ماكرون في منطقة النفوذ المشترك لموسكو وبكين

08/04/2023 - 13:20 PM

A

 

 

 

 

 

 

 

ميشيل كلاغاصي

مع اختتام أعمال قمة مجموعة السبع في هيروشيما، توجه على الفور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ‏نحو منغوليا في قلب القارة الاّسيوية والواقعة ما بين الصين وروسيا، وهذا بطبيعة الحال كان ولا يزال ‏يشكل الدافع وراء الإهتمام الغربي بها، وسبق لوزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري وصفها بـ ‏‏"واحة الديمقراطية بين جيرانها المستبدين‏‎".

وعلى الرغم من النمو الإقتصادي الملحوظ في منغوليا خلال السنوات الأخيرة، إلاّ أنها تعاني ولا يزال ‏حوالي ثلث سكانها يقبعون تحت خط الفقر، وتبدو بحاجة ماسة للاستثمارات الأجنبية والفرص الإقتصادية ‏الجديدة، ومع بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، ظهر إنقسام في الشارع المنغولي بين ‏من اعتبروه "غزواً روسياً"، وبين داعمي روسيا‎ .

ومن خلال سعيها لمواجهة العقوبات الغربية، وبعد خمسة أيام من بدء العملية العسكرية في أوكرانيا، ‏وقعت شركة غازبروم الروسية عقداً لوضع التصميم وكافة أعمال والمسح لمشروع خط أنابيب الغاز ‏‏"سويوز فوستوك"، الممتد من روسيا إلى الصين عبر منغوليا، وباتت أقرب لكلا الدولتين، وامتنعت عن ‏إدانة العملية الروسية في أوكرانيا، وخرجت فيها المسيرات والشعارات والتصريحات المعادية للغرب ‏وأوكرانيا والنازية، بالتوازي مع قمع رجال الشرطة الهجوم على السفارة الروسية في العاصمة المنغولية، ‏وبعض المظاهرات المناهضة لروسيا، الأمر الذي وضعها أكثر فأكثر تحت المجهر الغربي‎.

يدرك الرئيس الفرنسي أهمية منغوليا بانسبة لروسيا والصين، وتُعتبر أكثر من دولة جارة لهما، في وقتٍ ‏تعاني فيه فرنسا من إضطراب علاقاتها مع دول القارات القديمة، وبأنها تُطرد من بعض مستعمراتها ‏السابقة، وتبدو غير مرحبٍ بها في معظم بلدان القارة الاّسيوية، وحيث يتجلى النفوذان الصيني والروسي ‏بأعلى تجلياتهما، وهذا بدوره يدفع للسؤال حول أسباب الزيارة، وأهدافها، ومالذي يبحث عنه إيمانويل ‏ماكرون في منغوليا ما بين الصين وروسيا !، ويجده عبر إستفزازهما معاً، أم تراه يغتنمها فرصة ‏للإقتراب والتقارب معهما، بدخوله زائراً "مسالماً" إلى منغوليا وهي المنطقة الإستراتيجية لنفوذهما‎.

على الرغم من نظرة دول الإتحاد الأوروبي والناتو السلبية إلى حلفاء روسيا والصين، وفي ظل إنقسام ‏الشارع المنغولي بين مناهض وموالي للغرب، تبدي القيادة والحكومة المنغولية قلقها وترفع هواجس ‏مخاوفها على أمنها وهويتها، من "عطورات" فرنسا و"مساحيق تجميل" الثورات الملونة الغربية، رغم ‏حاجتها للإستثمارات الخارجية، ولتوسيع نطاق علاقاتها الاقتصادية وشراكاتها بما يتعدى المنطقة الاّسيوية ‏أيضاً‎.

وقد أعلنت باريس رغبتها في "تخفيف القيود المفروضة على جيران روسيا ومنحهم خياراً من الخيارات"، ‏لكن الرئيس ماكرون لم يُخفِ الجانب التجاري والإقتصادي لزيارته، وتحدث عن أهمية شراكة منغوليا مع ‏شركة التكنولوجيا النووية الفرنسية أورانو، بما يشمل قطاع التعدين وإنتاج اليورانيوم‎.

علماً أن شركة أورانو تعمل في منغوليا منذ عام 1997، مع الشركات الرسمية المنغولية في مشاريع ‏استغلال الرواسب في صحراء غوبي ومشاريع تعدين اليورانيوم الطبيعي، الذي يُصدّر إلى فرنسا على ‏الرغم من ضعف كميات إنتاجه في منغوليا، الأمر الذي دفع ماكرون لمطالبة نظيره المنغولي بتسريع ‏تطوير اثنين من رواسب اليورانيوم لإنتاج ما يفي بحاجة فرنسا من اليورانيوم السنوية والتي تقدر بحوالي ‏‏7000 /طن، وهذا يحتاج إلى جهود إضافية كبيرة، وإلى زيادة أعداد العاملين المحليين‎.

على الرغم من إعتراض المجتمع الأهلي المنغولي على هذا المشروع، خصوصاً مع تسجيل عديد ‏الحوادث صحية الخطيرة التي سبق وتعرض لها السكان المحليين الذين يعيشون حول مواقع تشغيل ‏المناجم، وتقديم مجموعة منهم شكوى في عام 2018 ضد شركة بدراخ للطاقة التابعة لشركة أورانو في ‏منغوليا، بدعوى أن أعمال التعدين تسببت بتشوهات للماشية، وبأمراض سرطانية وحالات إجهاض، ‏وبتلويث آبار المياه، ناهيك عن فساد شركة أورانو وتقديمها الرشاوى لأعضاء البرلمان والمديرين ‏التنفيذيين للشركات الحكومية، والتي لعبت دوراً حاسماً في الحصول على تراخيص استخراج اليورانيوم ‏في صحراء غوبي، مما استدعى خروج اّلاف المنغوليين للتظاهر أيضاً مع نهاية عام 2022‏‎.

وأثناء الزيارة وخلال المحادثات، أشار ماكرون إلى أهمية شراكة منغوليا مع شركة التكنولوجيا النووية ‏الفرنسية أورانو، بما في ذلك في قضية تعدين المعادن، وتوسيع التعاون في مجالات الطاقة الخضراء ‏والنقل بالسيارات والرعاية الصحية والزراعة، على الرغم من فشل فرنسا في الإستفادة من تلك المشاريع ‏فعلياً، وأن إثارتها داخل فرنسا بدت سياسية أكثر منها إقتصادية وتجارية‎.

ومع سوء العلاقات الحالية مع موسكو، تبدو فرنسا مهتمة بالبدائل الممكنة، وعلى ما يبدو بأنها حددت ‏منغوليا هدفاً وسوقاً جديداً لمواردها من اليورانيوم، وهذا بدوره يفرض على موسكو إعادة تقييم علاقاتها ‏مع منغوليا وزيادة استثمارتها فيها، قبل إنجرارها نحو الغرب عبر البوابة الفرنسية، والتركيز على سرعة ‏تنفيذ مشروع إنشاء خط أنابيب الغاز "سويوز فوستوك"، خصوصاً مع اقتراب الإنتهاء من أعمال التصميم ‏والمسح للمشروع، فالمشروع يحظى بأهمية خاصة بالنسبة لمنغوليا، ليس لجهة حصولها على الغاز فقط، ‏بل لحصولها أيضاً على مبالغ طائلة مقابل عبور خط الأنابيب الجديد، بالإضافة إلى تعزيز دورها ومكانتها ‏في علاقتها المميزة مع روسيا، ومع الصين أيضاً‎.

تبدو زيارة ماكرون سياسية أكثر منها تجارية وإقتصادية، وتبدو كرسالة قوية لجهة استمرارها بالسيرعلى ‏طريق إنهاء العلاقات مع روسيا، وبمنافسة الصين في عقر دارها كدولة مسيطرة على صناعات التعدين ‏والمعادن الأرضية النادرة، تحت ذريعة اهتمامها بتنمية تلك الصناعات على المستوى الفرنسي، بما يبرر ‏تقاربها مع منغوليا ووجود إيمانويل ماكرون فيها ضيفاً على قيادتها وحكومتها وأرضها وزائراً لمتحفها، ‏وذهب إلى أبعد من ذلك بحديثه عن منغوليا كبلد "محاط " بجيرانه الروس والصينيين، وأشار إلى أنه ‏‏"يمثل نموذجاً لحكم ليبرالي، يمارس الإنتخابات وتداول السلطة، ويسعى إلى تنويع شراكاته"، وبدا بقوله ‏هذا كمن يقتبس ويغزل على كلام وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري حيال منغوليا‎ .

كذلك، يمكن ملاحظة التقييم الكبير للرئاسة الفرنسية للزيارة وأهميتها "الإستراتيجية"، وبحسبها فقد كانت ‏الزيارة "لأجل ضمان سيادة فرنسا في مجال الطاقة"، ومن أجل "تشجيع الإستثمارات الأجنبية الضرورية ‏لمكافحة ظاهرة الإحتباس الحراري في منغوليا"، ومساعدتها على إنهاء إعتمادها على الفحم (الكربون) ‏لتوليد الكهرباء، في وقتٍ تنظر فيه‎ ‎الرئاسة الفرنسية للزيارة على الصعيد "الجيو- استراتيجي"، وتندرج – ‏بحسب قولها - في إطار رغبة باريس في "تخفيف القيود المفروضة على جيران روسيا وفتح المجال ‏أمامهم ليقوموا بخياراتهم‎".‎

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment