بقلم: ألفة السلامي
تعرفت عليه في مرحلة مبكرة من عملي بالصحافة حيث كنت قد قررت خوض تجارب الكتابة للمكاتب العربية التي فتحت أبوابها في القاهرة بعد عودة مصر تدريجيا لحضنها العربي. وكانت الحوارات مع المثقفين المصريين أداة لتأثيث صفحات تلك الصحف والمجلات بمحتوى ثقافي رصين ومتنوع. وكنت مبتهجة بهذه التجربة التي أثثت زادي الشخصي وعمّقت معارفي كما أتاحت لي دخلا إضافيا يسمح لي بالإنفاق على الدورات التدريبية لاكتساب المزيد من المهارات الصحفية مع زحف التكنولوجيا على المهنة، وارتياد دور المسرح والسينما ومختلف الأنشطة الثقافية.
وكنتُ ذات يوم بصدد إجراء حوار صحفي في الأهرام مع المفكر الدكتور غالي شكري عندما ذكر اسم عبده جبير الذي كلّفه بإدارة مجلة القاهرة لإحداث فرق في المحتوى الثقافي كواحدة من أهم إصدارات الصحافة الثقافية العربية في ذلك الوقت.
كثرت بعد ذلك لقاءاتي بالكاتب والروائي عبده جبير، بعضها بعد ترتيب من أجل إجراء حوار معه وبعضها بالصدفة خلال تجمعات المثقفين والكتاب. أذكر أني ذهبت للأبنودي في بيته بالمهندسين بشارع متفرع من أحمد عرابي وكنت بصدد ترتيب مشروع فيلم تسجيلي عن السيرة الهلالية. وجدتُ عنده عبده جبير فحكى لي الأبنودي مشروع صديقه "القناوي" في قرية تونس بالفيوم. ولم يتحدث عبده جبير كثيرا عن مشروعه فهو هادئ رقيق منصت جيدا، خاصة إذا كان في حضرة الأبنودي الذي عندما يتحدث يأسر الجميع بسحر كلماته.
استغرقتني القصة ومسكت بتلابيب نفسي فذهبت عدة مرات مع أسرتي ومع أصدقائي وأسرهم إلى قرية تونس ونزلت في زاد الرمال الذي أنشأه عبده جبير هناك ليقطع عزلته بزرقة بحيرة قارون. هو أكثر من فندق أو مكان للسياحة صديق للبيئة، بل كان مشروعا ثقافيا بثه من روحه الكثير فتشعر فيه بالألفة والبهجة وسط الموسيقى والشعر والمناقشات والديكور الريفي والحلم الذي يشبهنا. ولا يخلو زاد الرمال من المثقفين من كافة المشارب. وبالقرب منه أسست السويسرية ايفلين بوريه مع زوجها السابق الشاعر سيد حجاب وأقامت فيه مدرسة صناعة الخزف لتعلم أطفال القرية معانقة أحلامهم منذ الصغر. كما يجاورهما الفنان التشكيلي إبراهيم عبلة وصانعة الفخار راوية عبد القادر وغيرهم الكثير من الفنانين. واستمتعت بالجو الفني الرائع وبحكايات عبده جبير هذا الصعيدي المبدع والإنسان الراقي والدافئ، ابن جيل السبعينات الذي لم يأخذ حقه في التقدير والشهرة. كما كانت الفرصة مواتية لقراءة أعماله ما بين القصة القصيرة والرواية، منها "فارس على حصان من خشب" و"تحريك القلب" و"سبيل الشخص" و"الوداع تاج من العشب" و"مواعيد الذهاب إلى آخر الزمان". ولعل الكتاب الأخير تحديدا نموذج للتجديد في فن الرواية في أبهى أشكال نضجه، حيث تجمع بين السيرة والرواية وتحكي أيام "المنفى" التي قضاها الكاتب في الكويت.

الراحل عبده جبير
ومن أجمل القصص التي سمعتها منه وانتظرت أن أجدها في إحدى شخصياته وكانت عن الفترة التي قضاها في بيروت وقت الحرب عندما كان لبنان وطنا له وللكثير من المثقفين الذين تركوا مصر أيام الرئيس أنور السادات. كان يسكن شقة "جماعية" حيث لم يكن يملك رفاهية السكن بمفرده ولم يكن يعرف إلا القليل عن بقية سكان الشقة وكان يطلق عليها الشقة المحتلة، وأغرب شخصية فيها هي شخصية الدكتور الذي كان أقرب إلى ممثل محترف يتقمص تارة دور الطبيب العائد من أسبانيا - على ما أذكر - وشخصية الفدائي العائد من ساحة المعارك تارة أخرى ليكتشف عبده جبير في النهاية أنه يعيش في مخيم شاتيلا ولم يغادره إلا في خياله. ويضحك متندّرا بهذا الدكتور والفدائي الذي فاقه في صناعة القصة!
ولعل ما يتميز به عبده جبير عن غيره من الكتاب تنوع تجاربه داخل عدة مدارس في الصحافة العربية مما أعطى طعما مختلفا لعبارته وجملته وفكرته وسماواته المنفتحة؛ عمل في جريدة السفير في بيروت، والقبس في الكويت حيث كان مديرا تحريرا لها، إضافة لمجلة الفنون الكويتية. كما ساهم مع الكاتب سيف الرحبي في تأسيس مجلة نزوى في سلطنة عمان، هذا طبعا إلى جانب عمله مبكرا في مجلة المصور وإبداع. وحكى لي عبده جبير عن مجلة إبداع بالتحديد وفرحته بصدورها حيث كانت لها رمزيتها المتمثلة في عودة مصر إلى حضنها العربي مع عودة العديد من المثقفين إلى الكتابة وكأنها انتصار بعد أن منعوا أيان حكم السادات ودخل أغلبهم السجن في عهده، ومنهم عبده جبير.
وكان الفضل في عودة مجلة إبداع عام 1983 إلى عبد القادر القط شيخ النقاد مع الكاتب القصاص سليمان فياض والناقد سامي خشبة. مجلة إبداع أعادت الروح لمصر وسط قامات أخرى شامخة عرفت بعضهم من خلال عبده جبير، وأمكن لي وأنا شابة حالمة الفوز بإجراء حوارات معهم مثل إدوارد الخراط وخيري شلبي والدكتور صبري حافظ وأبو العلا السلاموني وغيرهم، وكنت أتطلّعُ إلى كل واحد منهم وكأنه نخلة باسقة محملة بالبلح البرحي المتلألئ في عراجينه كما يتلألأ الذهب في قرص الشمس. رحم الله عبده جبير!











11/22/2023 - 14:05 PM





Comments