بقلم: ألفة السلامي
من الملفت خلال متابعة التغطيات الإعلامية للحرب على غزة وجود عدد كبير من الصحفيين والمراسلين الهنود، منهم 9 مراسلين لقنوات تلفزيونية يقومون بتغطيات يومية من جانب واحد، وهو الجانب الإسرائيلي. وبفحص محتوى المراسلات ومنشورات المراسلين على وسائل التواصل الاجتماعي اتضح أن أغلب ما يشترك فيه معظمهم المساندة العلنية للكيان الإسرائيلي، وتعجُّ حساباتهم بصور مع مسؤولين من دولة الاحتلال وجنود عند خط المواجهة، ومقاطع فيديو مع مستوطنين في حالة تأثر أو محاولة اختباء.
ومن الملفت أيضا أن قراصنة هنودا كانوا وراء هجمات إليكترونية ضد مواقع فلسطينية، كما أوضح فرنسوا ديروتي، مدير المعلومات بشركة سيكويا للأمن السبراني، في تقرير لإحدى وكالات الأنباء. وقد تعرض مزود الانترنت الفلسطيني في قطاع غزة "ألفا نت" لهجوم شنته المجموعة الهندية "إنديان سايبر فورس".
وهذا يدعو للتساؤل حول دوافع شركات هندية للتورط في هجمات قرصنة إليكترونية ضد مواقع فلسطينية، وأسباب الانحياز من المؤسسات الإعلامية الهندية للطرف الإسرائيلي وتبني رواية جيشه رغم الكارثة التي يعيشها أهل غزة؛ ثم ماهي المصالح التي قد تبرر قلب الحقائق وتبادل الأدوار بين الجلاد والضحايا؟
يمثل المراسلون الهنود مؤسسات إعلامية معروفة بموالاتها للحزب الحاكم مثل شبكة تايمز الهندية وإنديا تو داي، وشبكة تلفزيون نيودلهي، وشبكة التلفزيون التاسع وغيرها. وتتبع كل شبكة من هذه الشبكات العشرات من وسائل الإعلام المختلفة، ومنها المنصات والمواقع. كما تحظى بملايين المشاهدة والمتابعة ويعمل بها آلاف الموظفين وتحظى بتمويل من شركات معلنة يصل إلى مليارات الدولارات سنويا، حسب المعلومات المتوفرة على مواقعها.
ومع اختلاف وسائل الإعلام التي أرسلت مراسليها لتغطية الحرب على غزة فإنّها محسوبة على مجموعة "غودي ميديا"، وهو تعبير شائع ابتكره الصحفي رافيش كومار بعد أن استقال من قناة NDTV الهندية، في أعقاب استحواذ مجموعة مقربة من النظام على نسبة 30 في المئة منها. ويشير تعبير "غودي ميديا" إلى القنوات التابعة لحزب بهاراتيا جاناتا الحاكم، التي تعمل كذراع علاقات عامة لرئيس الوزراء.
وإذا استحضرنا تصريحات رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وتعبيره عن تضامنه مع الكيان الإسرائيلي يظهر التطابق بين موقفه وما ينقله المراسلون الهنود من تغطيات. كان مودي قد نشر في العاشر من أكتوبر الماضي تغريدة شكر فيها بنيامين نتنياهو على مكالمته الهاتفية، وقال إنّ "شعب الهند يقف بقوة مع إسرائيل في هذه اللحظة الصعبة وتدين الهند بقوة الإرهاب بجميع أشكاله". وقد تحفظّت الهند خلال تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخير على مشروع القرار العربي الذي يطالب بـ "هدنة إنسانية فورية" في قطاع غزة.
هذا الموقف الهندي الرسمي يعززه وجود 18 ألف هندي يعملون في دولة الاحتلال، معظمهم مهندسون، وفنيون في تكنولوجيا المعلومات، وممرضون، وتجار الأحجار الكريمة والماس، وطلاب. كما يوجد 85 ألف يهودي يعيشون في المستوطنات من أصول هندية.
وأصبحت الهند ثالث أكبر شريك تجاري آسيوي مع دولة الاحتلال منذ 2014، وهو تاريخ بداية حكم رئيس الوزراء ناريندا مودي، حيث بلغت قيمة التجارة البينية العام الماضي، باستثناء المبيعات العسكرية، 5.5 مليار دولار بزيادة نسبتها 77 في المائة للهند و9 في المائة لإسرائيل. وقد واكب هذه القفزة في العلاقات زيارة "مودي" للكيان المحتل في 2017 وهي الأولى من نوعها لرئيس وزراء هندي إلى إسرائيل.
وتم توقيع العديد من الاتفاقيات في الصناعات الطبية والدوائية وبحوث الفضاء وتكنولوجيا المعلومات والأمن السبراني، ونقل التكنلوجيا المائية وأنظمة تنقية المياه إلى الهند التي تعاني أزمة حادة في نقص المياه. وتم بالفعل تنفيذ عشرات المحطات لتنقية المياه بتكنولوجيا إسرائيلية، مع إنشاء مشروعات زراعية في عدة ولايات هندية. وعلى المستوى العسكري، أصبحت الهند الوجهة الأولى لصادرات الأسلحة الإسرائيلية، والتي بلغت 247 مليون دولار عام 2022.
هذا التطور في العلاقات سبقته عقود من القطيعة والعلاقات الباردة، حيث كانت الهند تاريخيًّا من أكبر المناصرين للقضية الفلسطينية، كما ارتبطت بمصالح وثيقة مع العالم العربي والمعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي. وكان رئيس الحكومة الهندية آنذاك جواهر آل نهرو معروف بمعاداته لدولة الاحتلال الاسرائيلي.
وتغيرت هذه المواقف الهندية بدءا من 1991 تجاه دولة الاحتلال بالتزامن مع محادثات مدريد للسلام. وجاء إطلاق صاروخ هندي في يناير 2008 يحمل قمر التجسس الإسرائيلي المتطور (تيكسار) تدشينا لمرحلة جديدة من التعاون الاستخباراتي؛ تلاه تعاون في الطب والزراعة والري والمواصلات والطاقة البديلة وتكنلوجيا المعلومات، استفادت منه بشكل كبير الشركات الخاصة، بحسب ما تكشف عنه يوميا بيانات غرفة التجارة الهندية.
وفي غياب المتابعة العربية المطلوبة، يواصل الكيان الاسرائيلي تطوير علاقاته مع الدول ذات الثقل الإقليمي والعالمي، مثل الهند، لمنعها من دعم القضايا العربية ومنها القضية الفلسطينية، مستغلا الحرب على الإرهاب ومكافحة الأصولية والتي يجد فيها الحزب الهندوسي الحاكم نقاطا مشتركة حيث أن عدوه الأول هي باكستان الدولة الإسلامية التي تمتلك القوة النووية. وهو ما يضمن أيضا تعزيز مبيعات الأسلحة الإسرائيلية للسوق الهندية، حتى أن الكاتب البريطاني روبرت فيسك كتب في أحد مقالاته إن "إسرائيل أصبحت جزءاً من تحالف غير معلن مع الهند في مواجهة باكستان". وأرجع ذلك خاصة للمكاسب المتحققة من مبيعات السلاح للهند.











11/06/2023 - 14:17 PM





Comments