عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
منذ أن قسمت بريطانيا وفرنسا تركة الدولة العثمانية وفق سايكس بيكو 1916، لم تنسى أن تضع قاعدة متقدمة لها في قلب المنطقة العربية بمثابة حرب صليبية 14 اعتمادا على نصوص دينية لم تكن فلسطين في أفكار هرتزل مؤسس الجبهة الصهيونية لكن بريطانيا تعهدت له بدعم إسرائيل مدى الحياة.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تم تقسيم النفوذ العالمي بين الدول العظمى في يالطا عام 1945 مثل روسيا ستالين ومثل بريطانيا تشرشل ومثل الولايات المتحدة روزفلت إلى أن انهار الاتحاد السوفيتي في 1989 وأصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى بلا منازع.
كانت تعتبر روسيا أوكرانيا قاعدة لها فعندما نصب الغرب رئيسا تابعا للغرب في انقلاب عسكري أعقب فيكتور يانوكوفيتش التابع لروسيا فورا اتجه بوتين الذي يود استعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي واحتل شبه جزيرة القرم في 2014 والقيام بحرب في أوكرانيا في 2022 عندما رفضت الولايات المتحدة إعطاء روسيا ضمانة بعدم انضمام أوكرانيا للناتو، كذلك ترى الصين أن تايوان جزء منها لكن نانسي بلوسي زعيمة الحزب الديمقراطي قامت بزيارة لتايوان في 2 أغسطس 2022 ضمن جولة في شرق آسيا، وجلبت للبيت الأبيض صداعا جيوسياسيا خطيرا مما أدى إلى زيادة التوترات، وكأن الولايات المتحدة تراجعت عن تعهداتها بالصين الواحدة.
أرادت الصين أن يكون لها نصيب الكبار، لكن كانت السعودية تتابع المشهد بين الكبار بدقة، وكان التنافس الإيراني السعودي قطبا مهما في حتمية الاستراتيجية الأمريكية، نجحت السعودية في قلب طاولة الاستراتيجية الأمريكية الحتمية بعدما غيرت من تلك الاستراتيجية عندما أبرمت اتفاق صلح مع إيران برعاية بكين، فأصبحت أمريكا في عزلة، وبدأ تواجد أمريكا في المنطقة يتآكل، لكنها لم تتوقف، ومن السابق لأوانه التكهن بتحطم الاستراتيجية الأمريكية، وهي تريد شرق أوسط مستقر ومؤيد لأمريكا.
معركة غزة ليست فقط بين العرب وإسرائيل بل هي صراع بين الغرب والشرق، أي يود الشرق أن تكون إيران كما إسرائيل كل منهما يدمر الآخر لمشاغبة أمريكا أن يعطي الشرق الضوء الأخضر لإيران كما تعطي أمريكا الضوء الأخضر لإسرائيل لإجبار أمريكا على تقاسم النفوذ فلسطين لأمريكا وتايوان للصين وأوكرانيا لروسيا.
تداعيات الحرب في غزة ليست فقط دينية بل وسياسية واقتصادية، فالدائرة هذه المرة على غاز غزة، فبحرها غني بالغاز، فيصبح صيدا ثمينا تود إسرائيل الاستيلاء عليه، فأعطت إسرائيل موافقتها على تطوير حقول غزة لكن لم تقبل حماس بالاتفاق لأن إسرائيل تود سرقة الغاز بحكم الأمر الواقع، فزار إسماعيل هنية روسيا وتركيا وقطر ومصر.
بالطبع تركيا متعطشة لهذا الغاز من أجل تصديره إلى أوروبا المتعطشة هي الأخرى إلى هذا الغاز حيث يعتبر حقل غاز تيمار أحد أهم حقول غزة وقد تم اكتشافه عام 2009 ويمتلك نحو 800 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي وهناك حقول عديدة، ما جعل حماس تضع العمل العسكري على الطاولة يراها البعض حرب من أجل الغاز ليس هذا فحسب بل لدى إسرائيل خطة لإقامة قناة مائية تنافس قناة السويس، لهذا هي تحرص على تهجير سكان غزة نحو سيناء مستثمرة هذه الحرب لأهداف اقتصادية، لكن هي الأخرى مصر لن تقبل بمثل هذه المشاريع التي تهدد أمنها الاقتصادي، لذلك ستجد حماس دعما من مصر رغم أنها تتبع تيار الإخوان المسلمين لكن المصالح تتغلب على الانتماءات وبشكل خاص حماس التي بحاجة إلى دعم لأنها أدركت أن إيران وأذرعها لها مصالح مع الغرب بل عن أمريكا أحضرت بوارجها لتهديد إيران وأذرعها إن وسعت الحرب بجانب افراج الولايات المتحدة لإيران عن 6 مليارات دولار ثم أفرجت عن 10 مليارات دولار، وايران بالنسبة للولايات المتحدة أيضا ورقة رابحة إذ ارتفع تصديرها للبترول من 600 ألف برميل بسبب عقوبات ترمب المتشددة عليها إلى 3.5 مليون برميل في عهد بايدن بعدم اخفف العقوبات على إيران، أي أنها تصبح دولة وازنة لخفض أسعار النفط بعدما ترفض السعودية رفع إنتاج النفط بالتعاون بين دول أوبك وروسيا وبقية الدول الأخرى.
انزعجت السعودية ومصر من تعامل الغرب الكيل بمكيالين بين حرب أوكرانيا وحرب غزة وكأن الدم العربي رخيص، فدعت السعودية إلى قمة عربية إسلامية استثنائية خصوصا بعدما فشل مجلس الأمن في استصدار قرار وقف إطلاق النار في غزة بعد 4 قرارات قدمت، لكن عرضت الدول العربية قرار وقف إطلاق النار على الهيئة العامة للأمم المتحدة وصوت على القرار أغلبية بـ 120 صوتا رغم انه قرار غير ملزم، لكنه يمثل الرأي العام العالمي.
فبذلت السعودية جهدا بما يتوافق مع المعطيات الإقليمية والدولية ومكانتها ونصف قادة العالم تقريبا تواجدوا في الرياض ولأول مرة تحضر إيران القمة في الرياض منذ 2012 فتم توحيد صفوف العالمين العربي والإسلامي، وأعلن سمو ولي العهد خلال رئاسته القمة نيابة عن الزعماء بقوله نحن أمام كارثة إنسانية تشهد على فشل مجلس الأمن والمجتمع الدولي، وكأنه أراد بالخروج بقرارات توازي قرارات مجلس الأمن لأن مصالح الغرب مرتبطة بمصالح هذه الدول ولا يمكن أن تتنازل عن هذه المصالح، وبالفعل أجبرت الجميع على التراجع وإعادة الحسابات وهو ما جرى أميركيا وأوروبيا على وجه التحديد، وأرسلت إسرائيل وفدا رفيع المستوى إلى مصر من أجل تبادل الأسرى المدنيين مقابل إدخال المحروقات، وسيصل مندوبا أميركيا رفيع المستوى للمشاركة هناك تغير في الأداء الأمريكي وترك الحكم لأهل غزة في شكل الحكم بعد وقف هذه الحرب.
فخرج البيان الختامي بإلزام الجميع بالاعتراف بحل الدولتين، ووقف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، ودعوة أعضاء الجامعة العربية والمنظمة لاتخاذ إجراءات رادعة لوقف جرائم الاحتلال، ورفض تبرير عدوان الاحتلال على غزة تحت أي ذريعة، والطلب من المحكمة الجنائية استكمال التحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية، وطالبت القمة بكسر الحصار على غزة وفرض إدخال قوافل مساعدات عربية وإسلامية ودولية، ومطالبة إسرائيل بوقف جرائمها ومجازرها الوحشية فورا، ورفض توصيف الحرب الإنتقامية دفاعا عن النفس، ومطالبة مجلس الأمن بقرار يفرض وقف العدوان وكبح جماح سلطة الاحتلال، واعتبار تهجير 1.5 مليون مواطن من شمال غزة إلى جنوبه جريمة حرب، مع إنشاء وحدتي رصد لتوثيق الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر، وإنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية شرط السلام وإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، أي أن التطبيع مع هذه الجرائم غير مقبول، فتلك قرارات صادرة عن قوة دولية، ولن يستطيع المجتمع الدولي الوقوف أمام الحراك العربي الإسلامي.
أتت هذه القمة بعد مرحلة أمريكا فيها مرتبكة ومقدمة على انتخابات، وهناك لوبيات ضاغطة على الإدارة الأمريكية التي هي جزء من الالتزام الأمريكي لحماية إسرائيل، لكن هذه الحماية الصرفة دون النظر إلى القيم والحقوق الإنسانية لم يعد مقبولا، ولم يعد مقبولا استخدام وزير خارجية أمريكا بلينكن الخداع الدبلوماسي، أي أن القمة بقيادة السعودية وضعت أمريكا في وضع صعب، خصوصا بعدما نجحت القمة بقيادة السعودية باستعادة القضية الفلسطينية من المحاور والمصالح والمتاجرة بها وتم وضعها على خارطة السلام المشروط في الشرق الأوسط، ولم تعترف السعودية القائد لهذه القمة المزدوجة بسيطرة المزايدات داخل القمة كقطع البترول باعتباره سلعة وأمريكا تنتج أكثر من السعودية فلم يعد البترول سلاحا.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا











11/12/2023 - 09:18 AM





Comments