حرب غزة عززت مكانة السعودية وقيادتها المطلقة للعالم الإسلامي دون منازع

11/19/2023 - 10:05 AM

Prestige Jewelry

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

أرادت تركيا عبر محور تيار الإخوان، وإيران عبر محور تيار الممانعة والمقاومة، منازعة السعودية على زعامة العالم الإسلامي ما جعل البلدان يتجهان إلى إقامة قمة إسلامية مصغرة في كوالالمبور عاصمة ماليزيا في 18 ديسمبر 2019، اعتذرت باكستان وإندونيسيا عن الحضور، بالطبع قررت السعودية الغياب عنها بعدما دعيت إلى هذه القمة المصغرة، لأنها شعرت أن القمة مثلت محاولة لإيجاد قيادة جديدة للعالم الإسلامي، وطالبت أن تعقد القمة تحت رعاية منظمة التعاون الإسلامي لتوحيد كلمة المسلمين.

نتيجة موقف تركيا تجاه السعودية عانت تركيا مع أسوأ أزمة اقتصادية شهدتها منذ عقدين، بلغ معدل التضخم 61 في المائة، كذلك تراجعت قيمة العملة في أبريل 2022 بنسبة 44 في المائة مقابل الدولار، فسعت إلى توطيد العلاقة مع السعودية ومع بقية دول الخليج والتعاون معهم كشركاء وحلفاء والتخلي عن تلك الطموحات التي أضرت بتركيا.

أيضا انهار الاقتصاد الإيراني نتيجة العقوبات الأمريكية من 490 مليار دولار عام 2016 إلى 190 مليار دولار في 2020 وقد كان تتداول العملة الإيرانية زمن الثورة الخمينية 1979 عند 100 ريال للدولار وصلت عند 600 ألف ريال للدولار ومعدل التضخم بلغ 54 في المائة، رغم أن إيران بمثابة قوة إقليمية لكنها على طرفي نقيض مع السعودية في معظم الملفات الإقليمية، لكن التقارب بين السعودية وإيران برعاية بكين في مارس 2023 انعكست خطوة التقارب بين البلدين على تغيرات إقليمية على مختلف الصعد وأضاعت على أمريكا ورقة كانت تلعب بها للضغط على السعودية من أجل تقليص تحالفها مع الصين ووقف التحالف مع روسيا في ملف النفط.

بعد حرب غزة قادت السعودية قمة عربية إسلامية بحضور الرئيسين التركي والإيراني وقادتها دون منازع، وشكلت جبهة دبلوماسية لتوليد ضغوط دبلوماسية من الدول العربية والإسلامية بقيادة سعودية، خصوصا بعدما ظهر صدام خلال زيارة بلينكن وزير خارجية أمريكا للمنطقة، وكذلك توقف وزير خارجية بريطانيا جيمس كليفرلي وبشكل خاص عندما أوضح وزير خارجية بريطانيا ان مطالبة القمة بوقف فوري للنار مفهوم، لكن الغرب يرى أيضا أن إسرائيل تتخذ إجراءات لضمان استقرارها وأمنها، ويطالب العرب بإدانة حماس لكنهم يرفضون ويعتبرون الاحتلال واستفزاز المستوطنين للفلسطينيين في القدس هو السبب وتأخر العالم في إعطاء الفلسطينيين حقوقهم، وبالطبع بدأ العالم يود أن يرى حلا لهذا الوضع الرهيب بأسرع وقت.

السعودية المحدد للمسار الكبير بعد حرب غزة، فهي ليست بالضرورة ضد حماس بل هي ضد الانقسام الفلسطيني، وضد ارتمائها في أحضان إيران، وتحالفها مع الحوثي ضد السعودية، فإسرائيل لم تكن تود التطبيع مع السعودية، وأقنع بلينكن وزير خارجية أمريكا إسرائيل أن السعودية لن تقبل بتطبيع بلا ثمن على غرار الإمارات والبحرين، بل كان مجرد تطبيع تكتيكي ومناورة من أجل تطمين إسرائيل أن العرب يسعون للسلام، أيضا كان مناورة منها تجاه إسرائيل من أجل بناء إقليم شرق أوسطي جديد.

 لذلك السعودية تناور الصين وروسيا والولايات المتحدة من أجل إقامة شراكات متعددة يصب في مصلحتها وفي مصلحة إقليم الشرق الأوسط، لأنها أيضا تناور من أجل أن تصبح سوقا كبيرة السوق ال10 على مستوى العالم، وقوة نووية لأنها تقع بين قوتين نوويتين إيران في الشرق وإسرائيل في الغرب، وهي تملك إمكانيات وتملك حلفاء دوليين يحققون لها هذا الهدف.

 هي ذاهبة إلى أبعد من ذلك فهي تسعى بالشراكة مع حلفاءها العرب خصوصا مصر والأردن لوقف الحرب في غزة وإدارة هذه الأزمة وما بعد وقف الحرب، خصوصا وأن حماس أصبحت اليوم متناغمة مع السلطة الفلسطينية، وتقبل قيام دولة فلسطينية خصوصا بعد تخلي إيران وحزب الله عنها، وأصبحت تدير المعركة مع إسرائيل بمفردها وليس أمامها سوى العرب وعلى رأسهم السعودية، رغم أن السعودية اتخذت طريقا للتعاون مع إيران والعمل معها لوقف الحرب في غزة، ولن تقبل السعودية التهجير بل وبشدة إلى الأردن ومصر، ما يعني عودة القضية الفلسطينية إلى بداياتها وتتحول سيناء إلى منطقة توتر جديد.

يبدو أن خطى تطبيع السعودية مع إسرائيل وما تردد عن تعاون أمني وثيق مع واشنطن ودعمها لبرنامجها النووي مقابل التطبيع أثار مخاوف الفلسطينيين ولا سيما حماس من أنه سيتم تجاهل قضيتهم في التحالفات الأمنية الجديدة، وتدرك حماس أن إيران تستثمرهم لصالح مشروعها ولن تدافع عن قضيتهم، وهذا ما أكدته أحداث غزة، لكن شعب غزة دفع الثمن غاليا.

 تكون حماس قد أخطأت التقدير عندما استمعت إلى نتنياهو يتغزل بإبرام اتفاق سلام تاريخي مع السعودية سيكون ذا أهمية كبيرة لبلاده نظرا للثقل السياسي والاقتصادي للسعودية، فضلا عن أهميتها الرمزية في العالمين العربي والإسلامي، وأن هذا الاتفاق سيشكل بالنسبة لبايدن رئيس أمريكا فرصة إلى إعادة ترشيحه لفترة رئاسية ثانية فإن الاتفاق سيشكل مكسبا دبلوماسيا.

رغم أن السعودية دحضت الشكوك في أن ستولي التطبيع أولوية على حساب حقوق الفلسطينيين، ولن تخرج التطورات الأخيرة في غزة مفاوضات التطبيع عن مسارها لكن العملية أمامها طريق طويل ولن تكون بنفس الوتيرة السابقة لأن ما قامت به إسرائيل من قتل وإبادة جماعية وستكون مطالب السعودية لإسرائيل حاسمة بتنازلات للفلسطينيين وستكون أكثر تعقيدا لأن السلام يتطلب تحقيق سلام عادل وشامل والتعامل المباشر وبجدية مع جذور القضية الفلسطينية.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا

 [email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment