هل يتحمل الشعب اللبناني فاتورة الصراعات السياسية

01/23/2024 - 09:25 AM

Bt adv

 

 

 

هاني احمد طه *

 

تزايدت شدة المواجهة العسكرية المباشرة على الحدود اللبنانية - الفلسطينية المحتلة بين الجيش الإسرائيلي والمقاومة اللبنانية، حيث تم استهداف مواقع عسكرية إسرائيلية قيادية في مناطق أبعد من مدينة صفد وجبل الجرمق، بالمقابل تم استهداف عدد من المقاتلين المشاركين في الميدان في جنوب لبنان، وزادت القلق من حدوث تدهور عسكري أكبر يؤدي إلى حرب مفتوحة بنفس نمط حرب صيف ٢٠٠٦.

هذا القلق ليس محتومًا على اللبنانيين فقط، بل هو قلق مشترك أمريكي وإسرائيلي يعبّر عنه بأشكال مختلفة مثل سلسلة المحاولات الامريكية والأوروبية (التي تديرها الولايات المتحدة) للحيلولة دون حدوث انفجار أكبر من الحالي في الجبهة اللبنانية الإسرائيلية

تسعى الإدارة الأمريكية بجهود مستمرة وتشجيع الأوروبيين وحلفائها العرب لتنظيم هذا الوضع، وذلك لأنها ترون أضرارًا كبيرة لسياساتها بسبب مشاركة المقاومة اللبنانية في المعركة التاريخية التي تدور في قطاع غزة. ويبدو أن واشنطن لا تثق في قدرة إسرائيل على التعامل مع حرب شاملة على جبهتين في لبنان وغزة.

وفي الوقت نفسه، ترتفع أصوات داخل المؤسسات الصهيونية تشارك الأمريكيين رأيهم في هذا الصدد. وذلك بالرغم من تهديد قادة الاحتلال بتحويل بيروت إلى ركام مشابه للركام الذي خلفته الأسلحة الأمريكية - الصهيونية ضد المدنيين في غزة وفشلت في تحقيق ما يشبهه في الحرب البرية التي هُزِمَ فيها إسرائيل بشكل مروع.

وعلى الرغم من الجهود المكثفة من الأمريكيين والأوروبيين لوقف الاستنزاف الصهيوني في لبنان، إلا أن الربط بين الجبهتين اللبنانية والغزاوية لا يزال قويًا حيث رفضت المقاومة اللبنانية إيقاف العمل العسكري في لبنان قبل إيقاف العدوان الصهيوني على غزة. وتبدو المتاعب التي تواجه الأمريكيين متعددة نتيجة التحركات اليمنية التي تعطّل الملاحة البحرية الدولية في البحر الأحمر، وقد تسببت في أضرار اقتصادية كبيرة للاحتلال الصهيوني بفعل استهداف السفن المتجهة إليه. وأفاد تصريح رئيس بلدية إيلات بأن المدينة أصبحت خالية تمامًا من الحركة بعد أن كانت مركزًا سياحيًّا واقتصاديًّا نشطًا في الشرق الأوسط. وأثارت التحركات العراقية الأمنية والعسكرية التي استهدفت القواعد الأمريكية في العراق وسوريا قلق واشنطن، خاصةً مع المطالبة الواضحة من حكومة العراق بانسحاب الأمريكيين من العراق. وسُجِّل تزايد في استهداف الصهاينة للمقاومة اللبنانية في الجنوب اللبناني بعد اغتيال القائد صالح العاروري، في محاولة صهيونية مستميتة لتحقيق إنجاز يدفع نتنياهو إلى جمهور الصهاينة في مواجهة الهزائم القاتلة التي يعاني منها الجيش الصهيوني في شمال وجنوب غزة. وتتضاعف هذه الهزائم عندما يرون الصهاينة استمرار سقوط صواريخ الفلسطينيين على تل أبيب ومدن إسرائيلية أخرى، على الرغم من القصف العنيف الذي تتعرض له غزة من قبل الاحتلال الصهيوني

هل صحيح أن الحرب ستستمر لعدة أشهر كما يزعم القادة الصهاينة، أم أن هذا المزاعم مبالغ فيها ويدل على رغبتهم القوية في التوصل إلى هدنة تسمح بتبادل الأسرى آخذة بعين الاعتبار المصالح المشتركة. ويجب أن يكون لهذا الحل ثمن ضخم يتم تحمله من قبل دولة الكيان الصهيوني ويتطلب تحرير الأسرى البطلة الفلسطينية من السجون الصهيونية. هناك حقائق سياسية كبرى يدركها وزير الخارجية الأمريكي بلينكن والمبعوث الرئاسي الأمريكي هوكشتاين، تتعلق بوجود إرادة جديدة إسلامية - عربية فلسطينية - لبنانية... ولا يمكن تجاهلها أو التغاضي عنها بأي حال من الأحوال. ويجب أن يكون الشعب اللبناني في مستوى هذه الإرادة العالية التي تجعله يرويها دماء الشهداء وتكتنفها رائحة العزة والكرامة والتحرر.

لبنان عانى سياسيًا لمدة 4 سنوات دون استطاعة الأطراف السياسية التوصل إلى اتفاق لمواجهة المشاكل المالية والاجتماعية التي يعاني منها البلد. تسببت الخلافات السياسية في شغور منصب رئيس الجمهورية، الذي يُعَدُ أعلى منصب في البلاد، وعدم القدرة على تعيين محافظ لمصرف لبنان المركزي. في الوقت الحالي، يُهَدِد الشغور المناصب الإدارية والأمنية العليا الأخرى، وهو يدل على أن مستقبل الاقتصاد اللبناني أصبح غامضًا وأن الوضع سيتعقد أكثر.

يبدو أن الحرب في لبنان قد زادت من تفاقم الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني، بالإضافة إلى عدم الاستقرار السياسي وعدم وجود توازن بين القوى السياسية المتصارعة في لبنان، وهذا يمكن أن يؤدي إلى استمرار الأزمات المتوالية التي يعاني منها الشعب اللبناني. كما يشتد الصراع بين حزب الله وجيش الاحتلال الإسرائيلي على الحدود اللبنانية، بعد أن قامت القوات الموالية لحسن نصر الله بشن هجمات ردًا على الانتهاكات الوحشية التي يرتكبها الاحتلال ضد الفلسطينيين في قطاع غزة. وهذا لا يزيد من صعوبة الأوضاع في لبنان، وقد أثار المسار الإصلاحي السياسي والاقتصادي.

ينتظر الشعب اللبناني تطورات الأوضاع، والتي تنذر بتفاقم الصراع بين حزب الله والاحتلال الإسرائيلي، والاندلاع في حرب واسعة، وهذا الأمر أصبح وشيكًا. هذا يقضي على آمال وأحلام الشعب اللبناني في الخروج من الوضع الصعب الذي يعاني منه للسنة الرابعة على التوالي، دون التوصل إلى حلول حاسمة للأزمات المتعاقبة، وهذا أدى إلى احتجاج اللبنانيين بشكل جماعي ضد ما يحدث وتوجيه اتهامات بالفساد إلى بعض المسؤولين بسبب تدهور ظروف المعيشة وتراجع الليرة ونقص الوقود وانقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة وارتفاع أسعار السلع وعدم قدرة المواطنين في لبنان على توفير الاحتياجات الأساسية.

يدخل لبنان في حرب واسعة النطاق مع الجيش الإسرائيلي، خاصة أن "بيروت" تحدها حدود مع إسرائيل التي تسعى للاستيلاء على أجزاء منها أو استعمارها بالكامل، إذا ساعدها ذلك، وهذا يؤدي إلى مستقبل مظلم للبلاد، لذا يجب الانتقال من المسار العسكري إلى المسار الدبلوماسي، وعقد محادثات مكثفة يقودها أطراف حريصة على مصلحة الشعب اللبناني، وتجنب الخلافات السياسية والشخصية، مهما بلغت ذروتها، وهذا هو السبيل الوحيد لمحاولة إنقاذ الوضع السيء، وإلا فقد لا يستطيع لبنان الانتعاش مرة أخرى ويصبح مصيرها مثل دول المنطقة الأخرى التي دمرت جزئيًا، وفي النهاية يتحمل الشعب الفاتورة الناجمة عن الصراعات السياسية والحروب المدمرة.

 

* كاتب صحفي من مصر، حاصل علي اعلام جامعه القاهرة، عملت بعدد من الصحف المصرية والعربية والدولية


 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment