بقلم : صالح الطراونه - مندوب بيروت تايمز - الاردن
في ذلك اليوم من 16 سبتمبر 1923، كانت مصر كلها تعيش واحدة من أعظم لحظاتها التاريخية؛ فقد استطاعت ثورة الشعب أخيرا أن تُجبر المحتل البريطاني على الإفراج عن قائد الأمة سعد زغلول، ليعود من منفاه وسط استقبال شعبي حافل ولكن بيتا واحدا فقط كان الحزن يُخيّم عليه، رغم أن هذا البيت بالذات كان هو الأولى بالفرحة بعودة “سعد باشا”، وكيف لا، وهو بيت الفنان “سيد درويش” الذي طالما تغنّى للوطن وللثورة ولسعد نفسه، ولكن جاءت مفارقات الوطن لتجعل موعد عودة سعد المُظفّرة من منفاه هو نفس موعد عودة روح “فنان الشعب” إلى بارئها.
سيد درويش سافر عام 1914 الى الشام ثم عاد إلى مصر لتبدأ مسيرته الفنية التي أحدث بها انقلابا في الموسيقى التقليدية آنذاك , ويُشير الأستاذ بأكاديمية الفنون بمصر فتحي الخميسي إلى أن درويش لم يسافر إلى الشام بهدف التعلم، بل بهدف تقديم نشاط موسيقي،
وهذا لا ينفي استفادته من القدود الحلبية التي تُميّز سوريا حينها قدّم سيد درويش ألحانا مسرحية لكثير من الروايات مثل “إش”، و”رن”، و”راحت عليك”، و”عبد الرحمن الناصر ولعل الفترة الأكثر تأثيراً في حياة الفنان سيد درويش وفي حسة الموسيقي والتي شكلت حصيلة معرفته بأسرار اللحن والغناء فهي تلك اللقاءات التي تمت ما بينه وبين فرقة أولاد عطالله في فلسطين حيث استمرت ما يقارب الثلاث سنوات حيث تعلم على أيدي اساتذة الموسيقى الشرقيه النغم الأصيل ومنها تعلم المقامات ومخارجها .
ولعل اللقاء الذي حدث إنعطافه أخرى في مسيرة الفنان الموسيقي الكبير سيد درويش هو لقاءه ب الريحاني حيث لحن له استعراضاته اللاحقة: «العشرة الطيبة» التي قدمها عام 1920وهي من اقتباس محمد تيمور، و«الليالي الملاح»، و «البرنسيس»، و«الشاطر حسن»، و«أيام العز»، و«الفلوس»، و«مجلس الإنس»، و«لو كنت ملك»، واعتمدت معظمها على قصص (ألف ليلة وليلة).
بلغ إنتاجه في حياته القصيرة من القوالب المختلفة العشرات من الأدوار وأربعين موشحا ومائة طقطوقة و 30 رواية مسرحية وأوبريت.
كما أن ألمه الكمين في نفسه كان السبب في أن يخرج إلى الوجود بلغته الفلسفية النغمية فيسحر بجمالها الألباب ويرقص النفوس إنه ما كان يلحن أغنية حتى يرددها أفراد الشعب والعوالم اللواتي يقمن الأفراح والمسارح الغنائية وموسيقات الجيش والموسيقات الأهلية .
السر في انتشار الشيخ سيد بين أفراد الشعب هو ان لكل لحن قصة ومناسبة ولكل مناسبة أثرها العميق في نفس الشيخ سيد درويش المرهفة الحساسة فأول أغنية لحنها كانت زوروني كل سنة مرة حرام تنسوني بالمرة وكانت مناسبة تأليفها أن امرأة يحبها قالت له هذه العبارة ابقى زورنا يا شيخ سيد ولو كل سنة مرة ولحن آخر كان وحيه امرأة غليظة الجسم اسمها جليلة أحبها حبا عظيما وغدت إلهامه في النظم والتلحين
والغناء هجرته هذه المرأة وأخذت تتردد على صائغ في الإسكندرية وعمل لها الصائغ خلخالا فغضب الشيخ سيد وفكر بالانتقام من حبيبته وعزوله وكان أول انتقام من نوعه على الطريقة الموسيقية الغنائية.
انتهت حياة الفنان سيد درويش يوم 10 أيلول (سبتمبر) من عام 1923 (وهناك روايات كثيرة عن سبب وفاته ومنها أنه توفي بسبب جرعة زائدة من المخدرات ولكن أحفاده خرجوا ونفوا تلك الرواية مستندين على خطاب بخط يده يقول فيه لصديقه أنه أقلع عن السهر وكل ما يصاحبه وينصح صديقه بالتخلي عنهم واستندوا فيها أيضا على ما تم ذكره في مذكرات بديع خيري أن الفنان سيد درويش أقلع عن المخدرات ويظهر ذلك جليا في أغانيه التي تنصح الشعب بالابتعاد عن المخدرات أما الرواية المؤكدة بالأدلة أن سبب الوفاة هو تسمم مدبر من الإنجليز بسبب أغاني سيد درويش التي تحث الشعب على الثورة وتوفي وهو له من العمر إحدى وثلاثون سنة.











08/21/2023 - 17:24 PM





Comments