لقاء مع «العلم والإيمان»

08/01/2023 - 01:52 AM

Atlantic home care

 

 

سمير عطا الله, Author at الخليج

كتب سمير عطالله

 

أمضيت سحابة نهار كامل على شرفة منزل الدكتور فيليب سالم في بلدة بطرام اللبنانية، قبالتنا جبال الأرز ومنحدراتها، ومن حولنا بحر فسيح أزرق، وبساتين زيتون وسع البحر. يعيش الدكتور سالم ويعمل منذ أربعة عقود، في هيوستن، تكساس، حيث يرأس أهم مركز لأبحاث ومعالجة السرطان. ويأتي إلى لبنان كل صيف لزيارة الأهل والأصدقاء والخلّان.

وعلى عكس البحاثة والعلماء الذين ينعزلون عن حياة العالم الخارجي، فإن «أبو خالد» منخرط في السياسات الأميركية واللبنانية، إضافة إلى ما ربطه من علاقات مع عدد من كبار السياسيين العرب، بسبب شهرته الطبيّة.

والعمل السياسي جزء من تقاليد العائلة، بدأ من شقيقه الأكبر، الدكتور إيلي، الذي أصبح وزير خارجية لبنان، ثم رئيس جامعة البلمند. وعندما سألته إذا كان الشقيق سيشارك في الغداء، انفجر ضاحكاً: أعوذ بالله. ما بيخلينا نحكي كلمة واحدة.

جميع آل سالم دكاترة في شيء ما. طب وهندسة وعلوم سياسية. و«أم خالد» سيدة من العراق. يرن الهاتف والمتحدثة ابنتهما من تكساس، ودكتورة طبعاً، يتحول الثمانيني الحيوي الضاحك إلى طفل، يناجيها، يناغيها، ويكرر بين كل «كلمة وكلمة» تقبريني! ذكّرني بصاحب لنا، لكن الأخير يقول لابنته «تقبري بيِّك».

فيليب سالم مهرجان متنقل. وصديق قديم وإنسان من ذهب. وسامحوني إن أنا حاولت رد جمائله بالشيء الوحيد الذي أملكه: الكلمة. والدكتور فيليب واحد من مجموعة أصدقاء أعتمد عليهم في مساعدة من حطّ بهم الدهر. وعلى رأس هذه اللائحة صديقي وخياري السياسي في لبنان، الرئيس نبيه بري. ويسألني كثيرون على طريقة أهل بلادنا: «شو في بينك وبين الرئيس بري»؟ الجواب سهل: ستون عاماً مودة.

على شرفة فيليب سالم يبدو لبنان بلداً بلا هموم. فقط سهول من الزيتون، وصنوبرات عالية لها فيء الغابات. يعود ويكرر، هذه المرة بلا ضحك وبكل جديّة: «لا تحل هذه الفرصة دائماً. أريد أن أسمع رؤيتك الحقيقية للبنان».

قلت: «الحديث في السياسة اللبنانية سوف يخفض مستوى اللقاء. وسوف نغرق في أسماء ومواقف ضحلة. وأنا أتمنى أن نفيد من وجودك في قضايا لها معنى. ماذا تعني لك هذه الحياة وأنت في هذا الحقل من العلوم؟ كيف نرد أحزاننا عنا؟ أمس فقدنا جورج زاخم. كنا نعتقد أن الغلو في الطيبة يطيل الأعمار. لكن في لحظة تنتهي هذه السيرة ما بين هذه القرية البسيطة والإمبراطورية التي بناها هذا الرجل الوديع القلب. الحياة أحجية».

****

الدكتور الراحل مصطفى محمود، الطبيب المصري غاص هو أيضاً في السياسة، وكرس جزءاً كبيراً من حياته لعمل الخير. أسأله: «هل خالد على خطى أبيه في المبرات؟». يضحك عالياً: «ما نفعه إذا كان فقط مثل أبيه. إنه الآن منهمك في جمع تبرعات لإنشاء مؤسسة خيرية، وقد جمع لها لغاية الآن تبرعات بمائة مليون دولار»!

أقول لأبي خالد: «من زمن وأنا أحب أن أطرح عليك سؤالاً وجدانياً. الشائع أن الإنسان كلما ازداد علماً ساورته شكوك، بينما أنت تزداد إيماناً ودعوة للتقرب من الخالق». قال: «هذه وظيفة العلم الطبيعية. أن ينير أمامك الطريق إلى معرفة الله. طبعاً هناك فريق آخر. الفريق الذي يقول إن الكون وُلد من (الانفجار الكبير)، (البيغ بانغ). هذه ترهات. من شاء أن يقتنع بها فليفعل. أنا كلما ازددت علماً، ازددت إيماناً».

يروي البروفيسور فيليب سالم قصة مثيرة عن النائب والسياسي حبيب صادق، الذي فقده أخيراً أهل الخلق في لبنان. قال: «كان حبيب صديقاً من أيام الجامعة الأميركية. وذات يوم جاء إلى عيادتي في الجامعة من دون موعد مسبق، وكان وجهه شاحباً بوضوح. دخل مباشرة في الموضوع.

قال إنه تم تشخيص إصابته بالسرطان، وإنه لن يعيش أكثر من ثلاثة أشهر»، ثم أكمل: «أنا لم آتِ إليك لمساعدتي في العلاج، بل لمساعدتي على ألا أموت مهاناً. أريد منك أن (تساعدني في الانتحار)».

يتابع: «قلت للرجل أمامي أنا أفهمك تماماً. لكن مهنتي العلاج – لا القتل. صحيح أن هذا ما قاله لك الأطباء. لكن الله سبحانه لم يقل كلمته بعد».

يقول الدكتور سالم: «يعلمك العلم التواضع». لم أتحدث إلى عالم كبير إلا تحدث معتذراً عن محدودية معرفته في الاختصاص الذي أمضى فيه 50 عاماً. لذلك، أهم شيء في الطب هو البحث. التقدم يكون في الأبحاث فقط. قلت له، قبل أيام كنت أقرأ للدكتور محمد أبو الغيط، أحد كبار علماء مصر، وكان يقول الشيء نفسه.

العلم الحقيقي هو الجديد. ما نفع أن تكتفي بما وضعه لنا ابن سينا على أهميته؟ وأين كانت حال الإنسان اليوم من دون اللقاحات؟ وأين كانت ستصبح كوارث «كورونا» الآن لولا التوصل إلى علاج؟

****

وفاة النائب السابق حبيب صادق بعد معاناة مع المرض

قبل أن يكمل فيليب سالم حكاية النائب حبيب صادق مع الانتحار، يقول، الأرجح أن كل العلوم في بدايتها، مثلاً، اكتشفنا الخلية البشرية، ثم اكتشفنا ألف خلية. ولا نعرف إلى متى سوف نظل نكتشف. وإذ ينخطف الإنسان أمام هذه المذهلات ينصرف القاصرون إلى نظريات مثل البيغ بانغ. وحده الخالق سبحانه قادر على كل شيء.

نعود إلى حكاية حبيب صادق. خرج الرجل من عيادة فيليب سالم، فبدأ هو الاتصالات مع المراكز الطبية. وفي اليوم التالي، اتصل بصديقه وقال له: مرّ بي الآن. لقد اخترعوا دواءً يمكنك من العيش عامين. وخلال العامين عشرات المختبرات على علاج يؤدّي إلى الشفاء الكامل. وقد عاش «طالب الانتحار» بعدها إلى الرابعة والتسعين.

شام إف إم | وفاة البطريرك إغناطيوس الرابع هزيم

يروي فيليب سالم حكاية أخرى في باب «العلم والإيمان»، كما سماه مصطفى محمود. قصة بطريرك الطائفة الأرثوذكسية أغناطيوس هزيم. تقرر إجراء عملية قلب للرجل في «مايو كلينك»، وطلب من سالم مرافقته. وفي المستشفى قال رئيس الأطباء، على الطريقة الأميركية الفجّة: «أعتقد أنه لا داعي للجراحة لأن نسبة نجاحها صفر». وقال هزيم فلنجرب ونتكل على الله.

أجريت العملية ودخل الرجل في غيبوبة. ثم أجريت له عملية ثانية وثالثة، وقال الطبيب الأميركي في شماته: ألم أقل لكم؟ صفر... اقترح فيليب سالم محاولة أخرى ونقل المريض إلى هيوستن. عاش البطريرك هزيم بعد تلك العملية 30 عاماً. ولما جاء إلى «مايو كلينك» بعد حوالي 10 سنوات للفحص، التقى الطبيب الأميركي في ردهة المستشفى. وكان على كرسي نقال. أي الطبيب.

امتدت الجلسة مع «أبو خالد» أو «أبو خلودة» إلى ما بعد العصر. يبسّط لك العلم بحيث لا يعود ممكناً ألا تستوعب ما يشرح، ويبسط الإيمان على طريقة مصطفى محمود. وكما بنى الطبيب المصري مسجداً في حارته، يبني الطبيب اللبناني مدرسة في بلدته. ليس فقط لأهلها، بل لكل من يشاء.

في هذا البيت كل شيء قديم. لقد كان المنزل الوالدي من قبل. الكراسي قديمة، الطاولات وصور الأبوين والجدود. والعمال هنا من «كل لبنان» أي «باللغا اللبنانيي» من جميع الطوائف. وجميع المناطق. وقد حزرت أن الطباخة من منطقنا عندما جاء دور المقليات على الطاولة: الباذنجان والبطاطا والكوسى. دوائر دوائر، ورشة ملح متفرقة وارد ملّاحات طرابلس القريبة. وفيليب سالم «يصب» لضيوفه من «طيبات ما رزقناكم». و«أما بنعمة ربك فحدّث».

إلى اللقاء...

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment