احتفاء بأشهر قلم لبناني

08/09/2023 - 09:30 AM

Bt adv

 

 

بقلم سمير عطالله

 

مطلع الصيف يأتي فيليب سالم الى الربوع، فيعصف بالمدينة عصفاً، ويغلق جدول أهل الاكاديميا بالمواعيد والمحاضرات واللقاءات. وهو رجل من الروم، وفي الروم هو من حاضرتهم، الكورة، وفي الكورة من غرّتها، بطرام، حيث جذر عائلة العلم والعلماء. كبيرهم شارل مالك من طائفة أفلاطون وأرسطو والفارابي، وثانيهم شقيقه كاهن من الروم الملكيين، وثالثهم كاهن ايضاً من طائفة لست أذكرها.

وأبناء شقيقة شارل مالك فرع من الفروع الأُولى. جميعهم دكاترة بمرتبة شرف.

ايلي سالم اصبح مثله استاذاً في الجامعة الاميركية، ووزيراً للخارجية، ثم تكرّس للعمل الجامعي، وفيليب، الأكثر شبهاً في الشكل والحاجبين اللجين، وآخر في الطب والهندسة وما أُعطيتم من العِلم إلا قليلا.

كلما تقدم الإنسان في العلم كلما تواضع الى الله وربّ العلم والعالمين. وهذا أرقّ ما في فيليب سالم، صاحب الشهرة العالمية في أبحاث السرطان. لكن برغم 55 عاماً في دنيا المختبرات وصناعة الشفاء، ظل همّه الآخر في الفكر والسياسة والخدمة العامة. ومع انه اختار تكساس، اكثر الولايات بُعداً عن لبنان، فقد ظل أقرب المغتربين اليه. وظل يعطيه الكثير من هذه الحيوية العجيبة التي لا تقرّ بالمسافات وفارق الوقت وأين ينام الكوكب وأين يفيق.

تعبتُ في اللحاق بجدول الدكتور سالم. مرة يخطب مكرماً في متحف سرسق، أجمل إطار ثقافي في لبنان، ومرة يتحدث مكرماً في الجامعة الاميركية اللبنانية لمناسبة صدور الترجمة الجديدة "لنبيّ" "جبران خليل جبران"، بقلم الشاعر هنري زغيب، أحد أمناء وخبراء جبران، على مرِّ السنين.

ليس بالعمل الهيّن ان يحاول رجل من أهل الأدب، القيام بترجمة أخرى "للنبي"، الذي صدرت ترجمته الأولى في حياة صاحبه، على يد المطران انطونيوس بشير، راعي الجالية الارثوذكسية في الولايات المتحدة. وقد اطّلع جبران يومها على الترجمة وأقرّها. ثم كانت هناك ترجمة "ميخائيل نعيمة" التي غلبت عليها روح نعيمة واسلوبه. وبعدها صدرت في القاهرة ترجمة وزير الثقافة المصري الدكتور "ثروت عكاشة". ثم أخرج يوسف الخال ما خُيّل إليّ انه الترجمة الملكية، للنص الجبراني الخادع. فهو مثل السراب، تشعر انك قبضت عليه بمجرد ان تمدّ يدك، لشدة ما هو بسيط وقريب وواضح، ثم تكتشف انك ما وصلت بعد.

في السبعينات نقلت الى العربي "جبران وعالمه"، وهو أفضل سيرة لجبران وبقلم "ابن عمه" وأقرب الناس اليه. نشرت الترجمة على حلقات في مجلة "المستقبل" الباريسية. وخلال هذه الفترة حاولت المقارنة بين الترجمات، وكيف فهم كل مترجم"انجيل" جبران ونبيّه. ومعروف ان جبران وضع النص بالانكليزية في الاساس، وأعاد كتابته ثماني مرات، تساعده راعيته وسنده المالي والادبي، الايرلندية "ماري هاسكل"، التي ارتبط اسمها به أكثر من أي إنسان آخر في حياة لم تتعدّ 48 عاماً.

قَلَب "النبي" عند صدوره الحياة الأدبية في نيويورك، عن دار "الفرد كنبوف"، وحتى هذه اللحظة لا يزال الكتاب "الشعري" الثالث مبيعاً في العالم. وكانت "كنبوف" داراً حديثة يومها فتحولت مع مبيعات "النبي" وتطورت الى واحدة من اكبر الدور. تُرجم "النبي" الى معظم لغات الأرض، لكن طبعته العربية ظلت الاكثر ضعفاً. واعتقد ان المسلمين وجدوا في التسمية نوعاً من الشطط والهرطقة. ولم استطع ان اعرف من خلال ما قرأت، إذا كان جبران يعي أو لا يعي تأثير ذلك. الواضح ان لا نية سيئة في الأمر، كما هو واضح ايضاً تأثره بأقوال الامام علي بن أبي طالب.

هل يحتمل "النبي" ترجمة جديدة الى العربية؟ كل الاعمال الكلاسيكية تحتمل المزيد من التفسير. هنري زغيب سمّى عمله "صياغة"، لا ترجمة، من أجل أن يوائمه مع مفهوم العصر للحالة الروحية التي كان جبران غارقاً فيها. وتشكل "صياغة" هنري زغيب إضافة الى ما كتب لأنه أمضى عقوداً في درس الإرث الجبراني ورعايته وتشذيب ما لحق به من هفوات.

يميز "جبران" هنري زغيب ان زميلنا العزيز ما انفك يتعاطى مع الإرث الجميل بشغف الهواة ودهشة العاشقين. هكذا تعاطى ايضاً مع كل إرث آخر، سيما الرحابنة الذين كتب سيرتهم كما كتبوا شعرهم، وكما لحّنوه.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment