د. فهيم عبدالإله الشايع
" متى أطمئن الإنسان وضمن جانب شخصاً معين أو موضوعاً معين أهمل حدود التصرف معه، فالاطمئنان والضمان أمران مطلوبان في العلاقات – بشكل عام – لكنهما كفيلان بالوصول إلى النهاية في أسرع وقت . . . . ."
انطلقت - قبل أسبوعين - الغواصة السياحية (Titan) وهي تحمل داخلها خمسة أشخاص إلى أعماق المحيط الأطلسي في رحلة سياحية سريعة لمشاهدة حطام السفينة (Titanic) الراقدة في قاع المحيط على عمق (3810م) منذ عام 1912، إلّا أن هذه الرحلة انتهت بكارثة مفجعة التفت إليها العالم أجمع([1])، وما يهم مقالنا هو تداول أخبار عن شرط معفي من المسؤولية للشركة المالكة للغواصة أعلاه (Ocean Gate) التي ضمنته الاقرار الموقع من قبل المغامرين، ومدى حجية هذا الاقرار أمام القضاء ؟ ومدى حصانته أمام ذوي المجنى عليهم ؟
توزع بعض الفقهاء القانونين بين موقفين بشأن الاتفاق على الأعفاء من المسؤولية بشكل عام فذهب رأيٌ إلى عدم جواز الاتفاق على الأعفاء من المسؤولية؛ لأنَّ وصول العقد إلى هذه المراحل يدل على عدم وجود الإرادة الحرة التي يفترضها المشرع عند التعاقد بين طرفيه، بينما ذهب أغلبية الفقهاء إلى امكانية الاتفاق على الأعفاء من المسؤولية، وفرقوا بين المسؤولية التقصيري والعقدي، فبينما عُد غير جائز الاتفاق على الأعفاء من المسؤولية التقصيرية – عند أغلب المشرعين -؛ وذلك لعدم اطلاق يد أصحاب الفعل الضار إلى الاضرار دون مسؤولية تطالهم، وهذا التسبيب والتفسير هو الأصلح لتحقيق العدالة، بينما نجد أنَّ الموضوع يختلف عند الحديث عن المسؤولية العقدية، إذ يهتم أغلب المشرعين لفسح المجال أمام إرادة المتعاقدين لما تشكله حرية هذه الإرادة من انتاج الوضع العادل المفترض؛ لذا يعدُ إعفاء المتعاقد من المسؤولية العقدية أمرٌ مرتبط بإرادتهما، فلا شك أنَّ الأفراد يدركون حقيقة مصالحهم، وهم أقدر على تنظيم علاقاتهم، فقد يرى الدائن أن مصلحته في قبول بند برفع مسؤولية المدين، إذا كان ما يحصل عليه في مقابل الرضاء به، يفوق في نظره الضرر الذي يحتمل أن ينجم عنه، وهذا كله يعود إلى الجملة العظيمة التي تربط العقد بالعدل، فمن قال عقداً قال عدلاً.
بالنظر بوجه عام إلى الخدمات المقدمة من قبل الجانب المهني نجدهم حريصون كل الحرص على حماية أنفسهم وتأمين جانبهم العقدي، وهذا ما جعل مقدمي الخدمة يبرمون عقوداً طويلة ومتشعبة البنود لحماية مصالحهم، بالتالي يُمكن تصنيف هذه العقود على أنَّها عقود إذعان حتى إذا لم يعدها القضاء كذلك، وهذا ما نلحظه في عقود شركات الاتصالات وعقود البنوك والمستشفيات وغيرها من العقود، وفي الحقيقة ما يهمني في هذه المقال هو الاتفاق على الاعفاء من المسؤولية الذي قد يصل إلى موضوع الموت، كما حصل في الغواصة (Titan)، إذ قامت الشركة المشغلة للغواصة ( Ocean Gate) وبداعي أنَّ مغامرة الغوص داخل أعماق المحيطات يجعل من حدوث الموت أمرٌ متوقع، فأستحصلت في رحلاتها الثلاث على اقرار من المتعاقدين معها يقضي بأعفاء الشركة من أي مسؤولية عند تعرضهم لأي خطر، حتى لو كان هذا الخطر هو الموت .
تحدثت وكالة (CNN) عن لسان أحد خبراء ( Ocean Gate) السابق أنَّ الغواصة تعاني من أخطاء في هيكلها من حيث المواد المصنعة وقابلية تحملها للضغظ الذي يسببه الماء، وكذلك عن أمورٍ تتعلق بالترخيص، وبعيداً عن هذه الأخطاء أجد أنَّ ترك خمسة أشخاص يواجهون أسوء مصير يُمكن تصوره، فقط لكون هذه الشركة أرادة أن تأمن جانبها القانوني أمرٌ يبتعد عن العدالة العقدية بالقدر الذي يقترب من الظلم، ومن غير الممكن أن يُعتد بهذا الأقرار لأمور متعددة، يُمكن تناولها وفق محورين: الأول قبل حدوث الكارثة، إنَّ الاتفاق على على الأعفاء من المسؤولية أمرٌ يخالف النظام العام للقواعد التي تحكم المسؤولية بشكل عام، وبالتالي هو أستثناء ولا يجوز التوسع فيه، لذا فيجب أن تُحمل جميع العبارات الواردة فيه على محمل الاستثناء والتقييد هذا من جهة، من جهة آخرى الأعفاء من المسؤولية عن موضوع يصل إلى الموت أمرٌ يتعدى تعلقه بالمتعاقدين، وهو موضوع يمتد إلى خلفهم، أمَّا المحور الثاني من خلال الحقائق المسجلة من قبل خفر السواحل، هو تأخر الشركة بالأخبار عن خروج الغواصة المنكوبة عن السيطرة وغيابها عن الرادار وانقطاع التواصل، إذ قامت بالأخبار بعد مرور أكثر من 9 ساعات، والزمن – كما هو الحال في حياتنا البشرية – يُعد أمراً محورياً وأساسياً، ليشكل هذا الفعل – من وجهة نظري – خطاً جسيماً يهوي بشرط الأعفاء من المسؤولية إلى قاع الإهمال ليعد العقد دون هذا الشرط، كذلك عندما يصل شرط الأعفاء من المسؤولية إلى حد الموت فما هي القيمة القانونية للأخطاء التي يُمكن تحميلها للشركة أعلاه – إذا ما تجنبنا الغش والخطأ الجسيم – أتحدث عن أخطاء فنية في الصناعة وأخطاء إدارية في الرحلة، وأخطاء في سوء تقدير الوضع، والمجازفة بأرواح الركاب، عن أخطاء في شروط السلامة والآمان وفي شروط الترخيص، هل من المعقول كل هذا يتهاوى أمام سطوة المال ؟ هل نحن جميعاً واقعيون إلى هذا الحد ؟
في الحقيقة لا تتكرر كثيراً عقود الغوص إلى هذه الأعماق، وفي مجتمعنا توجد مثيلات لهذه العقود – في العقود الطبية – إذ نجد حرص المستشفيات الأهلية والخاصة على تأمين جانبها القانوني قبل البدء بأي مساعدة طبية، متناسين أنَّ المهنة هي إنسانية قبل كل شيء، فنجد كثيراً من الأوراق والإقرارات يطلب من المريض أو ذويه التوقيع عليها، وتجد أنَّ الفريق الطبي أو الطبيب الجراح وحتى الطبيب المخدر يضعون شرط الأعفاء من المسؤولية حتى إن وصل الأمر إلى الموت.
متى أطمئن الإنسان وضمن جانب شخصاً معين أو موضوعاً معين أهمل حدود التصرف معه، فالاطمئنان والضمان أمران مطلوبان في العلاقات – بشكل عام – لكنهما كفيلان بالوصول إلى النهاية في أسرع وقت، لذا لا يجوز أن يصل الشرط المعفي من المسؤولية - بأي شكل من الأشكال - إلى الموت؛ لأنَّ الموت أمرٌ يخرج عن حدود إرادة الدائن، إذ يقع في منطقة لا تصل إليه إرادته، وبالتالي فاقد الشيء لا يعطيه، وما أود أن أختم به هذا المقال إنَّه مما لا شك فيه موضوع مثل الغوص أمرٌ ترفيهي وغير ضروري لا يُمكن أن يكون للموت تصوراً فيه، وعلى المسافة نفسها أو إذا أردنا عدلاً أقل منها رفضاً لكنها تبقى مرفوضة، تلك العقود الطبية التي تصل بالشرط المعفي من المسؤولية إلى موضوع كالموت، حتى ولو كانت حياة الدائن في خطر، وإن بدا هذا الكلام مبتعد عن الواقع فهذا أمرٌ ليس جوهري بقدر ما يجب أن يكون الأمر قريباً من العدالة، ونحن يجب أن لا ننسى أن تدخل الطبيب على أجسامنا هو أستثناء وليس أصل وبالتالي يبقى الاستثناء قائماً متى كان مرتبطاً بالسلامة، ولكن دخول الحديث قرب حدود الموت ينسف الاستثناء جملة وتفصيلا.
*خبير قانون معتمد
دراسات خاصة في الفلسفة
باحث في مقارنة الأديان
[1] ) يثيرني هذا الالتفات – لما يحمله من رسائل قد تكون عنصرية - أمام تجاهل حدث غرق مهاجرين قبالة السواحل اليونانية، فبينما هرع غفر السواحل الأمريكي وفرق وسفن انقاذ فرنسية وكندية وانكليزية، كانت الفرق وغفر السواحل بعيدة كل البعد عن انقاذ المهاجرين وتقديم المساعدة لهم، حتى المجتمع العالمي ومواقع التواصل تباين تفاعلها أمام المشهدين، ولعل التباين هنا مسبب قد يكون السبب وراء حجم التفاعل مع الغواصة هو ارتباطها بقصة الغواصة (Titanic) أو النهاية المأساوية التي يصورها العقل البشرية عندما يتخيل الانبجار - الانفجار نحو الداخل - داخل غواصة لا يتعدى طولها 7 م، أو هي العنصرية للمال التي نعيشها بكل معانيها .











07/02/2023 - 12:32 PM





Comments