متى ينتهي الهجوم الأوكراني المضاد؟‎

07/10/2023 - 10:40 AM

Atlantic home care

 

 

م. ميشيل كلاغاصي‎ 

 

منذ شباط العام الماضي حتى اليوم، لم تستطع كافة أشكال الدعم الغربي تعديل كفة التفوق العسكري والسياسي والإعلامي لصالح ‏القوات الأوكرانية وسلطات كييف، كذلك لم تستطع إقناع أحد بإمكانية تحقيق أي إنتصار أوكراني واضح ومؤثر، بمن فيهم ‏الولايات المتحدة وقيادة الناتو والإتحاد الأوروبي، والعالم الغربي عموماً، إنتصار يكون قادراً على منح الأمل بضرورة استمرار ‏الدعم والقتال، واستمرار الرفض الأوكراني للحوار والتسوية والتفاوض، بضغوط وعراقيل غربية معلنة، لإنهاء المواجهة ‏متعددة الأوجه والأهداف‎. 

وبالرغم من ذلك، علقت حكومة كييف، وبعض الدول الأوروبية اّمالاً جديدة على ما أُطلق عليه "الهجوم المضاد"، وبعد الإستعداد ‏الجيد وتلقي كييف مختلف أشكال الدعم بما فيها الأسلحة النوعية، والأموال الباهظة، ناهيك عن الإصطفاف الغربي غير المسبوق ‏ضد روسيا، وبالفعل بدأ الهجوم المضاد في 4 يونيو/حزيران، وتكبدت من خلاله القوات الأوكرانية الخسائر العسكرية والبشرية ‏المؤلمة، ومع ذلك لا زال المشهد يتكرر بشكل يومي، وبدا وكأنه بلا نهاية، الأمر الذي يدفع للتساؤل، إلى متى سيستمر هذا ‏الهجوم الفاشل، وعلى ماذا تراهن حكومة كييف ومن ورائها ؟‎. 

لنعد قليلاً إلى عام 2022، وإلى الأشهر الأولى لبدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، حيث تم رصد إلتفاف ‏غالبية الشعب الأوكراني حول فكرة "الدفاع عن الوطن"، ولم يواجه الجيش الأوكراني أية صعوبات لجلب المتطوعين وفي ‏التعبئة لمقاومة "الغزو الروسي"، نتيجة تأثر الشارع الأوكراني بالضخ الإعلامي المضلل، وبالتقليل من القدرات العسكرية ‏الروسية، فضلاً عن المبالغة في التقديرات والتوقعات الغربية للتصدي والتحدي، بالإضافة إلى الخطاب عالي النبرة للرئيس ‏الأوكراني وأركان حكومته‎. 

وساهم التراجع الروسي المفاجئ في خريف عام 2022، وتقدم القوات الأوكرانية نحو خاركييف، بالتوازي مع انسحاب القوات ‏الروسية من خيرسون، في دفع معظم المواطنين الأوكران للإعتقاد بأن روسيا وقعت في الفخ، وبأن العقوبات الغربية فعلت فعلها ‏في استنزاف الإقتصاد والإرادة الروسية، الأمر الذي منحهم الشعور بإقتراب النصر‎. 

لكن، ومع خلال الأشهر الأولى لعام 2023، أصيب المجتمع الأوكراني خيبة أملٍ كبيرة، تبخرت معها اّمال الإنتصار، ووجدت ‏القوات الأوكرانية نفسها تخوض معارك دفاعية ضارية على تخوم باخموت، وسرعان ما انتقلت إلى ما بعد باخموت، وسط ‏التقديرات الخاطئة للرئيس زيلينسكي، ووقع ما لم يكن بحسبانه، وأدخل قواته في أتون ما دعي بـ " مفرمة لحم"، التي أدت إلى ‏القضاء على أعداد كبيرة من جنوده، وإلى أسر عددٍ اَخر، وبموجة هروب جماعي لأهالي المنطقة بما فيهم الرجال والشبان، ‏بالتوازي مع ارتفاع أصوات جنرالات زيلينسكي حول صعوبات التعبئة وتعويض خسائر الجنود في صفوف القوات الأوكرانية، ‏وتم اللجوء إلى ملاحقة الشبان في الشوارع، وزجهم في المعارك بدون تدريب وأحياناً بدون زي عسكري موحد، في محاولة ‏للتمسك ببعض المواقع على أطراف باخموت‎. 

تبدو الضربة العسكرية القوية التي تلقتها القوات الأوكرانية في باخموت، قد نالت أيضاً من معنويات القوات الأوكرانية والشعب ‏الأوكراني، لكن الإعلام المضلل الموجه، حاول التركيز إمكانية الإنتقام، وتحقيق الإنتصار في الهجوم المضاد، بعد تأمين الألوية ‏المدربة وووصول دفعةً جديدة من الأسلحة الغربية النوعية والحديثة، بما يضمن إلحاق الهزيمة بالقوات "الغازية"، وبأن الهجوم ‏الصيفي سيشكل نقطة تحول في المعركة الميدانية، وسيكون واسع النطاق على طول خط المواجهة بكامله‎. 

وبالفعل بدأ الهجوم المضاد في 4 يونيو/حزيران، لكنه سرعان ما تحول إلى مفرمة لحم أخرى، فاقت نتائجها مفرمة باخموت، ‏بعد أن تقهقرت الكتائب والألوية التي عُلقت عليها الآمال، وبدأت تتبخر مع صور الأسلحة الغربية الحديثة المدمَرة، وخصوصاً ‏الدبابات الألمانية الحديثة، التي بدت كعلب كرتونية متفحمة أمام خطوط الدفاع الروسية، الأمر الذي أدى إلى إنهيار الروح القتالية ‏للقوات الأوكرانية وآمال الشعب الأوكراني في النصر، ومن خلال ردة الفعل الشعبي الساخطة، حاول البعض الإعتداء على ‏الجنود العائدين، وانسحبت الشرطة في العديد من المدن الأوكرانية والتي كانت تشارك في عمليات التعبئة‎. 

في ظل هذه الظروف، بات الرئيس الأوكراني في وضعٍ لا يحسد عليه، وسط مقترحات جنرالاته لوقف الهجوم الفاشل، وأقله ‏للحفاظ على القدرات الإحتياطية، وحياة ما تبقى من الجنود، والتحول نحو استراتيجية الدفاع المرن والمناورة، لكسب الوقت ‏لحين وصول الدفعة الجديدة من الدعم والمساعدات الغربية، بما في ذلك الطائرات الحربية المقاتلة، التي تضمن ظهوراً محدوداً ‏للقوات الأوكرانية على خطوط التماس، وبما يضمن تأجيل صورة الإنهيار التام‎. 

ومع ذلك، ولا يزال في أوكرانيا من يعتقدون بحدوث المعجزات، وبأن أوكرانيا ستنتصر، ومنهم من يراهن ضرورة استمرار ‏الصمود والقتال، لحين عقد قمة الناتو القادمة، التي ستحدد النهاية "السعيدة" بقبول عضوية أوكرانيا، أو بالنهاية "الحزينة" ‏للمغامرة الأوكرانية‎. 

من الواضح، أن أوكرانيا لم تصل بعد لإكتشاف حقيقة الولايات المتحدة والناتو والإتحاد الأوروبي، وبأنهم مستمرون لأجل ‏مصالحهم في مواجهة روسيا حتى اّخر أوكراني، وبأنه لن تصل جحافل القوات الأوروبية للدفاع عن أوكرانيا، أو لمؤازرتها في ‏الهجوم المضاد، وبعدم استعدادهم لتدمير دولهم وجعلها ساحات قتال من أجل أوكرانيا، والأهم بأن بحث الأوروبيين عن السلام ‏ووقف الحرب وقبول التفاوض، لا يعني قبول واشنطن بها، فأهدافها تتخطى أوروبا والأوروبيين، وعينها على إحتواء روسيا ‏والصين بأي ثمن، وبمنع إلتقاء معارضي إدارة بايدن في الداخل الأمريكي مع المعارضة الأوروبية لسياساتها الخارجية، ‏بالإضافة إلى أنها لن تمنح موسكو والرئيس بوتين فرصة النصر تحت أي ظرف‎. 

فالولايات المتحدة أطاحت بحليفها بوريس جونسون، الذي جاهر بسعيه لتدمير روسيا وإقتصادها بشكل كامل، بالإضافة إلى ‏علاقته مع الرئيس الأسبق دونالد ترامب ومجموعة النخب ومؤيديه في أمريكا، ولذات الأسباب نالت جورجيا ميلوني الحظوة ‏الأمريكية على حساب غالبية الأطراف السياسية في إيطاليا، وتم الإحتفاظ بماكرون وشولتز مؤقتاً لمعاقبة أوروبا وتحميلها ‏مسؤولية الهزيمة، لحين تبلور القرار الداخلي الأمريكي بتبرئة إدارة بايدن وتحميلها مسؤولية الفشل، وأن الرئيس زيلينسكي لم ‏يظهر من القدرات بما يكفي لهزيمة روسيا، وبتهرب وهروب جنوده من التعبئة وساحات المعارك، ووبأنهم يختارون الأسر على ‏التقدم والنصر، وكل ذلك يأتي على حساب الإستراتيجية الأمريكية لإطالة أمد الحرب، الأمر الذي يحلم به ترامب وكلينتون وبقية ‏الجوقة الجائعة، التي فاتتها الموائد المفتوحة على حساب الأزمة الأوكرانية‎. 

وما بين الجمهوريين والديمقراطيين في الولايات المتحدة، يبقى السؤال متى ستنتهي الأزمة الأوكرانية ؟‎.‎

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment