اعداد مارفن عجور
ما اجمل لبنان ! وما اجمل مناطقه! هو وطن الأرز الصامد والشامخ، الأزلي والأبدي، هو صورةٌ منطبعة في الأذهان، وليس من صورة سيئة يمكنها ان تمحو هذه الصورة، فلبنان جنّةٌ عرفها الجميع، لبنان رحمٌ ثقافيٌّ يتّسع لكلّ العرب كما قالت الشاعرة الكويتية سعاد الصبّاح، لبنان يمرض لكنه لا يموت، لبنان نبعٌ الجمال والحبّ، ولا احد يمكنه ان يكره هذا الوطن لومهما ضربته انواء عاتية، فيبقى ويبقى ويستمرّ !
وإن هذا الجمال صنعته تلك المناطق والجبال اللبنانية التي لكلّ منها تاريخ عريق في عالم الثقافة والإبداع، والتي في كلّ منها اماكن تفوق الجمال.
ولأن لبنان بلد الجمال ووطن الأوطان ولأن لا نريد ان نمحو تاريخ مناطقه وضيعه من ذاكرتنا... نستمرّ في هذه السياحة الإلكترونية المتواصلة التي بدأت في بيروت واستمرّت في قرطبا أمّا اليوم رحلتنا الى بسكنتا، ها نحن قد وصلنا الى بسكنتا بعد ان مررنا بطرقات كسروان – كفردبيان – بقعتونا - كفرتيه.
وبعد ان وصلنا اليها الآن نعرّفكم عليها بشكل عام.

بسكنتا هي إحدى القرى اللبنانية من قرى قضاء المتن في محافظة جبل لبنان. إحدى أهمّ البلدات الجبلية في قضاء المتن من حيث الغنى الطبيعي والخصوبة والتنوّع الجغرافي، والمساحة وعدد السكان، والعراقة التاريخية على مدى الأجيال وما خلّفته من آثار، والمستوى العلمي لأبنائها. يتراوح ارتفاعها عن سطح البحر بين 2655م.
عند قمّة صنّين و1000م في أسفل وادي الجماجم، وبينهما 1660م عند قناة باكيش و 1676 م عن نبع صنّين و1400م في وسط البلدة. يفصل بسكنتا عن العاصمة بيروت مسافة 40 كم عبر بكفيّا - بتغرين، ينمو في أحراج جميع أنواع الشجر البري اللبنانيّ الجبليّ باستثناء الأرز الذي قضت عليه فؤوس الفينيقيين ومَنْ خلفهم. أمّا زراعاتها تتنوع بين مختلف المثمرات من تفّاح وإجاص وخوخ وكرز وكرمة وجوز وصنوبر وبعض الزيتون والتين وبين مختلف أنواع الخضار والحبوب.
إنّ البقايا الأثرية المتناثرة على أرضها تؤكّد على أنّها قد عرفت أنشطة بشريّة منذ العصور الحجريّة مروراً بالعهود الكنعانيّة الفينيقيّة حتّى اليوم من دون انقطاع سوى في مرحلة تهجير قصيرة نسبياً قام بها المماليك سنة 1305، فاستمرّت المنطقة خالية من السكّان حتّى الغزو العثمانيّ سنة 1516. أمّا أهمّ مرحلة عرفتها بسكنتا في تاريخها القديم كانت في عصر المقدّمين الموارنة الذين اتّخذوا منها موقعاً أساسياً لسكنهم وتحصيناتهم.
اما سبب تسمية بسكنتا بهذا الإسم فعلى حسب شرح كتاب تاريخ بسكنتا نجد شرحين اثنين. بناءً على التفسير الأول فيعود اسم البلدة إلى اللغة السريانية التي تعني بيت العدل أوبيت القضاء. أمّا التفسير الثاني فيقول أن كلمة بسكنتا هي كلمة سريانية تلفظ على الشكل التالي بيت كينوت وتعني بيت الأبرار.
وعن اجمل الغابات في بسكنتا غابة الصنوبر
هي أعلى حرج صنوبري في الشرق الأوسط حيث يبدأ ارتفاعها عن سطح الأرض بدايةً من ١٢٢٩ متراً وصولاً إلى ١٧٣٢ متراً. يعتبر هذا الحرج من أبرز الدلائل على التنوع البيولوجي حيث يعيش فيه العديد من الحيوانات إضافةً إلى الأشجار المتنوعة التي تملؤه. يستطيع الزوار ممارسة رياضة السير والتجوّل في أرجاء الحرج كما يمكن لمجموعات الكشافة التخييم وقضاء ليلة فيه.
كما ان تمتاز بسكنتا بفن العمارة الأثرية فما زالت حتى يومنا هذا تحتفظ بطابع العمارة الأثري القديم الذي يعكس تاريخها وتراثها العريق. تملأ البلدة البيوت القديمة المتوّجة بالقرميد الأحمر والمزيّنة بالقناطر الجميلة. صنعت هذه البيوت من الحجر وتلوّنت شبابيكها بألوان عديدة أضافت رونقاً خاصاً بهذه البلدة الساحرة.
كما انها تتميز في الأدب حيث أقامت جمعية درب الجبل اللبناني منذ عدّة سنوات مشروع درب الجبل الذي يتمثّل بإنشاء دروب للسير في معظم البلدات اللبنانية لإحياء السياحة الريفية وتعزيزها أكثر فأكثر. الدرب الأدبي في بسكنتا هوأحد هذه الدروب وقد أقيم تكريماً للأدباء والكتاب اللبنانيين الذين ولدوا وترعرعوا في بسكنتا. يبلغ طول الدرب ٢٤ كيلومتراً ويبدأ من محطّة ميخائيل نعيمة مروراً بمغارة سيف الدولة، كنيسة الخلّة ومنزل سليمان الكتاني ونهر الحصن وصولاً إلى مركز عبد الله الثقافي.
نعرّفكم الآن الى مركز عبدالله الثقافي الذي قمنا بذكره اعلاه : هومن أهم المراكز الثقافية اللبنانية التي تم إدراجها في قائمة المتاحف السياحية في لبنان. تم تأسيسه في عام ٢٠١١ وافتتح في ١٤ آب ٢٠١١. يحتوي المركز على مؤلفات الأديب عبد الله غانم ورسوماته.
بالإضافة إلى بعض الأشعار والكتابات لأدباء آخرين مثل ميخائيل نعيمة، رشيد أيوب، أمين معلوف، سليمان كتّاني وجورج وروبير غانم. يتألّف المركز من أربعة طوابق جميعها تحتوي على أشعار ومؤلفات للكتّاب اللبنانيين الذين ذكروا. في المركز تمثال للأديب عبدالله غانم، غرف للاجتماعات الخاصة، قاعة الندوات الثقافية المفتوحة للجميع ومكتبة كبيرة تحتوي على ١٢ ألف كتاب وتجمع بين العلوم والمعرفة والأدب.
تحيط بالمركز حديقة عبد الله غانم التي تم إنشاؤها عن طريق مشروع درب الجبل اللبناني. في فصل الشتاء يفتح المركز من الساعة ١٠ حتى الساعة ٥ في جميع أيام الأسبوع باستثناء نهار الإثنين والخميس أمّا في فصل الصيف فيفتح المركز من الساعة ٩ حتى الساعة ٧ مساءً في كل أيام الأسبوع ما عدا يوم الإثنين.
نكمل رحلتنا لنتكلّم عن ينابيع بلدة بسكنتا

تتواجد فيها العديد من الينابيع التي تسقي من مياهها العذبة جميع بساتين وجنائن بسكنتا. من أبرز هذه الينابيع نبع صنّين الذي يعتبر الأكثر غزارةً في البلدة والذي حظي بشهرة واسعة حيث تغنّى به الكثير من الشعراء والأدباء اللبنانيين. نبع باكيش الذي يعدّ أعلى نبع في لبنان والذي يقع على ارتفاع ١٧٠٠ متراً. بالإضافة إلى نهر الجوزات، نهر جعفر ونهر العاصي التي تلتقي جميعها في وادي الجماجم ومنه تتّجه إلى نهر الكلب.
دينياً، توجد في بلدة بسكنتا العديد من الكنائس الأثرية. التي يبلغ عددها حوالي ١٧ كنيسة ودير. أهم هذه الكنائس هي كنيسة مار يوسف، كنيسة مار ساسين، كنيسة مار روكز وكنيسة مار جريس. تبقى كنيسة السيدة الكنيسة الأقدم في بسكنتا وقضاء المتن أيضاً. بنيت كنيسة السيدة في عام ٦٥٠ ولكنّها تهدّمت في عصر المماليك لذلك قام أبناء بسكنتا بإعادة بنائها في عام ١٧١٢ وقاموا بتجديدها في عام ١٩٠٦ وأطلقوا عليها لقب أم الكنائس في بسكنتا.
اما عن زراعة بسكنتا وبالرغم من وعورة صخورها إلّا أنّ إرادة أبناءها القوية استطاعت التغلب على جغرافية البلدة الصخرية. وقامت بزراعة الكثير من أنواع الفاكهة، الخضار، الحبوب والصنوبر. تشتهر بساتين وأراضي بسْكنتا الزراعية بزراعة أجود أنواع الفاكهة مثل الخوخ والدراق والعنب الذي يتم عصره. وتحويله إلى نبيذ ودبس في معاصر محفورة داخل صخور البلدة. أبرز أنواع الفاكهة التي تزرع في البلدة هي التفاح والكرز التي تنموفي أراضي بسكنتا بكثرة وتجعل منها بلدة فريدة عن غيرها بالزراعة.
وعن مهرجاناتها مثل كل بلدة لبنانية تسعى لتعزيز قطاعها السياحي. تقوم بلدة بسْكنتا بتنظيم مهرجانات صيفية غنائية لإحياء مناسبات وطنية كمهرجان عيد الجيش الذي أقيم منذ عدّة سنوات بحضور فنانين لبنانيين. كما يقام في بسْكنتا مهرجان الشتاء الميلادي على الطراز الأوروبي لإحياء عيد الميلاد المجيد في أرجاء البلدة.
وتشتهر بسكنتا اليوم بانتاج العسل الأبيض والألبان والجبن والقريشة، ولعشاق المنتجات الطبيعية، ننصحكم بزيارة Mymoune وهوعبارة عن مصنع عائلي تم تأسيسه عام 1989 في قرية عين القبو القريبة من بسكنتا يوفر المصنع جولات إرشادية للاطلاع على كيفية تحضير المنتجات المحلية بما في ذلك المربيات والعصائر والمأكولات المحلية الأخرى.
في أعلى قمة في قناة باكيش الواقعة على مقربة من بسكنتا، ينتصب "صليب كل الشعوب". بني الصليب المصنوع من 170 طنًا من الحديد المستورد من فرنسا بالقرب من كنيسة يعود تاريخها إلى عام 1898. يبلغ ارتفاع الصليب أكثر من 70 مترًا، وهويعتبر أكبر صليب مضيئ في العالم. موقع الصليب يطل على مناظر طبيعية خلابة للمنطقة، ويوفر مشهد رائع لغروب الشمس.
اشتهرت بسكنتا قديماً بالنسيج والحياكة وكان فيها نحو400 نول للحياكة و50 مصبغة. وكان في البلدة أيضًا خمسة معامل حرير، خصوصًا وأن البلدة كانت تشتهر بزراعة أشجار التوت كغيرها من البلدات اللبنانية.
ولا تحلو الرحلة دون القيام بأنشطة فعند زيارة بسكنتا يمكنكم القيام بنزهة لطيفة في مرج بسكنتا والإستمتاع بأشجار الصنوبر والهواء النقي ويمكنكم زيارة درب نهر العاصي وإن معظم الدرب غير مشمس، مغطى بالشجر اوبالوادي لتناول طعام الغداء، ننصحكم بمطعم النهر، فالطعام لذيذ وبأسعار معقولة !
وللمزيد من للتعرّف على تاريخ بسكنتا الثقاقي يمكنكم زيارة نصب ميخائيل نعيمة التذكاري والإستمتاع به اذاً، تنتهي الآن رحلتنا في بسكنتا اجمل الضيع اللبنانية، ونأمل ان من تعرّف اليها الكترونياً ان يتعرّف اليها واقعياً، فبسكنتا ترحّب ترحيباً حبيّاً بجميع زائريها، ولجميع القرّاء، استمتعوا، وتغذّوا الثقافة اللبنانية فللبنان تاريخ واسع في الأصعدة كافةً , تاريخ عريقٌ يا حظَّ من غرق بجماله !
وعن وطن الأرز ستظل جبلاً شامخاُ ترنو لك الأرواح، وتتعلّق بك القلوب، وتشخص لك الهمم مهما أثخنتك الجراح يا لبنان
شوسرهن نسماتك الحلوين
وكيف الحكي بيقلب متل نيسان
وبشوف ارزك يا جبل صنين
شاهد على اللي كان وال ما كان











11/25/2023 - 09:44 AM





Comments