قمة البريكس طموحات وإنجازات .. وتحجّر الفلسفة السياسية الغربية

08/31/2023 - 10:45 AM

Bt adv

 

 

 

           

م. ميشيل كلاغاصي

على مدى اليومين الماضيين اتجهت كافة الأنظار نحو قمة مجموعة البريكس الخامسة عشر، التي استضافتها ‏جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا، وعلى الرغم من وضوح كلمات القادة والمشاركين، حول الطموحات والأهداف ‏والاّليات السلمية الساعية لتدعيم استقرار العالم، إلاّ أنها وُضعت على مشرحة وسائل الإعلام الغربية، التي حاولت ‏إفشالها قبل أن تبدأ وأثنائها، والتشكيك في نواياها وأهدافها، والإسترسال في استعراض أهدافها "الخفية"، التي ‏تصب بحسب سردياتهم، في خانة المواجهة والعداء الجيوسياسي للولايات المتحدة وليس من أجل منافستها ‏إقتصادياً وسياسياً، عبر أداءٍ إعلامي ممنهج يُثبت عجز الغرب ورفضه قبول الاّخرين، واحترام حقوقهم في التقدم ‏والإزدهار، وسعيهم لضمان السلم والسلام الدوليين في عالمٍ يكون أكثر عدلاً وإنصافاً ومرونةً، وغير خاضع ‏للهيمنة الغربية بالقيادة الأمريكية‎.

وعلى الرغم من إزدحام ملفات القمة، إلاّ أن ملف الحرب الأوكرانية كان حاضراً بقوة، كنتيجة طبيعية لتأثيرات ‏وتداعيات الحرب الأوكرانية على الدول المشاركة في القمة والدول الغربية وكافة دول العالم على حدٍ سواء، بفضل ‏حزم العقوبات الغربية المتتالية والمستمرة على روسيا، والتي أفضت من حيث النتيجة إلى نتائج لم يتوقعها الغرب، ‏وانعكست نمواً على إقتصاد الدولة الروسية، وتوسعاً في نطاق تجارتها وعلاقاتها الدولية، وبدفع تحولها أكثر ‏فأكثر نحو اّسيا وأفريقيا على حساب أوروبا، فحاجة الدول للطاقة والأسمدة والحبوب وغير مواد ، هي أساس ‏سعيها لتحقيق التنمية وتطوير إنتاجها الزراعي والصناعي، وليس لضمان النفوذ الأمريكي هنا وهناك، وسط ‏ترحيب روسيا والصين بتوسيع إنضمام الدول لهذه المجموعة، والمساهمة في زيادة وربط وتشبيك قدرات الدول ‏الطامحة لتغيير النظام العالمي الأحادي، وتقليم أظافر الهيمنة الأمريكية رويداً رويداً‎.

وفي سياق دحض الأكاذيب الغربية حول التشكيك بأهداف ونيات دول مجموعة البريكس السلمية، أعرب الرئيس ‏بوتين عن "امتنانه" لدول البريكس ولجهودها في حل للأزمة في أوكرانيا، بغية "التوصل إلى تسوية سلمية ‏للصراع الدولي على الأراضي الأوكرانية"، وأوضح أن دول البريكس تعارض أي نوع من الهيمنة وسياسة ‏الإستعمار الجديد، وأكد الإتفاق على "تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب العادل والمستند إلى القانون الدولي، ‏واحترام المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة، وسيادة الدول واحترام حقوق شعوبها‎".

بات من المعروف أن الولايات المتحدة هي من ترفض الحلول والمفاوضات لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وبحسب ‏وسائل الإعلام ونقلاً عن المستشار السابق لرئيس البنتاغون العقيد دوغلاس ماكغريغور قوله:"فشلنا في كل ما ‏أردنا تحقيقه في أوكرانيا نحتاج إلى وقف القتال والتوصل إلى اتفاق قد لا نحبه، وإذا استمرت واشنطن في رفض ‏مفاوضات السلام فقد يصل الجيش الروسي إلى غرب أوكرانيا على حدود الناتو ويسيطر على أوكرانيا بأكملها"، ‏في حين وصف الرئيس بوتين أن انتهاء الحرب في أوكرانيا بأنه "هدفٌ روسي"، واتهم الغرب وأتباعه بإطلاق ‏الحرب في أوكرانيا على الأهالي في دونباس، الذين رفضوا الإنقلاب الذي خططت له ودعمته الولايات المتحدة ‏والدول الغربية للحفاظ على هيمنتها حول العالم‎.

مما لاشك فيه أن قمة البريكس رفعت الفيتو في وجه الدولار، ووجهت صفعة جديدة للعملة الأمريكية الأكثر ‏استعمالاً في المبادلات التجارية عالمياً، من خلال الإتفّاق المبدئي على إستبدال الدولار بالعملات المحليّة في ‏المعاملات بين أعضاء المجموعة، في وقتٍ تروج فيه وسائل الإعلام الغربية، إلى سعي بكين لتحويل مجموعة ‏البريكس إلى منافس جيوسياسي لمجموعة السبع، خصوصاً وأنها تفوقت عليها بشكلٍ فعلي، بدلالة كافة المؤشرات ‏الإقتصادية لعام 2020، حيث سجلت مساهمات دول المجموعة في الإقتصاد العالمي ما يعادل مساهمة دول ‏مجموعة السبع، وملاحظة ما يمكن توقعه من زيادة محتملة نتيجة إزدياد عدد دول البريكس المنضمة حديثاً ، وتلك ‏التي أعلنت رغبتها في الانضمام إلى المجموعة‎.

لقد قدمت نفسها مجموعة البريكس، كداعم قوي وفعلي وضامن لتطوير البنى التحية والطرق ومشاريع التنمية ، ‏عبر تقديم بنك التنمية الجديد، الذي قدم أكثر من 50 مليار دولار ومول حوالي 96 مشروعاً تجاوزت قيمتها 33 ‏مليار دولار، كما قدم للدول كل ما تحتاجه ضمن إطار السيولة المفقودة خصوصاً في "الأوقات الحرجة"، الأمر ‏الذي أثار حفيظة وقلق الرئيس بايدن، الذي سارع للمطالبة بإصلاحاتٍ جوهرية خلال قمة مجموعة الـ 20 القادمة ‏في سبتمبر/أيلول القادم، وبتعديل نظام البنك وصندوق النقد الدوليين، والتحرك الفوري لدعم الدول في مسألة ميزان ‏المدفوعات والسيولة الدولارية في الأوقات الحرجة‎.

ومع انتهاء القمة يوم الخميس 24/اّب/اغسطس، بدا واضحاً أن سقف طموحات قمة البريكس ومستقبلها، جاء أعلى ‏مما توقعه فريق الولايات المتحدة والدول الغربية، بالتوازي مع توسع المجموعة وإنضمام عدة دول نفطية، كإيران ‏والإمارات والسعودية بحضورها السياسي والإقتصادي، كذلك مع إنضمام الجزائر لاحقاً وبما تمثله من بعدٍ على ‏مستوى الطاقة والغاز في ظل الحرب والعقوبات على روسيا، وعليه فإنه مع انضمام هذه الدول ستحظى دول ‏المجموعة بكاملها برافعةٍ أساسية بالمعنى الإقتصادي – السياسي – المالي ، خصوصاً مع حصول الإنسجام ‏والتوافق بين تلك الدول حول القضايا الدولية الدقيقة والهامة‎.

كما لوحظ من خلال المناقشات، ونتيجةً لتباين الاّراء حول تحديد معايير الإنضمام، فقد طفت على السطح بعض ‏التناقضات بين الهند والصين حول اّلية وشروط قبول الأعضاء الجدد في المجموعة، والتي توزعت ما بين ‏ضرورة حفاظها على حيادها السياسي ودفاعها عن مصالحها الإقتصادية، أو بكونها دول حاضرة ومستعدة لقبول ‏التحول السياسي إلى قوة سياسية لمواجهة الولايات المتحدة‎.

في وقتٍ أكد فيه رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا أن بلاده تدعم توسيع المجموعة، لكن يبقى من الضروري ‏أن يتجه سعي دول البريكس أولاً نحو تعزيز علاقاتها مع الدول التي تم قبول إنضمامها اليوم، وتلك التي تخطط ‏للإنضمام لاحقاً، بإعتبار أن الرغبة بالإنضمام تنبع من المطالبة بنظام أكثر إنصافاً للعلاقات الدولية، والإجماع ‏على "معارضة النظام أحادي القطب‎".

على الرغم من استياء واشنطن وقلقها من تنامي قدرات مجموعة البريكس، إلاّ أنها تتخوف من إعتقادها بتحول ‏تأثيرها الإقتصادي إلى تأثير سياسي سيجعل منها خلال وقتٍ قياسي قوةً كبيرة قادرة على الحد من الهيمنة ‏الأمريكية والغربية وأقله منافستها، الأمر الذي يؤكد تحجّر الفلسفة السياسية للغرب، التي تعتبر أن البريكس ستكون ‏مجموعة منافسة ومعادية لمجموعة السبع، وفضحت بذلك امتلاكها ذهنية عاجزة عن استيعاب أن سعي البريكس ‏لإقامة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، يهدف إلى حل المشكلات العالمية والإقليمية، وليس لجعلها موضوعاً ‏للمنافسة "الخشنة" بين الكتل المتعادية‎.

ومع انتهاء قمة جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا، أعرب قادة مجموعة البريكس في بيانهم الختامي، عن قلقهم بشأن ‏استخدام التدابير الأحادية الجانب، التي لا تتفق مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وتؤدي إلى عواقب سلبية خاصة في ‏البلدان النامية، ودعوا إلى الحد من التسلح، ولإستخدام العملات الوطنية في التجارة الدولية، وإلى نظامٍ دولي متعدد ‏الأطراف ديمقراطي وخاضع للمساءلة، وجددوا دعمهم "لإرساء نظام عالمي للتجارة الدولية ، على أن يكون نزيهاً ‏وقائماً على قواعد منظمة التجارة العالمية‎.

كذلك، أكد البيان على "ضرورة حل المشكلة النووية الإيرانية من خلال الوسائل السلمية والدبلوماسية، ووفقاً ‏للقانون الدولي"، ودعت المجموعة إلى تعزيز الحد من التسلح ومنع الانتشار، بما في ذلك اتفاقية حظر استحداث ‏وإنتاج وتخزين الأسلحة البيولوجية والكيميائية وتدمير تلك الأسلحة، بالإضافة إلى تأكيد البيان على التزام ‏المجموعة بتعزيز التعاون في مجال الزراعة وتطويرها لتحسين الأمن الغذائي‎.

كما أعربت المجموعة عن دعمها الكامل لروسيا، ومهمتها برئاسة المجموعة في عام 2024، واستضافتها للقمة ‏السادسة عشر في مدينة قازان الروسية‎.

ومع نهاية القمة، وفي اللحظات الأخيرة لإسدال ستارها، وبعد الاتفاق على شروط العضوية، تمت دعوة ست دول ‏هي الأرجنتين ومصر وإثيوبيا وإيران والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ، للمشاركة في آلية ‏تعاون البريكس‎.‎

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment