إتفاق الطائف: ظروفه – بنوده – من الغاية من تعطيله ؟!

07/10/2023 - 09:17 AM

Arab American Target

 

                 

بسام ن ضو

 

شهد لبنان مرحلة تاريخية دامية دامت أكثر من عشرين سنة وتوّجتْ هذه الحرب الضروس بما عُرِفَ ب"حرب الأخوّة" التي إستعرت بين المكوّنات المسيحية والتي أسفرت عن دمار وتشريد ألوف اللبنانيين إضافةً إلى خسارة كبيرة في الممتلكات جرّاء عمليات القصف المتبادلة بين الأخوة المتقاتلين... إنها حرب مُدمِّرة انهكت الإقتصاد الوطني وقسّمت اللبنانيين عمومًا والمسيحيين خصوصًا والمورانة تحديدًا إلى قبائل متناحرة ما زالوا يدفعون ثمنها لغاية اليوم،وكأنّي بشعب لبنان لم يستقف من تلك الكارثة لا بل أراه متعلقًا بزعامات كانت السبب في بلوته على كافة المستويات.

ما زال هذا الإتفاق رغم مرور حوالي ثلاث وثلاثين سنة يُشكّل المرجعية الأولى للإستقرار السياسي والأمني في لبنان ومحاولة حثيثة لتثبيت وحدة اللبنانيين فيما بينهم. وبكوني باحث في الشؤون السياسية والإستراتيجية لاحظت أنّ هناك قيمة سياسية قانونية دستورية حظيَ بها هذا الإتفاق والذي بات وثيقة دستورية شاملة على كافة المستويات السياسية – الأمنية – الإقتصادية – المالية – الإجتماعية. حريٌ القول أنّ هذا الإتفاق وُلِدَ بدعم دولي إقليمي ولكن للأسف هذين الدعمين لم يستطيعا تحصين الإستقرار والإستمرار بسياسة ناشطة وفاعلة هدفها إعادة لبنان إلى الخريطة السياسية العربية الإقليمية والدولية والسبب في ذلك فيمن توّلوا تطبيق هذا الإتفاق.

جاء ما حرفيته في مؤتمر القمّة العربي غير العادي المنعقد في مدينة الدار البيضاء (المملكة المغربية) أيام 17 و20 شوال 1409 ه الموافقة لـ 23 و 26 أيّار 1989 م في البند الثالث ما حرفيته " وإذْ يُعبِّرْ عن بالغ إنشغاله بالتصعيد الخطير الذي تشهده الساحة اللبنانية وما أدّى إليه من خلـو سدّة رئاسة الجمهورية، وتعطل السلطة التشريعية، وإنقسام السلطة التنفيذية، ثم تجدُّد الإقتتال الدموي على الأرض اللبنانية " كما جاء في البند السابع ما حرفيته " وبعد إطلاعه على التقرير المقدم من اللجنة الوزارية الخاصة بالأزمة اللبنانية، عن نتائج أعمالها وإتصالاتها مع الأطراف اللبنانية، وعلى توصياتها من أجل تحقيق الوفاق الوطني ".

وبناء على ما تقدّم صاغ المؤتمرون بنودًا سبعة أهم ما جاء فيها " مطالبة كافة الأطراف اللبنانية بإحترام وقف إطلاق النار وفق قرار مجلس الجامعة العربية الصادر في 27 نيسان 1989 " كما " إدانة الإعتداءات الإسرائيلية المستمرّة على الأراضي اللبنانية وضروة تطبيق قرارات مجلس الأمن وبخاصة القرار رقم /425/ الصادر في العام 1978..." من الملاحظ أنّ الأطراف اللبنانية لا تُجيد القرأة المتأنية لأي حدث سياسي وإنّ التاريخ يُعيد تسلسل أحداثه تلقائيًا والسبب هو تلك الممارسة السياسية الفاشلة والحاقدة والتي لا تعي أي أهمية للعمل السياسي ومندرجات "علم السياسة" وعلاقات لبنان العربية والدولية.

للتأكيد وإستنادًا لوثيقة صادرة عن مجلس الأمن الدولي فقد أقّرَ في بيانيه المؤرخيّن في 7 تشرين الثاني 1989 و 22تشرين الثاني 1989، مضمون إتفاق الطائف واللذين أكد فيهما دعمه لبنود هذا الإتفاق كافة والذي أكد على ضمان سيادة لبنان الكاملة وإستقلاله وسلامة أراضيه والوحدة الوطنية فيه. كما أنّ هذا الإتفاق حظي بموافقة ودعم الإتحاد الأوروبي والذي كرّر تأكيده على تشبثه بإتفاق الطائف " وعدم وجود بديل وذلك في الظروف الحالية للعملية التي يرتئيها الإتفاق من أجل تحقيق الوفاق الوطني والسلام ". المفارقة أنّ كل الأمم أجمعت على أنّ هذا الإتفاق هو المدخل الرئيسي لإتمام عملية السلام إلاّ ساسة لبنان.

للأمانة كنتُ وفريق من الرفاق المناضلين المُتابيعن عن كثب لظروف ولادة إتفاق الطائف وكُنا نقوم بزيارات متتالية للصرح البطريركي الماروني حيث كُنا نتشارك وصاحب الغبطة وسيادة المثلث الرحمات المطران رولان أبو جوده ما يتم تناقله من أخبار عن هذا الإتفاق وبنوده والظروف التي نشأ فيها وآلية تطبيقه، وغالبًا ما كُنّا نُلاحظ أنّ لدى البطريرك وسيادة المطران مخاوف كبيرة من نتيجة عدم تطبيقه وفقًا للأصول والتي كانت تحصل من قبل سلطات الأمر الواقع والهدف كان إفشال هذا الإتفاق... وغالبًا ما كان الصرح يتعرّض للضغوط الداخلية – المحلية والإقليمية والدولية وكانت الضغوط تتمحور بين الرفض والقبول، والبطريرك كانتْ أهدافه تفادي الإنقسام العامودي فيما بين المكوّنات اللبنانية – اللبنانية والمكوّنات المسيحية – المسيحية وتحديدًا المارونية – المارونية والتي تتزامن مع معارك دموية وتدمير وخراب...

وفي أحد اللقاءات وربما كان يوم 22 تشرين الأول حين تسلّم البطريرك وثيقة اللجنة الثلاثية معدّلة بحسب الإصلاحات التي أدخلتها عليها سوريا بناء على طلب السعوديين الذين كانوا قد تسلّموها من النواب المسيحيين بمطالبهم... وكان الوسيط في حينه النائب المرحوم جورج سعاده الذي طالب غبطة البطريرك بتسليمها إلى أعضاء الجبهة اللبنانية في حينه... لكن البطريرك صفير المشهور بحذره رفض إعطاء أي تصريح بهذا الخصوص وإكتفى بالقول " على النوّاب تحمُّل مسؤولياتهم".

للذين يُحورون الوقائع إنّ الفاتيكان كان داعمًا للعماد عون وكان ضد سياسة بكركي الصح تدخّل في حينه لإقناع العماد عون بالسير بالحل عكس ما تسوقه بعض الأقلام التي تسعى جاهدة إلى التضليل الممنهج، إضافة لذلك ورغم معرفة البطريرك المسبقة وبالجو المتوتر بينه وبين العماد عون لم يتوان البطريرك بالتوجه إلى بعبدا في محاولة لرأب الإنقسام اللبناني وخصوصًا المسيحي، لكن عون بقيَّ مُصرًا على الرفض المطلق وفي حينه رشحت معلومات عن أنّ العماد عون يوفد مسؤولاً لبنانيًا رفيع المستوى إلى دمشق لمحاورة الأسد وفق أجندة كانتْ تعدّل ذهابًا وإيابًا... ولن نخفي سِرًا وإستنادًا لوثائق نحتفظ بها مفادها أنّ بعض أركان الجبهة اللبنانية كانوا قد وافقوا على المساعي التي يقوم بها الفاتيكان وغيره من الدبلوماسيين والتي كانتْ تتعنون تحت " إنهاء الحرب" حيث إستند هؤلاء إلى صعوبة المرحلة وخطورة التصعيد وتعنُّتْ العماد عون في حينه...

لكل من يُحاول ضرب مصداقية الصرح البطريركي ماضيًا وحاضرًا إليكم أيُّها الرأي العام ما قاله البطريرك صفير في حينه " لا يُمكننا ولا نريد أن نُدافع عن الوثيقة، لكننا إستنادًا إلى ما قاله النواب الذي زارونا في روما، نقول إنّ الوثيقة قالت ب لبنان وطنًا نهائيًا... " وأزيد أنه في آخر زيارة للسفير البابوي في حينه "بابل بوانتي " للعماد عون حيث أبلغه رفض الفاتيكان " مسألة حل مجلس النوّاب " كما أعلم السفير بكركي بالزيارة وظروفها وما تلقاه من جواب. أضف إلى ذلك ما تضمنته الوثيقة التالية " بعد زيارة السفير بابل بوانتي قصر بعبدا ولقائه العماد عون سئل عن رأيه في الوثيقة العربية فأجاب أعتقد أنّ هذا الموضوع لبناني وعلى اللبنانيين إعطاء الجواب ومن الطبيعي أننا درسنا في التفصيل هذه الملف من ناحيتي الشخصية أو في الفاتيكان ونعتبر أنها بداية مسيرة الحل التي نراها مهمة وضرورية وكما تعرفون أن لنا ملء الثقة بالمبادرة العربية ونأمل أن تبدأ هذه المسيرة في صورة حقيقية وجدية..."

إنّ الطائف أتى على دم اللبنانيين عامةً ونتيجة لسوء إدارة سياسية وأنانية القادة، ومن توّلوا العمل السياسي منذ الحرب ولغاية اليوم يفتقرون إلى العمل السياسي المنتج، وأثبتوا أنهم قادة غير جديرين بتحمّل المسؤولية وإنهم فشلوا ويضعون الملامة على الآخرين... هم قادة هدفهم الكرسي والتنعُّم بخيراتها... ضلّلوا الرأي العام وكابروا وكانوا السبب في تقليص صلاحيات رئاسة الجمهورية ويدّعون اليوم أنهم" منقذي لبنان وحماة المسيحيين، ويفبركون الأكاذيب بحق بكركي التي أعطيَ لها مجـــد لبنان. فصول التعطيل والتهميش والمساومة وتجيير السيادة والبيع والشراء كانتْ من صنع أيديهم وما زال التاريخ يُعيد نفسه، فإلى متى السكوت ؟ !

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment