما الفيتو أمام القرار الأممي 2722 ضد الحوثيين، وهذا الطلب طرحته أمريكا أمام المسؤولين الصينيين خلال الأشهر الثلاثة الماضية، حيث ناقش مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض جيك سوليفان ونائبه جون فاينر هذا الطلب في واشنطن خلال يناير 2024 مع رئيس الدائرة الدولية للجنة المركزية الشيوعي الصيني ليو جيان تشو، وكذلك ناقش وزير الخارجية الأمريكي بلينكن مع نظيره الصيني، لكن المسؤولين الأمريكيين يعتقدون انه لا توجد مؤشرات تذكر على أن الصين مارست ضغوط على إيران لكبح هجمات الحوثيين.
لكن دخل التصعيد في المنطقة مرحلة جديدة بعد الإعلان عن مقتل 3 جنود أميركيين وإصابة أكثر من 30 جنديا آخر بهجوم نفذته الجماعات المسلحة التابعة لإيران في العراق على قاعدة أميركية في قاعدة التنف الأمريكية على الحدود العراقية السورية الأردنية في 28/1/2024 عندها سجل التوأمان الإيراني مقابل الدولار بأكثر من 57 ألف تومان يكشف عن مدى هشاشة الأسواق الإيرانية التي باتت تتأثر بالأحداث السياسية بعدما كان يباع التوأمان قبل هذا الهجوم بنحو 51 ألف تومان مقابل الدولار.
تدرك الصين أن الأزمة متعلقة بوقف النار الفوري في غزة مثلها مثل السعودية وبقية الدول العربية الذين يطالبون أمريكا والمجتمع الدولي بوقف فوري للنار في غزة، رغم ذلك طالبت الصين إيران بوقف هجمات الحوثيين وإلا فإن ضررا قد يلحق بالعلاقات التجارية بين البلدين، لأن الهجمات الحوثية في البحر الأحمر أدت إلى ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين نتيجة لما تسببت فيه من اضطرابات لمسار تجاري رئيسي بين آسيا وأوروبا تستخدمه السفن التي تبحر من الصين على نطاق واسع.
وشكك البعض داخل المؤسسة الحاكمة في إيران في أهمية الشراكة مع بكين، مشيرين إلى انخفاض نسبي في حجم التجارة والاستثمارات غير النفطية منذ وقع البلدان اتفاقية مدتها 25 عاما في 2021 استثمرت الشركات الصينية فقط 185 مليون دولار، وانخفضت صادرات إيران إلى الصين 68 في المائة في 2023، بينما ارتفعت وارداتها 40 في المائة، فيما التزمت الشركات الصينية باستثمار المليارات في السعودية بعد توقيع الشراكة الاستراتيجية في ديسمبر 2022.
إيران في حيرة من أمرها بين أن تستمر زعيمة لمحور المقاومة الذي يضم الحوثيين وحزب الله اللبناني وحماس وفصائل مسلحة في سوريا والعراق، وبين الانجرار إلى حرب إقليمية بسبب غزة، أو أنها تستجيب للاندماج في رؤية المملكة التي تقودها السعودية خصوصا وأن اقتصادها ليس بحجم اقتصاد إسرائيل الذي يقدر بأكثر من 500 مليار دولار وهو رابع اقتصاد في المنطقة بعد اقتصاد السعودية ثم تركيا فالإمارات فإسرائيل، بينما اقتصاد إيران اقتصاد متهالك انخفض من 413 مليار دولار في 2019 إلى 191 مليار دولار في 2022، ووفق صندوق النقد الدولي يحتمل أن يبلغ الناتج المحلي لإيران عام 2023 نحو 368 مليار دولار بعدما خفف الرئيس الأميركي جوزف بايدن العقوبات المفروضة على إيران المتشددة في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا










01/29/2024 - 10:46 AM





Comments