د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
مجموعة السبع كانت تمثل 65 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي عام 2000 ويبلغ هذا الرقم حاليا 45 في المائة، لكن وفق القوة الشرائية تنخفض من 45 في المائة إلى 30.7 في المائة، فيما تضاعف ناتج مجموعة البريكس الذي يضم دولا غير غربية الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا ارتفع من 16 في المائة من الناتج الإجمالي العالمي عام 1990 إلى 31.5 في المائة، وسيرتفع إلى 35 في المائة في عام 2025، فيما يواصل انخفاض الناتج الإجمالي لمجموعة السبع إلى 28 في المائة، وقد تتوسع هذه المنظمة، حيث تقدمت ثلاث دول هي الجزائر والأرجنتين وإيران بالفعل بطلب العضوية، كما أبدت دول أخرى اهتمامها وعلى رأسها السعودية وبنغلاديش واليونان وإندونيسيا وكازخستان والمكسيك وسوريا وطاجيكستان وتايلاند وتركيا.
لكن مجموعة السبع التي تأسست في زمن الحرب الباردة 1975 لا زالت تستأثر 60 في المائة من صافي الثروة العالمية 317 تريليون دولار، ونحو 42.368 تريليون دولار لعام 2021 فيما يبلغ ناتج مجموعة البريكس 24.29 تريليون دولار.
يبدو السيناريو العسكري بين الولايات المتحدة والصين مخيفا، وتخشى الولايات المتحدة أن تسيطر الصين في لمح البصر على تايوان مما يقطع وصولها لأشباه الموصلات من أجل تحقيق التفوق الإقليمي للصين وجعل مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية والحيوية على المحك ويكون صعبا على الولايات المتحدة أن تشن حربا على بعد آلاف الأميال عبر المحيط الهادئ ضد خصم لديه أكبر قوة بحرية في العالم وأكبر قوة جوية في آسيا.
الصين رأت على مدى العقدين الماضيين من بناء قدرة هائلة في مجال الحرب الألكترونية مصممة لاختراق الولايات المتحدة لتعطيل الكهرباء وبقية الخدمات، وقد أثبتت قدرتها على ذلك في تايوان حيما شنت حملات تضليل، بجانب قدرتها على تسليح هيمنتها على سلاسل التوريد والشحن سيكون التأثير على الولايات المتحدة البعيدة عميقا بسبب اعتماد اقتصاد الولايات المتحدة بشكل كبير على الموارد والسلع الصينية بما في ذلك التي تستخدم في التطبيقات العسكرية لأن قاطرة الاقتصاد العالمي تحطم نظرية فك الارتباط، حيث بلغت التجارة بين الصين والولايات المتحدة في 2022 بنحو 690.6 مليار دولار، وارتفعت مع الاتحاد الأوربي 23 في المائة عن عام 2021 ليصل 912.6 مليار دولار، وإجمالي تجارة الصين مع جنوب شرق آسيا 975.3 مليار دولار.
رغم هذه الروابط الاقتصادية بين الصين وأمريكا وأوروبا والعالم إلا أن الولايات المتحدة تحاول إعادة الحياة إلى الناتو الذي اتهمه ماكرون في زمن ترمب بالميت، خصوصا دول شرق أوروبا الواقعة على بحر البلطيق التي تخشى أن تكون هي محطة روسيا التوسعية التالية بعد أوكرانيا، ويلعب الناتو الدور الحيوي اليوم بسبب موقف الولايات المتحدة التي تقود جهود دعم أوكرانيا وتم توسع الاتحاد الأوربي من خلال انضمام بولندا المجاورة لروسيا والواقعة على بحر البلطيق وستنضم السويد أيضا، هي محاولة بايدن توحيد صف الناتو بعد توسعه بعدما كاد ينقسم في عهد ترمب ويتفكك.
ما يعني أن الولايات المتحدة تواجه مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي بمجموعة السبع والناتو، لكن مستقبل الناتو مرهون بمن سيسكن البيت الأبيض بعد الانتخابات القادمة، وأصبحت مهمة الناتو نفسها خلال 40 عاما منذ زمن الحرب الباردة، ولم تختلف بل أعادته إلى مهمته الأصلية، أي الحرب الروسية في أوكرانيا، وكانت أمريكا بحاجة إلى هذه الحرب التي أهدتها لها روسيا من أجل توحيد صف الناتو.
أدرك الأوربيون لولا أمريكا لن يستطيعوا مواجهة التوسع الروسي، وبشكل خاص التوسع الاقتصادي بعد انهيار جدار برلين عام 1990، وانشغل الناتو بعد ذلك الوقت في البوسنة وكوسوفو وأفغانستان والعراق، وتم تجديد دور الناتو اليوم بعد الحرب الروسية في أوكرانيا بعدما كاد ينتهي دوره، بل اتجه نحو تحقيق التوسع وجعلت الحرب بولندا والسويد بعد شعورهما بالتهديد يطلبان الانضمام بعد عقود من الانحياز ورفض الانضمام، وقدمت الولايات المتحدة طائرات أف 16 لتركيا من أجل الموافقة على انضمام السويد، ولن يتجاهل الناتو دور تركيا بسبب أهميتها الاستراتيجية في البحر الأسود.
ملامح تشكل العالم الجديد المتعدد الأقطاب الذي يأخذ مكان النظام الآحادي بقيادة الولايات المتحدة خصوصا بعد رعاية بكين مصالحة بين الرياض وطهران، ومن قبل رفضت السعودية الاصطفاف إلى جانب الدول الغربية لفرض عقوبات على روسيا عبر ملف النفط، وجعلته ملفا مستقلا بعيدا عن التسيس، كما رفضت الصين وضع عقوبات على روسيا، وفي نفس الوقت وقفت السعودية على الحياد في الحرب بين الجانبين، ودعت بكين والسعودية الجانبين إلى تبني الحوار والسلام في أوكرانيا.
ورغم هذه الحرب أقيم مؤتمرا في موسكو تحت عنوان روسيا وأفريقيا في عالم متعدد الأقطاب بمشاركة 40 دولة أفريقية، وكل الدول استجابت لدعوة بوتين في نفس الوقت الذي يقوم فيه الرئيس الصيني شي جين بينغ في 20 مارس 2023، وأصبحت دعوة بكين وموسكو إلى صياغة عالم متعدد الأقطاب أكثر عدالة عبر تعزيز الهياكل الديموقراطية المتعددة الأطراف مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس حتى لا يتسيد أي بلد على الآخرين، ولا يفترض أن يتحكم بالنظام الدولي، وحده ويجب تخطي الدولار، وهي دعوة بوتين كخطوة نحو تحقيق هذه الأهداف، كما يؤكد شي وماكرون على أنهما يسعيان إلى تعزيز النظام الدولي متعدد الأطراف تحت راية الأمم المتحدة في عالم متعدد الأقطاب، وقال ماكرون أن على أوروبا تحقيق الاستقلالية الاستراتيجية، وأن تصبح القوة العظمى الثالثة بدلا من الاستمرار في أن تكون شريكا صغيرا في عالم تقوده الولايات المتحدة بشكل آحادي، بل لتكون أوروبا القطب الثالث.
كما تبنى رئيس البرازيل لولا فكرة الصين وروسيا وفرنسا حول ربط التجارة بالتعددية القطبية والتحرر من احتكار الدولار الأمريكي، وهناك تساؤل من قرر أن يكون الدولار هو العملة العالمية؟، وفي مارس 2023 اتفقتا الصين والبرازيل على اعتماد بنك واحد لإجراء عمليات التجارة الثنائية بعملتي الريال البرازيلي واليوان الصيني، واتهم الرئيس البرازيلي لولا أن صندوق النقد الدولي بخنق اقتصادات الدول، كما يحدث حاليا في الأرجنتين، وكما فعل بحق البرازيل لفترة طويلة، ومع كل دول العالم الثالث، وطالب أن يكون مثل بنك بريكس أن يمتلك عملية التمويل.
بالنسبة للسعودية ستكون عملية إعادة التقييم هذه معقدة بشكل متزايد، وذلك في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة للنظام الدولي، فأصبحت الحاجة ملحة لتنويع التحالفات مع القوى الصاعدة كالصين وروسيا وغيرها في مجالات الأمن والطاقة وهو ما سيدفع السعودية ودول الخليج إلى إعادة تعريف مصالحها وتحالفاتها للمرحلة القادمة، وهو أمر في غاية الأهمية.
لا يمكن السعودية تجاهل تحالف استراتيجي دولي كبير بدأ يتشكل عبر منظمة شنغهاي يضم روسيا والصين والهند، وتدرك السعودية ان الصين وروسيا قادرتان على كبح إيران في المنطقة حتى لا تتحول إيران إلى نموذج كوري شمالي في المنطقة، خصوصا في ظل الانقسام السياسي في أمريكا والتي أدت تناقضاتها وتذبذبها على أمن المنطقة الخليجية، كما أن السعودية من خلال الشراكة مع الصين والهند لا يمكن تجاهل زبائنها الكبار، كما لا تستطيع تجاهل دورها العالمي الجديد القادم خصوصا وأن منطقة الخليج تمتلك احتياطيات ضخمة من الطاقة حيث تمتلك أكثر من ثلث الاحتياطيات العالمية وخمس الامدادات عالميا، ولعبت دورا محوريا في ضمان استقرار وتحقيق أمن الطاقة من خلال قيادتها أوبك بلس، ويمكن أن ينسحب هذا المسمى على بريكس بلس بعد ضم الدول الأخرى إلى المجموعة ومن بينها السعودية.
تدرك السعودية وبقية دول الخليج أهمية تحالف البريكس الذي يضم الدول الأسرع نموا اقتصاديا حول العالم ممثلا بروسيا والصين والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا، وهي تدخل ضمن تحديد ملامح التوجه الاستراتيجي الجديد لها في المرحلة المقبلة لتنويع شراكاتها الدولية وفي نفس الوقت موازنة مصالحها الجوستراتيجية مع واشنطن من جهة وبين الصين وروسيا من جهة أخرى، وهي تدخل ضمن إدارة التوازنات والمصالح الدولية في منطقة الشرق الأوسط على أقل تقدير نظرا لمكانة السعودية الإقليمية والدولية، وفي نفس الوقت تطالب السعودية واشنطن بسياسة واضحة ومحددة ودقيقة تجاه قضايا الشرق الأوسط على أن تكون خالية من التناقضات والتذبذبات كما كان تفي السابق في ظل عالم القطب الآحادي بقيادة الولايات المتحدة، كما في القضية اليمينة والسورية والسودانية، وفي نفس الوقت ألا تتدخل واشنطن في تفكيك العلاقات السعودية الخليجية والتزاماتها مع القوى الدولية الصاعدة كالصين وروسيا وغيرها، بل يمكن أن تلعب السعودية دورا في النظام الدولي الذي يمر بمرحلة انتقالية مهمة، ومن المهم أن تحافظ على هذا التوازن لتفرض نفسها فاعل دولي لا غنى عنه في استتباب الأمن العالمي نظرا لموقعها المتوسط بين جميع القوى الدولية.
أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا











06/05/2023 - 10:38 AM





Comments