بقلم: ألفة السلامي
بدأت الغناء وهي طفلة في سن الخامسة حتى أن الكاتب الكبير فكري أباظة وصفها آنذاك بالمعجزة الصغيرة، كما أنها غنت أغاني نجاة علي فنانة معروفة في ذلك الوقت؛ ومن هنا جاء اختيار اسمها وكنيتها. ورسخت نجاة أقدام موهبتها في بستان الفن الذي حباها به الله متمثلا في أسرتها الفنية كبيرة العدد، ثم وطنها الثاني مصر، التي جاءها والدها محمد حسني فنان الخط العربي قادما من سوريا. وتفتّحت براعم هذه الزهرة وسط أخوتها الذين كوّنوا تختا موسيقيا رائعا بقيادة أكبرهم، عز الدين حسني، عازف الكمان وخريج معهد الموسيقى العربية.
كانت سميرة تعزف على العود، وفاروق على القانون، وسامي على التشيلو. أما سعاد حسني أختها التي تصغرها بخمس سنوات فحدث بإسهاب وشوق عن موهبتها المتفرّدة. وفي هذه الأجواء، تفتقت موهبة نجاة الطربيّة في عصر ذهبي للغناء والموسيقى كان إحدى سماته الفرق الصغيرة المنتشرة داخل العائلات وبين الأصدقاء ومناسباتهم، فتحتضن المواهب وتربي الوجدان وتثري الشخصية. وظلت نجاة مع توالي السنوات "صغيرة" في قلبها الأخضر، طفلة في رقتها الغضّة، لكنها أيضا "كبيرة" في صوتها الدافئ وعذوبته المتفرّدة. ورغم قصرها وحجمها الصغير إلا أن قامتها الباسقة وحجمها الفني جعل أعيننا تراها على الدوام قامة شامخة كنجمة تزين سماءنا، نرنو لها بانبهار، وننتظر طلّتها باشتياق، ونحفظ أغانيها الخالدة في بهجة وحبور!
وحديثي عن نجاة بمناسبة "جوقة" المتنمرين على ظهورها في الرياض خلال تكريم مستحق لها تأخر طويلا، وهي التي لم تختر موعده لكنها استجابت بمحبة وتقدير إلى تلك اللفتة، وعلينا أن نحترم جميعنا رغبتها كما احترمنا تكريم الرئيس السيسي لرموز عظيمة مثل الفنانة سميحة أيوب ومن قبلها الفنانة فريدة فهمي والدكتورة فرخندة حسن وآمال فهمي وغيرهن كثيرات من سيدات مصر العظيمات.
ولعل تلك التعليقات الجارحة التي طالعتها بحسرة وتناولت شيخوخة الفنانة نجاة الصغيرة لا تعكس إلا شيخوخة عقول هؤلاء وهي عقول أصابها الصدأ من كثرة الكراهية والتهمتها خيوط العنكبوت فلم تعد تبصر إلا ظلاما دامسا. هؤلاء هجرتهم الإنسانية والرحمة والفرحة واختبئوا وراء عبارات دينية شكلية اعتدنا أن يتلحّف بها أمثالهم ليستلوا سيوفهم ويذبحوا ضحيتهم باسم التقوى والستر والأخلاق الكريمة. ليس لديهم من العلم والرقي والتدين شيئا؛ إن كبار السن ومن هم في عمر الفنانة العظيمة نجاة يذهبون الآن لتلقي العلم وكتابة أبحاث الماجستير والدكتوراه ويمثلون أدوارا في أفلام ومسلسلات ويعتلون المسارح للغناء وإلقاء المحاضرات-طبعا في بلاد لا تدين بالإسلام الذي أوصانا بتلقي العلم من المهد إلى اللحد والحنوّ على كبارنا-ولكن في بلدان تقدر كبار السنّ من رموزها وتداوم على تكريمهم والاحتفاء بهم وتنظم لهم اتحاداتهم المهنية رحلات سياحية خصيصا حتى تهون عليهم أيام عمرهم وتنسيهم وحدتهم.
نفس هذه النوعية من المتنمرين على السيدة نجاة كانوا في حقب سابقة يسيئون إلى ذوي الإعاقة ويسخرون من ظهورهم العلني حتى أن أهالي ذوي الهمم كانوا يخفونهم في البيوت لتلافي تلك القسوة التي تدمر معنوياتهم. لذلك لابد أن تظل نجاة وأي رمز من رموز الفن والثقافة والعطاء حاضرين وبقوة في حياتنا وإعلامنا ومنتدياتنا واحتفالاتنا، في شيخوختهم قبل شبابهم، لأننا ببساطة نحيي الوطن بكل تراثه ومخزونه القيمي في حضورهم. ولابد أن تصلهم رسالتنا: نحن لا ننساهم بل ونحتاج إليهم بقدر ما يحتاجون إلينا.
كيف يمكن أن ننسى نجاة الصغيرة الكبيرة وقد لمعت كماسة أصلية وسط الساحة الفنية التي كانت مليئة بالعمالقة من أمثال أم كلثوم وليلى مراد واسمهان ووردة وفائزة أحمد وشادية وفيروز وصباح ونجاح سلام. وقد اتجه نحوها كبار الملحنين من أمثال عبد الوهاب وبليغ والموجي والسنباطي وكمال الطويل ومحمود الشريف وسيد مكاوي وسامي الحفناوي ومحمد فوزي ومنير مراد والأخوين رحباني وحليم الرومي؛ كانوا جميعا يتوقون أن تختار من ألحانهم وفقا لمزاجها وذائقتها.
كما طاف في حديقتها الغراء كبار الشعراء من أمثال بيرم التونسي وصلاح جاهين ومرسي جميل عزيز وأحمد رامي وحسين السيد ومأمون الشناوي وعبد الرحيم منصور وصالح جودت والأبنودي ومحمد حمزة وعبد الوهاب محمد وغيرهم. أما نزار قباني فقد كان إضافة كبيرة لتجربة نجاة التي أضفت بدورها شعبية واسعة على قصائده حتى أنها لُقبت بسيدة القصائد العربية. كما شكّلا ثلاثيا رائعا بصحبة الموسيقار عبد الوهاب فقدمت نجاة للثنائي المبدع "ماذا أقول له"، و"متى ستعرف"، و"أسألك الرحيل"، و"أيظنُّ"، و"ارجع إليّ"، وغيرها من الروائع التي أثّثت وجدان جيل بأسره.
وكم أتمنى أن يظل عطر وردتنا "نجاة" يفوح برائحة الفن الزاهي فيحرك وجداننا وينعش ذاكرتنا فيطردُ قسوة هذا الشتاء الجاف الذي انتزع ورقات زهورنا وبدد عطرها وعبث بأغصان أشجار الغناء الأصيل الذي لم يبق من ثمارها إلا من "نجا" من مذبحة الفن. تلك المذبحة التي كان يشرف عليها "شيوخ" من الخليج في السبعينات والثمانينات وحتى التسعينات، دفعوا مليارات لسرقة الأحلام وتشويه العقول بالآراء المتطرفة حتى يسلخوا جلد مصر ويجردونها من قواها الناعمة فتقف عارية، غليظة، وضعيفة فيسهل التهامها بكل ما تمثله من فنون وآداب كانت بمثابة مضخة الدماء في عروق الثقافة العربية ككل.
إن الفنون والفنانين هم الروح القوية والعتية لثقافتنا العربية وهم أسلحتنا الناعمة التي تسند حضورنا في بساط الإنسانية، في عصر الحروب والمؤامرات. كما أنهم كالإسمنت المسلح في بناء وحدتنا وتواصلنا بين دفات شواطئنا العربية ولنغني معا فنتذكر على الدوام مصيرنا المشترك نشيد بلاد العرب أوطاني للشاعر السوري فخري البارودي: بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان -اسم آخر لبغداد عرفت به قديماً - ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوان؛ فلا حد يباعدنا ولا دين يفرقنا؛ لسان الضاد يجمعنا بغسان وعدنان!
فابق بخير وسلام سيدتي نجاة الصغيرة، وليتك أيها العمرُ تبطئ خطاك نحوها، فهي من ننجو بها من صحاري قلوبنا القاحلة ونبدد بها سنوات الظمأ للفن الذي يروي عروقنا بعد أن فارقنا فنانون مبدعون بما غرسوا فينا من مشاعر دافئة ونثروا فينا حبا ورُقيّا وبهجة!










01/25/2024 - 10:06 AM





Comments