د. فهيم عبدالإله الشايع
" التفاصيل الصغيرة لهذه الحياة لا يُمكن اكتشاف مكانتها في مشوارنا، مهما كانت ظروفك تأكد بإنَّه ليس هناك ما يستوجب أضاعة هذه اللحظات، أمَّا مجرد التفكير بإهدار هذه الحياة فسلفة لا أجيد قرائتها"
يخبرنا التاريخ أنَّ الإنسان منذ بدء الخليقة يحاول تقديم القرابين إلى الإله، وأغلب الأديان أتت بفكرة مشابهة وقريبة من فكرة تقديم القربان بصورة أو بأخرى، ويأتي القربان بصور وأنواع متعددة أبشعها وأبعدها عن الإنسانية هي التضحية بأحد أفراد الجماعة، وتأصيل هذه الفكرة بنظرة فلسفية أجده يأتي من الطبيعة الإنسانية نفسها، لأنَّها – وأقصد هنا العموم – ترضى بعد الأخذ، بمعنى أنَّه متى أخذتَ شيئاً معيناً قابلية نفسك لتقبل الرضا عن الآخر هي أقرب منه قبل الأخذ، هذه القبولية بعد الأخذ تفسر ارتياحنا لمن يقدم لنا الهدايا؛ لذا فالرضا بعد الأخذ هو تأصيل إنساني حاول الإنسان اسقاطه على الإله سواء كان خالقاً أو مخلوقاً، حاله حال أغلب الأشياء التي افترضها الإنسان هي موجودة في الخالق، وفي الحقيقة ما هي إلَّا اسقاطات نابعة من الذات الإنسانية ومن بينها المثالية والعدل.
تهدرُ القرابين الموارد الاقتصادية والبشرية للجماعة، ومتى كان تقديم القربان طواعياً لا يسبب ذاك الرفض المجتمعي، لكن صوت الرفض يعلو حينما يكون من غير رضا، واعظمها التضحية بأحد أفراد الجماعة والتاريخ زاخر بأمثلة متعددة، أكتب هذا المقال لأننا في عام 2023 وما زال هناك من يقدم القرابين، جماعة يطلقون على أنفسهم أسم ( القربان ) لكنهم أحترموا تقدمنا في هذا العصر، فقدموا لنا مثالاً قد يكون جديداً في الساحة القانونية ( جريمة بالقرعة ) والتي من أجلها أكتب هذا المقال .
اعترف أفراد هذه الجماعة بإنهم يعبدون (إله مخلوق) وإنهم بين الحين والآخر يجرون قرعة فيما بينهم، ومن يظهر اسمه يذهب قرباناً للإله، سأبدأ من حيث نتفق جميعاً، إلَّا وهو حق حرية المعتقد، إذ كفلت أغلب الدساتير الحديثة حرية المعتقد للفرد، لهذا لا يُمكن مناقشة ما هية الاعتقاد التي يكون عليها الفرد، الّا إذا كان هذا الاعتقاد يحتوي أفعلاً تسبب ضرراً للأخرين أو يتعدى على حقوقهم، وقد اعتقدوا أعضاء هذه الجماعة من خلال اتباعهم مذهباً جديداً له تعليماته الخاصة، وضمن هذا الاعتقاد هو الاقتناع بتقديم أحد أفراد هذه الجماعة قرباناً للإله عن طريق الانتحار، لكن يجري هذا وفق قبول الشخص بهذا الشيء، لأنَّ الانتحار ينفذ من قبل المنتحر بمفرده، لكن آلية اختيار القربان تجري عن طريق القرعة بين أفراد الجماعة، وفي الحقيقة إلى لحضة كتابة المقال لم تفصح التحقيقات فيما إذا كانت القرعة تجرى بسبب وجود أكثر من فرد يرغب بتقديم نفسه كقربان، أو أنَّ التعليمات كانت تقضي بتقديم قربان وفق وقت معين، وكان يجب أن يضحي أحد بأن يكون القربان، وليس هناك من يضحي فيلجاؤا إلى القرعة، وما أجده أقرب إلى الواقع هو تنافس الأفراد على القربان.
تثيرُ جريمة الانتحار مبدأيين يخالفا القوعد العامة في القانون الجنائي، الأول هو عدم امكانية معاقبة الفاعل في جريمة الانتحار، والمبدأ الثاني، هو معاقبة المساهم دون معاقبة الفاعل، والمعروف أنَّ المساهم جنائياً يستمد عقوبته من الفاعل، وهذان المبدان نتيجتان طبيعيتان كون جريمة الانتحار من الجرائم الكبرى لذا فالعقوبة المقترحة يجب أن تكمن في العقوبات الجسدية السالبة للحرية، وهذا ما لا يُمكن تطبيقه الآن على الجاني – المنتحر – وبالتالي بنظرة قانونية الجاني يفلت من العقاب، كما أنَّ استحالة عقابه هنا تضعنا أمام الاستثناء الثاني وهو ضرورة معاقبة المساهمين الجنائين، لمحاولة تضييق دائرة التفكير في الانتحار والمساعدة على أرتكابها.
تعاقب أغلب قوانين العقوبات الشخص الذي يقدم المساعدة أو يحرض على الانتحار، وإذا ما تخيلنا هذه المجموعة من الأفراد يجتمعون ليناقشوا أمور معتقدهم أو دينهم فلا جريمة في ذلك إلى غاية الآن، ومن ضمن هذه الأمور تقديم القربان، الذي يأتي من قبولية ورضا الشخص لأن يكون هو القربان، فماذا تمثل القرعة بالتوصيف القانوني لجريمة الأنتحار ؟ فهل يسأل الجميع عن جريمة مساعدة على الانتحار ؟ أو يسألوا عن جريمة تحريض على الانتحار ؟ فلو أثبت عدم تقديم أي مساعدة للمنتحر - فيما عدا القرعة – كما لا يحضر ساحة الجريمة أي شخص من الجماعة سوى المنتحر، كذلك كان المنتحر على اقتناع بما يفعل دون تدخل أي فرد آخر – محرضاً – لارتاكابه هذه الجريمة، فما توصيف القرعة في جريمة الانتحار ؟ فإذا كانت مساعدة على الانتحار فهل يُمكن سؤال أي شخص عن فعله في مساعدة شخص على الانتحار دون أن يعلم وقت ارتكابه فعل المساعدة هوية الشخص المنتحر ؟
المساهمة الجنائية هي تعدد الجناة الذين ارتكبوا الجريمة، وهي متوافرة في الركن المعنوي بالضرورة التي يتطلب توافرها الركن المادي، لتطلب توافر الإرادة من قبل المساهمين في هذه الجريمة، لكن إذا سلمنا بتوافر الركن المعنوي للمساهمين في القرعة بوصفها جريمة، ما هو الركن المادي الذي يُمكن من خلاله تجريم المساهم على فعله، فهناك أفراد لا دور لهم في القرعة سوى الاشتراك بإسمهم، وإذا ما دققنا النظر وجدنا أنَّ مساهمة أفراد الجماعة هنا ضرورية لاكتمال الجريمة - إذا كان توصيف القرعة بالجريمة- وبالتالي لا يمكن تصور القرعة مساهمة جنائية، والأقرب إلى ذلك هو الاتفاق الجنائي الذي يكون هو الأخر ضروري لارتكاب بعض الجرائم.
القرعة فعل جديد على الساحة القانونية، فقد اتسع افق المشرع سابقاً بخطأ الجاني في هوية المجنى عليه، وعالج هذه الحالات وفق تصورات منطقية، ولم أجد أو أقرأ أحكاماً قانونية تضبط الاتفاق الجنائي بالخطأ أو الاحتمالية، بمعنى أنَّ المشرع ضبط الاتفاق الجنائي وفق أحكام تدل على وجوده من عدمه من خلال وضع معيار فاصل وواضح بين ما يُعدُ اتفاقاً جنائياً من عدمه.
الأشكالية تبدأ عند القرعة للقربان، من هنا يشكل فعل المجموعة عملاً يُمكن عَده اتفاقاً جنائياً، فالمجموعة لن تساعد الضحية على الانتحار، ولم تحرضه، لكن في الوقت ذاته اختارته، لم تحاول منعه من الاقدام على الانتحار، وما هي إلَّا اتفاقٌ جنائيٌ، وهي جريمة قائمة بحد ذاتها حتى من غير تصور انتحار أي عضو، وهذا يتفق مع التنظيم القانوني لأحكام الاتفاق الجنائي في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، لكن الأمر يبدو محيراً إذ تصور انتحار العضو، فما المساهمة التي قدمها الأعضاء المقترعين لتسهيل أرتكاب جريمة الانتحار ؟ وما أجد مثالاً أقرب من أن يجتمع ثلاثة أخوة بعد أختلافهم بشأن موضوع أخذ الثأر والانتقام من قاتل أبيهم ليقترعوا عمن يقوم بهذه المهمة، فيكون الاقتراع نصيب أحدهم، وهنا نجد أنَّه من الممكن أن يسألوا الجميع عن جريمة اتفاق جنائي سواء وقعت الجريمة من عدمه، لكن ليس هناك ما يمكن ادراجه ضمن المساهمة الجنائية خصوصاً إذا علمنا أنَّ الجريمة ارتكبت من غير أدنى مساعدة للفاعل، فالقرعة هنا تشكل اتفاقاً جنائياً، وفي الوقت ذاته تشكل دليلاً على علم أفراد الجماعة بتعرض شخص إلى خطر، الأمر الذي يوجبه القانون عليهم منع هذا الخطر .
" الديمقراطية وسيلة رائعة، لكنها نظرية لحد الآن، لم يوظفها البشر في مكانها الحقيقي سواء كان الأمر يتعلق باختيار النخبة السياسية أو بالاقتراع للانتحار كلاهما يضعك على أول طريق الموت ".
*خبير قانون معتمد
دراسات خاصة في الفلسفة
باحث في مقارنة الأديان











06/02/2023 - 13:37 PM





Comments