الدكتورة ضحى نشأت الطالباني *
يُراد من المناسبات الأممية (الدولية منها والعالمية) تثقيف الجَمهور العامة بشأن المسائل ذات الأهمية ولحشد حرصت الامم المتحدة على تخصيص الايام الدولية بوصفها وسيلة للدعوة والتثقيف والتوعية الفاعلة. وتحتفي الأمم المتحدة بمناسبات من أيام وأسابيع وسنين وعقود دولية وعالمية محددة حيث يخصص لكل منها شعارا أو موضوعًا معينا في كل عام. وتعمل الأمم المتحدة من خلال المناسبات الخاصة على إذكاء الوعي الدولي بالقضايا ذات الصلة وعلى إحراز تقدم في ما يتصل بها.
ويتيح كل يوم من الأيام الدولية الفرصة لعديد الجهات الفاعلة لتنظيم الأنشطة والفعاليات المتعلقة بالموضوع أو الشعار السنوي للمناسبة.
وتمثل تلك المناسبات للمنظمات وللمكاتب التابعة لمنظومة الأمم المتحدة والحكومات والمجتمع المدني والقطاعين العام والخاص والمدارس والجامعات وعموم المواطنين نقطة انطلاق لبدء جهود التثقيف والتوعية. وحددت غالب تلك المناسبات بموجب قرارات صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالرغم من أن بعضها حددته وكالات الأمم المتحدة المتخصصة.
الا انه للأسف ثقافة تفعيل دور الايام الدولية بالعراق مازالت غير مطبقة فاليوم الدولي عادتا ما يمر مرور الكرام في العراق دون استذكارة أصلا.
حملة القلب الأزرق
أطلقت الأمم المتحدة هذا العام حملة القلب الأزرق بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالأشخاص، ويرمز القلب الأزرق إلى حزن من اتَّجر بهم والتذكير بوحشية من يتاجرون بالبشر بيعاً وشراءً، وتنوعت أساليب جرائم الاتجار بالبشر من خلال استخدام التقنية وإساءة استعمالها،
هدف حملة القلب الأزرق هو إلهام الناس وحشد الدعم للعمل ضد الاتجار بالبشر من قبل المنظمات الدولية والحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والأفراد في نهاية المطاف. يهدف القلب الأزرق أيضًا إلى تمكين المواطنين من إظهار دعمهم للقضية وزيادة فهم قضية الاتجار بالبشر من أجل تحفيز الإجراءات المنسقة لمكافحة الجريمة. الهدف هو أن يصبح القلب الأزرق رمزًا للاتجار بالبشر، على غرار الشريط الأحمر الذي يمثل رمزًا لفيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز
تدخل جريمة الإتجار بالبشر ضمن مفهوم الجرائم المنظمة، والتي يمكن تعريفها على أنها: "الجرائم التي تقوم بها عصابات احترفت الإجرام، وجعلت من الجريمة مجالا ومحورًا لنشاطها الذي تمارسه على أنه وظيفة أو مهنة، فهذا النشاط هو مصدر دخل هذه العصابات التي تهدف من خلاله إلى توليد تدفقات نقدية ضخمة وسريعة الحركة يمكن تنقلها عبر وسائط متعددة ومختلفة، بعضها تقليدي والآخر مبتدع. إلا أنه في نهاية المطاف تعتبر الأعمال السابقة كافة التي تقوم بها هذه العصابات مخالفة للقانون والأعراف
كما يعد الاتجار بالبشر من المواضيع ذات الاهمية الكبيرة كونه يمس حياة الافراد بشكل مباشر حيث اصبح ثالث نشاط اجرامي في العالم يحقق أرباحا بعد تجارة السلاح والمخدرات.
تناول البروتوكول الدولي لمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وخاصة النساء والأطفال المكمل للاتفاقية الدوليه لمكافحة الجريمة المنظمة سنة 2000 المعروف ببروتوكول باليرمو، الاتجار في المادة 3/1. حيث نصت المادة على انه يقصد بتعبير الاتجار بالبشر (تجنيد أشخاص أو نقلهم أو ترحيلهم أو ايواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذالك من اشكال القسر أو الاختطاف او الاحتيال او الخداع أو إساءة استعمال السلطة أو استغلال حالة استضعاف أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية او مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص اخر لغرض الاستغلال. ويشمل الاستغلال كحد ادنى استغلال دعارة الغير او سائر اشكال الاستغلال الجنسي او السخرة او الخدمة قسرا او الاسترقاق او الممارسات الشبيهة بالرق او الاستعباد او نزع الأعضاء).
توجد العديد من الملاحظات على التعريف السابق حيث انه لم يرد نصا يستوعب الجرائم المستحدثة التي يمكن اعتبارها اتجارا بالبشر فعلى سبيل المثال كان من الممكن ادراج نصا يعتبر التجارب الطبية والمستحدثات الطبية ايضا من اشكال الاتجار في حال توافر اعناصر الجريمة الاخرى كذلك من الممكن ادراج موضوع الزواج المبكر او الزواج بالإكراه على انه وجه من اوجه الاتجار أو على سبيل المثال اجبار شخص ما على التسول او تجنيد الأطفال في الاعمال الإرهابية أيضا هو صورة من صور الاتجار بالبشر، وبعبارة أخرى كان التعريف من الممكن ان يستوعب اشكالا اخرى للاستغلال يمكن ادراجها تحت مسمى الاتجار بالبشر إلا ان التعريف قد جاء قاصرا على هذه الاشكال فقط.
وهنا يبرز دور المشرع الوطني في تلافي القصور الوارد في الاتفاقية بمعنى امكانية البلدان الموقعة على البروتوكول ادراج اشكال اخرى من الاستغلال المؤدي الى الاتجار بالبشر في قانونها الوطني حسبما يلائم ظروفها على الصعيد الوطني.
فالاصل عندما تقوم الدولة بالتوقيع على هذه الاتفاقيات فهي ارتضت التزام جديد وبموجب هذا الالتزام يقع على عاتق الدولة تطبيق احكام الاتفاقيات والالتزام بها من خلال سن تشريع يتلائم مع الالتزام الذي تبنته وتعديل المنظومة القانونية.
اتخذ العراق إستراتيجيات عديدة لمكافحة ظاهرة الاتجار بالبشر، إلا أنها لم تكن بالمستوى المطلوب فقد ثبت عجزها في مكافحتها، نظرًا لغياب رؤية وطنية فاعلة في ظل قدرة العصابات المنظمة على استحداث أساليب لتنفيذ عمليات الاتجار، وساعد في تنامي هذه الظاهرة وجود عوامل اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية،تبنى المشرع العراقي تشريع قانون خاص بمكافحة الاتجار بالبشر رقم ٢٨ لسنة ٢٠١٢ ونشر بالجريدة الرسمية سار المشرع العراقي على نهج البروتوكول الدولي في تعريفة لجريمة الاتجار بالبشر الا ان المشرع العراقي تفوق على المشرع الدولي حين أضاف صور جديدة للاتجار بالبشر تتمثل بالتسول وخيرا فعل المشرع العراقي بذلك وهي نقطة تحسب له،الا انه على الرغم من إضافة التسول الا ان الواقع الفعلي يشير الى انه مجرد حبر على ورق فالمتسولين يجوبون الشوارع دون اتخاذ الى اجراء قانوني فالاجرائات الحكومية الخاصة بمكافحة الاتجار وحماية الضحايا المتخذة من قبل الحكومة العراقية متواضعة ويشوبها كثير من النقص وقلة الامكانيات، ولا ترتقي إلى مستوى المخاطر المترتبة على هذه الظاهرة ولا تواكب الاستراتيجيات المعمول بها في الدول الأخرى.
كما اهمل المشرع موضوع زواج القاصرات وتجنيد الأطفال في العمليات الإرهابية وغيرها من الصور المستحدثة وهذا بحد ذاته موضوع بحاجة الى تعديل، وبذلك يكون المشرع العراقي قد ذكر صور الاتجار على سبيل الحصر لا المثال بمعنى عدم إمكانية تجريم أي فعل وفقا لقا من الأفعال التي تم الإشارة لها وفقا لقانون الاتجار بالبشر حيث لا جريمة ولا عقوبة الا بنص وهذا يعني انه حتى ولو انطبق الوصف الجرمي بكافة اركانه على احد الصور السابقة فأن قانون الاتجار بالبشر ليس هو القانون الواجب التطبيق لعدم ذكر هذه الصورة في المادة التي تناولت صور الاتجار بالبشر لذلك نتمنى على المشرع العراقي إعادة النظر بذلك.
وفي الحقيقة وليس بخافي على احد ان المشكلة لا تكمن فقط في نصوص القانون انما في مدى الانفاذ الفعلي للقانون فهو غير مطبق بشكل فعال لذلك نشهد اليوم في الشارع العراقي حالات عديدة يندى لها جبين الانسانية من اسر تقوم ببيع أولادها، كما شهدنا في السابق سوق للنخاسة وبيع النساء وحالات عديدة من المتسولين المرغمين على القيام بذلك أيضا احتجاز لعمال المنازل ووجود شبهة للاتجار بالبشر ولا يوجد جهات تراقب او تتابع كل هذه الجرائم . وأخيرا لمواجهة هذه الجريمة مع تزايد اللامبالاة والإفلات من العقاب يجب علينا تعزيز القدرة ضد الاستغلال والقضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الكامنة التي تؤدي إلى الاتجار. كما يجب علينا توعية المجتمع بموضوع الاتجار بالبشر، وبالتالي رفع درجة الانتباه عند أولئك الذين يمكنهم إحداث فرق من مجال تغيير السياسة وإدارة الموارد الوطنية لتعزيز تدابير الوقاية، وتحسين تحديد الضحايا، وزيادة دعم الناجين وإنهاء الإفلات من العقاب.
بالإضافة الى ضرورة اعادة النظر بتعريف جريمة الاتجار بالبشر ليكون تعريف اكثر دقة ووضوح يراعي البيئة التشريعية في العراق التي احيانا لا تتناسب مع ما جاء به البروتوكول الدولي،فالهدف هو ليس تبني ما جاء به البروتوكول حرفيا انما الهدف هو مدى امكانية تطبيق ما يتبناه المشرع من نصوص على ارض الواقع، ومدى ملائمة هذا النص لما هو موجود.بالإضافة الى مراجعة التشريعات الخاصة بمكافحة الاتجار بالبشر والتشريعات المكملة لها مثل تشريعات الخاصة بحقوق العمال او العنف ضد المرأة وحماية الاطفال والتشريعات الخاصة بالإقامة والعمالة الاجنبية ليكون تشريع يغلق الابواب في وجه كل من يحاول استغلال عامل او امرأة او طفل.
كما نوصي المشرع العراقي بأفراد نصوص في قانون مكافحة الاتجار بالبشر لاتخاذ إجراءات خاصة في ما اذا كان الضحية طفلا، او النص على الية اعادة الضحايا الى اوطانهم اذا ما كانت ضحية الاتجار بالبشر من العمال المهاجرين.وأيضا نتمنى على المشرع العراقي ادراج الزواج القسري وزواج القاصرات ضمن الامور التي تعتبر اتجارا بالبشر لانطباق كافة الاوصاف الوارده في القانون وادراج نص في قانون مكافحة الاتجار بالبشر لبيان كيفية تعويض الضحايا او انشاء صندوق كما فعل المشرع المصري لتعويض الضحايا وعدم ترك الموضوع للأحكام العامة.
ضرورة العمل على تكثيف برامج التأهيل والتدريب المستمر وبناء القدرات وتنميتها لدى القائمين على اجهزة تنفيذ القانون لفهم قانون منع الاتجار بالبشر والوقوف على أدق تفاصيله ومعاملة ضحايا الاتجار على انهم ضحايا وليس جناة.
بالإضافة زيادة التوعية حول كيفية الابلاغ عن جرائم الاتجار بالبشر سواء كان ذلك من قبل الضحية او الافراد العاديين.
واخيرا تشديد العقوبات على المتاجرين ومقاضاتهم وفرض الغرامات عليهم او الزامهم بتعويض الضحايا اضافة الى اغلاق الاشخاص المعنوية التي تقوم بمثل هذه الجرائم وذلك لأنه التشديد في العقاب هو احدى وسائل الردع العام والخاص.وتفعيل التعاون بين المنظمات الرسمية وغير الرسمية لمكافحة هذه الجريمة من خلال التوعية والتثقيف ونشر ثقافة اعلامية لتوعية الجمهور بإخطار هذه الجريمة.
*دكتوراة في القانون الدولي
مدرس القانون الدولي جامعة الفراهيدي











08/02/2023 - 08:16 AM





Comments