السودان أين؟ وإلى أين؟ قراءة في المشهد السودانى وتاريخ ومصير السودان

08/30/2023 - 09:30 AM

Your Ad Here

 

 

بقلم: عمرو حسين

 

مسارات الأزمة السودانية

المشهد السودانى في يوم ١٥ من أبريل الماضي تحول وأصبح جليا أن السودان يمر بأزمة كانت إن عاجلا أو آجلا ستكون بين الجيش السودانى وميليشيات الدعم السريع التى خرجت عن إطار الدولة السودانية ورفعت السلاح في وجه الجيش السودانى وسط طموحات قائدها حميدتى الذى ليس لديه مؤهلات تكفي لأن يكون قائد في الجيش أو مسئول أن المتعمق في المشهد السودانى سيدرك بالطبع ما آلت إليه الأمور هناك ومنذ حكم حسن البشير وحكم الاخوان الإرهابيين للسودان مزقه مزقه شمالا وجنوبا ومزقه شرقا وغربا وما بين حركات متمردة أيضا في دارفور وكردفان وأعالى النيل السودان الغنى بثرواته التى لم يستفد منها الشعب السودانى كان هدفا للتقسيم وهدفا للمؤامرات بسبب ما يملكه من ثروات ومساحة ضخمة تتجاوز المليونى كيلومتر مربعا ولكى نعرف لماذا وصل السودان لهذه المرحلة ؟ وما أسباب النزاع القائم الآن الذى يهدد بحرب أهلية ؟ وإلى أين يذهب السودان في المستقبل بعد هذه المرحلة الانتقالية منذ خلع البشير ؟ يجب أن نقرأ في تاريخ السودان ماحدث منذ البداية وكيف نشأ السودان ؟

مرحلة ضم السودان لمصر في عهد محمد على باشا

كان أول من أدرك أهمية السودان محمد على باشا الذى افتتحه على يد ابنه اسماعيل باشا عام ١٨٢٠ وكان هدفه السيطرة على منابع النيل وقد زار السودان محمد على باشا السودان عام .

آثار الاحتلال البريطانى للسودان وظهور أزمة الجنوب

١٨٣٩ حتى جاء الانجليز واحتلوا مصر عام ١٨٨٢ أجبر الانجليز نوبار باشا رئيس وزراء مصر إخلاء الجيش المصرى للسودان عام ١٨٨٥ وأصبح السودان بدون وجود الجيش المصرى ويعد هذا هو الانفصال الأول بين مصر والسودان وبعد ذلك أدرك الانجليز مرة أخرى أهمية السودان وعاد الانجليز إلى السودان عام ١٨٩٦ وتولت وزارة الخارجية ذلك الأمر وليس وزارة الحرب عن طريق اللورد كرومر وتعيين كتشنر قائدات للحملة حيث قرر اللورد سولسبورى رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت الذى اهتم بأفريقيا أكثر من أوربا فاحتل كينيا و أوغندا ونيجيريا و روديسيا.

عام ١٨٩٩ كان عاما هاما في تاريخ السودان أجبرت بريطانيا مصر على توقيع وفاق وقررت بريطانيا ضم جزيرة سواكن المصرية للسودان فجزيرة سواكن في الأصل مصرية التى كان ينوى المخلوع البشير إقامة قاعدة تركية فيها وعينت بريطانيا حاكما عاما للسودان ولم تعد لمصر سلطة على السودان وظل الحاكم البريطانى مطلق السلطة على السودان وقالت بريطانيا أنه خلال الاثنتى عشرة سنة التالية للاتفاق وخروج الجيش المصرى لم يعد للسودان صاحب أو مالك بل تم عزل السودان عن العالم، وهنا يتكرر مأساة السودان الكبرى وهي قرار بريطانيا بفصل جنوب السودان عن شمال السودان عام ١٩٠٤ وأصدرت قانون بمنع دخول الشماليين لثلاث مديريات ووضع القانون عام ١٩٢٢ الذى يمنع دخول الشماليين جبال النوبة في كردفان وجبال الفوفنج بالنيل الأزرق وبعض مناطق دارفور في الغرب إلا بترخيص وأيضا منع الجنوبيين للانتقال للشمال من هنا كان نواة الصراع بين الشمال والجنوب والتى انتهت بفصل جنوب السودان عن شماله وإعلان دولة جنوب السودان عام ٢٠١١ بعد استفتاء وأصبح السودان بسبب اتفاقيتى عام ١٨٩٩ تحت إدارة مزدوجة مصرية بريطانية مرفوع على القصر علم البلدين مصر وبريطانيا،.

أزمة ضم السودان للتاج المصرى

عام ١٩٢٢ وبعد ضغط ثورة ١٩١٩ منحت بريطانيا لمصر استقلالها ورأت بريطانيا أن يظل السودان تحت إدارتها ورفضت طلب الملك فؤاد بأن يكون التاج المصرى به السودان بل أصبح ملكا لمصر فقط، وعقدت اول معاهدة صداقة بين مصر وبريطانيا بالمعاهدة المشهورة معاهدة ١٩٣٦ وهو أن يكون الوجود البريطانى في مصر فقط في منطقة قناة السويس، ومن ضمن بنود تلك المعاهدة هو عودة الجيش المصرى إلى السودان مرة أخرى تحت إمرة الحاكم العام البريطانى واتفق صدقى باشا مع أرنست بيفن وزير خارجية بريطانيا عام ١٩٤٦ على بروتوكول السودان إلى مشروع معاهدة صدقي بيفن بأن السياسة الواجب أن تكون السودان عليه أن تكون ضمن التاج المصرى.

نظم حزب الأمة السودانى مظاهرات ضد تلك الاتفاقية وسافر السيد عبد الرحمن إلى لندن واجتمع بكليمنت إتلى رئيس وزراء بريطانيا للتراجع عن ذلك البروتوكول وألقي خطابا في مجلس العموم البريطانى ٢٧ يوليو عام ١٩٤٧ بأن التاج المصرى له سيادة رمزية على السودان وأن السودان سوف يكون له حكم ذاتى وله حكومة مستقلة بعد أن يصل الشعب السودانى لمرحلة النضج، وحدث الصدام بين حكومة النحاس باشا والانجليز عام ١٩٥٠ بسب السودان، فالانحليز يصرون على عدم الانسحاب من السودان والحكومة المصرية تصر على وحدة وادى النيل وحق أبناء النيل وحدهم في تقرير مصيرهم حتى أصبح الجميع في مصر على قناعة بإلغاء معاهدة ١٩٣٦ ويكتب النحاس باشا إلى موريسون وزير خارجية بريطانيا يوم ٢٦ أغسطس ١٩٥١ أن جلاء القوات البريطانية من السودان أيضا شأن مصرى ولابد من ذلك وأن وحدة التاج المصرى بين شطرى وادى النيل أهمية لمصر،

علاقة السودان بإلغاء النحاس باشا لمعاهدة ١٩٣٦

 مساء ٨ أكتوبر ذهب النحاس باشا إلى البرلمان المصرى وفي خطابه أمام البرلمان الذى استمر لمدة ساعة و٢٤ دقيقة وافق البرلمان بالإجماع على إلغاء معاهدة ١٩٣٦ وكذلك إلغاء اتفاقتى ١٩ من يناير و١٠ من يوليو ١٨٩٩ بشأن إدارة السودان وكان نص كلام النحاس باشا أنه كما وقع على تلك الاتفاقية هاهو اليوم يعلن إلغاء تلك الاتفاقية كانت عين الملك فاروق على السودان على الرغم أن فاروق لم يزر السودان ولو مرة ولم يحدث إلا زيارة واحدة لعلى باشا ماهر عندما كان رئيسا للوزراء للسودان

السودان في مرحلة ما بعد قيام ثورة يوليو ١٩٥٢

 عام ١٩٥٢ قامت ثورة يوليو المجيدة فالوضع أصبح مختلفا تماما بقيام ثورة يوليو فالزعيم جمال عبد الناصر كان على دراية بالسودان ففور تخرجه من الكلية الحربية طلب نقله إلى السودان لأنه أردا أن يعرف البلاد التى وصفها تشرشل في كتابه (حرب النهر ) وكذلك كان محمد نجيب الذى ولد بالخرطوم من أم سودانية فطفولته وصباه كانا في السودان وخدم في شندي ووادى حلفا هكذا لم يكن السودان غريبا على أعضاء مجلس قيادة الثورة ومن حسن الحظ هو وجود ضابط آخر حسين ذو الفقار صبرى وكان على علاقة قوية بالسودان وأحزابه.

والذى بدوره حذر من خطورة الوضع في السودان وقد توصل الضباط الأحرار بعد مفاوضات مع السودانيين والانجليز إلى فكرة دستور وانتخاب برلمان للسودان ولكن ظلت مشكلة الجنوب هي الصداع الأزلى في رأس بريطانيا ورأت ان الجنوب يظل في يد الحاكم البريطانى العام عقب ذلك سافر صلاح سالم إلى الجنوب جنوب السودان والتقي بقبيلة الدرنكا ولاقي استقبال كبير هناك ووقع صلاح سالم اتفاقا مع الأحزاب السياسية يسمح لهم بحق تقرير المصير وكان هدف مجلس قيادة الثورة هو جلاء الانجليز عن مصر وعن السودان وهذا ما أراده جمال عبد الناصر فمعركته كانت هى الاستقلال وإبعاد الاستعمار عن كل المنطقة العربية والذى بدوره تم حتى جاء استفتاء عام ١٩٥٦ واختار الشعب السودانى الاستقلال عن مصر.

مرحلة الانقلابات العسكرية وحكم الاخوان وانفصل الجنوب

فمر السودان بمراحل عديدة من انقلابات عسكرية وعدم استقرار وعدم استغلال موارده ففى عهد جعفر النميرى عندما زادت الضغوط الشعبية عليه والتظاهرات قرر تطبيق الشريعة على السودان في محاولة شعبوية لاستغلال عامل الدين ولكن هذا أدى إلى صدام كبير مع الجنوب الذي لا يدين بدين الإسلام ولا يريدون تطبيق الشريعة الإسلامية عليهم وكون جون قرنج جيش تحرير السودان الذى كان ضابطا في الجيش السودانى وهنا دخل السودان في أتون حرب أهلية إلى أن تحالف العقيد حسن البشير الاخوانى مع الترابي في عام ١٩٨٩ فبدات حقبة الجماعة الإرهابية السوداء في حكم السودان وكان السودان مرتعا للجماعات الإرهابية وكان السودان يعانى بشدة وحدثت من جديد أزمة دارفور وعمل البشير على قتل كل المعارضين بل ارتكب العديد من المجازر فكان حكم الاخوان للسودان سبب نكبته وبعد التفاوض مع الجنوب اختار السودانيون الجنوبيون الانفصال عن الشمال وإعلان دولتهم وعاصمتهم جوبا وانفصل الجنوب الغنى بالبترول عن الشمال.

أزمة دارفور وظهور ميلشيا الجنجويد

وبقت أزمة دارفور إلى أن تحالف البشير مع الجنجويد ومع حميدتى لسحق دارفور وارتكب العديد من المجازر حتى طالبت محكمة العدل الدولية بإيقافه هو وعدد من رموز نظامه و كرم البشير حميدتى وأعطاه لقب فريق ومنح ميليشياته الشرعية بقانون عام ٢٠١٧ بأن تكون قوات الدعم السريع جزء من القوات المسلحة السودانية ومنهم جبل عام الغنى بالذهب ملك لهم هكذا ذهبت مقدرات السودان بين الإخوان الإرهابيين وبين ميليشيات إرهابية أصلها من خارج السودان يعيثون في الأرض فساد إلى أن قامت الثورة السودانية وانحاز الجيش للشعب وخلع البشير بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وأدت تلك الثورة إلى ظهور مجلس السيادة السودانى كحاكم لفترة انتقالية وبعد مفاوضات مع الجانب المدنى للقوى السياسية تم الاتفاق على نقل السلطة للحكومة المدنية التى يختارها الشعب وهنا ظهر الطموح لميلشيا الدعم السريع بالتخطيط من بعض الدول الخارجية للاستيلاء على الحكم في السودان وحدثت مواجهات أدت إلى نزوح السودانيين خارج البلاد في مشهد مأساوي ينذر بحرب أهلية السودان الآن على مفترق طرق إما وضع السلاح والاحتكام للعقل والابتعاد عن النزاع والتفاوض وإما الدخول لسنوات عديدة في حرب أهلية تنتهي بكارثة تمزق السودان إلى عدة دول وتضيع ثرواته في النزاع ويكون الشعب السودانى هو الضحية.

مستقبل ومصير السودان

 إن الناظر للسودان ذلك الوطن المطل على البحر الأحمر والقريب من باب المندب ومطلة حدوده على كثير من الدول فحدوده مترامية وهو وطن غنى بالماشية وبه أكثر من ٢٠٠ مليون فدان قابلة للزراعة وغنى بالصمغ العربي والذهب، يجعل من الوهلة الأولى ذلك الوطن هدفا للمؤامرات والتقسيم فتبلغ مساحته حوالى ١.٨ مليون متر مربع بعد ذلك الصدام المسلح بين الجيش السودانى وميلشيات حميدتى يضع مستقبل السودان في مصير غامض من الممكن أن يدخل إلى النفق الأسود الذى يطال كل السودان من خرب أهلية تجعل مزيدا من الدمار وضياع مقدراته ونروح الملايين فالسودان ثانى أكبر وطن عربي له عدد من السكان يبلغ ٤٥ مليون ولذلك من هذه الأزمة نتوقع ثلاث سيناريوهات وهم:

١_ أن يستمر النزاع المسلح إلى أن ينتصر أحد الطرفين المسلمين وبذلك يصبح الطرف المنتصر على رأس السلطة ويصبح من الصعب على القوى والأحزاب السياسية الاستمرار في مستر سياسي مع ذلك الطرف المنتصر ويعود من جديد التظاهر ويحدث صدام بين القوى المدنية والطرف المنتصر الذى هو بطبيعة الحال منتصر

٢_ السيناريو الثانى وهو السيناريو الذى لا يريده الجميع هو أن يستمر النزاع ويحدث التقسيم لين غرب وشرق السودان وهو سيناريو اسود يؤدى بطبيعة الحال إلى تقسيم السودان مرة أخرى وتضيع ثرواته بين الشمال والجنوب والشرق والغرب

٣_ السيناريو الثالث أن يحدث تفاهم ومحاولات بين طرفي النزاع ينتهى بدمج الميليشيات داخل الجيش السودانى ويؤدى ذلك إلى استمرار المكون المدنى في مجلس السيادة في المسار السياسي ثم يحدث انتخابات تنتهى باختيار الشعب لمت يحكم السودان عن طريق انتخابات حرة نزيهة وهو المسار الذى يتمناه الجميع ويتمنى السلامة للسودان وشعبه .

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment