عبد الملك خليل وسيرة مراسل صحفي غير عادي

06/25/2023 - 10:10 AM

Your Ad Here

 

 

 

بقلم: ألفة السلامي

استضاف البيت الروسي بالقاهرة مائدة مستديرة بعنوان "من الكرملين إلى الأهرامات: تحية لذكرى عبد الملك خليل". وهو من الشخصيات "غير العادية" في عالم الصحافة الذين يستحقون الوقوف عندهم واستحضار محطات رحلتهم. وإضافة للمغزى السياسي لسيرته باعتباره من قيادات اليسار في جيله وانضم في شبابه لإحدى تنظيماته، وهي الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو)، إحدى المنظمات الشيوعية المصرية (1944-1965)، ودخل السجن بتهمة الانضمام للحركة عندما كان طالبا، إلا أن ما يستوقفني أكثر ذلك العمق في شخصيته ومسيرته الإنسانية وكيف كان نموذجا للفرد الذي استطاع أن يحقق مكاسب بالمعنى الإنساني الشامل تتجاوز شخصه وأسرته إلى مجموعات بشرية أكبر، قد تعجز أجهزة دول ومؤسساتها عن تحقيقها. وهذا ما نشير إليه عادة بتنمية الموارد البشرية ودور الفرد المؤثر في علاقته بالمجموعة بحيث يستطيع أن يقودها إلى مستوى من النجاح والتواصل المثمر أبعد من أهدافها المحدودة.

هكذا كان عبد الملك خليل نموذجًا مؤثرا في تاريخ العلاقات الروسية المصرية، وحلقة وصل بين شعبين وثقافتين بفضل شبكة علاقات واسعة من الأصدقاء في البلدين. ساعده تكوينه الفكري في هذه المهمة وكذلك عناصر أخرى، منها حبه وزواجه من شريكة حياته السوفياتية في أواخر الستينات، ما جعله قريبا من المجتمع السوفييتي، إضافة لإجادته اللغة الروسية، وترأسه على مدى 36 عامًا لمكتب صحيفة الأهرام في موسكو بعد أن عمل في بداية حياته صحفيا في المساء ثم الأخبار.

وارتبط بعلاقات وطيدة مع كبار المسئولين وصناع القرار الروس. وشكل منبرًا لدى عدة أجيال من القراء للاطلاع على ما يدور في الاتحاد السوفيتي ثم روسيا والعلاقات التي تربطها مع مصر والعالم العربي في وقت كانت وسائل الاتصال شحيحة. وكانت الأهرام الصحيفة المصرية والعربية الوحيدة تقريبًا التي تغطي بانتظام الأحداث السوفييتية. وكان ليفون كشيشيان من الجانب الآخر مراسلا للأهرام في واشنطن. وكانت رسائل خليل وكشيشيان هي النافذة التي يطل منها ملايين المصريين والعرب على مجريات الأمور في القوتين الأعظم حينذاك.

ورغم أن عبد الملك خليل كان يبدو لمن عرفوه مبتهجا ومحبا ومتحمسا إلا أن أرملته تاتيانا كشفت خلال حفل تأبينه في الملحقية الثقافية بموسكو، ديسمبر 2009، عن مشاعر الألم والأوجاع التي كان يحتفظ بها في عالمه الخاص، وتعود إلى طفولته الحزينة نتيجة يتمه حيث فقد والديه في عمر مبكر وكذلك معاناته في السجن لمدة ست سنوات عندما كان طالبًا في السنة النهائية بتهمة انتمائه لمنظمة يسارية.

كما عايش صعود وانهيار الصداقة السوفيتية–المصرية، والعواطف الجياشة ثم الاغتراب، وفيما بعد المحاولات لاستعادة ما فقد. وقد عاش عبد الملك خليل في الاتحاد السوفيتي وأحبه، لكنه شهد بعد ذلك انهياره وحاول الاعتياد مع أصدقائه السوفيات على الحياة في البلاد الجديدة– روسيا، وتألم مثل جميع أبنائها حيث كان الاتحاد السوفياتي يمثل له ولكثير من الشباب اليساريين الحلم. ولم تغب الكثير من الذكريات عن تفكيره خلال تلك المراحل.

لقد غادر السجن وتخرج من الجامعة في نفس العام الذي زار فيه القاهرة نيكيتا خروتشوف (حكم الاتحاد السوفياتي بين 1953 و1964) وافتتح مع جمال عبد الناصر السد العالي في أسوان ومعهما بناة السد من البلدين، ثم عايش مرحلة إعادة بناء القوات المسلحة من طرف المصريين والسوفييت. وتفاعل مع شعارات الوفاء للصداقة بين الشعبين.

كما أن قصة حبه لتاتيانا ومعاناتهما غير عادية حيث كان الزواج من أجنبي والسفر إلى خارج الاتحاد السوفيتي أمرا أشبه بالمستحيل، وكتب الدبلوماسيون من أجل عيون عبد الملك وتاتيانا الرسائل إلى المسؤولين. واجتاز الحب كافة العقبات وسافرت تاتيانا الى القاهرة للقاء زوجها. وبعد ذلك أقاما في موسكو طيلة 36 عاما عندما عمل مراسلا للأهرام.

أخيراً، لابد أن أعترف بأحد دوافعي للكتابة عن عبد الملك خليل: قابلت الدكتورة منى خليل وهي ابنة عبد الملك خليل - عرفني بها الزميل أسامة فطيم قبل الندوة- وعرفت عندما بحثت عنها أنها المديرة التنفيذية لمجلس الأعمال الروسي المصري إلى جانب كونها أستاذة بجامعة موسكو للعلاقات الدولية وهي أيضًا ابنة خالة ميخائيل بوجدانوف الذي شغل عدة مناصب منها سفير روسيا في مصر وممثل الرئيس بوتين في الشرق الأوسط. في تلك اللحظات تذكرت واقعة لم أجرأ على ذكرها أمامها.

كان أستاذي الكاتب الصحفي سعد هجرس عائدًا للتوّ من جنازة عبد الملك خليل إلى جريدة العالم اليوم التي تجمعنا، وقال في حسرة والحزن يغطي ملامحه إن خمسة صحفيين فقط هم الذين ساروا في جنازته، وكيف حضر الجنازة شخصين فقط من مؤسسة الأهرام (الأستاذ أسامة سرايا والأستاذ عبده مباشر) ومن الجماعة الصحفية لم يحضر سوى الأستاذان نبيل زكى وماجد عطيه إضافة إلى سعد هجرس.

لذلك كان الاحتفال بعبد الملك خليل في هذه الندوة بعد سنوات من رحيله سببا إضافيا لسعادتي ودافعا مهما للكتابة عنه.

هذا غيض من فيض لكنْ لا يمكن لهذه المساحة أن توفي حقَّه فهو يستحق كتبًا اقتداءً بسيرة فرد استطاع أن يؤثر إيجابًا على علاقات بلدين وشعبين وكأنه كتيبة كاملة!

 

الصورة الرئيسية: 

الكاتبة ألفة السلامي مع أالدكتورة منى ابنة الكاتب الصحفي عبد الملك خليل

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment