عاصي الرحباني: والهيئة راجح تركيبة

05/31/2023 - 15:07 PM

Your Ad Here

 

 

 

حسن الخطيب

 

منك شايف انو القصة كلها كذبة.. هيك الهيئة..راقبت عيون المختار.. فيهن تطليعة غريبة ..فيهن متل الضحك علينا...فيهن تعلب عم يتشقلب... والهيئة راجح تركيبة.... هذا المشهد هو من أكثر المشاهد المحببة إلى قلبي من مسرحية بياع الخواتم الرحبانية. في هذا المشهد يقوم عيد و فضلو (جوزف ناصيف و ايلي شويري) بالتخطيط لاستغلال كذبة المختار المرتبطة براجح لافتعال المشاكل و إحداث الخراب، على اعتبار أنّ شخص راجح أصبح جاهزاً لإلصاق التهمة به كلما افتعل أحدهم مشكلة. و كم يعبّر هذا المشهد عن الواقع اللبناني، فنحن منذ سنوات في لبنان نبحث عن شبح راجح الهارب و الذي من المفترض أنّه المسبّب لكل المصائب التي عصفت و لا زالت تعصف بالواقع اللبناني منذ الأزل.

مرّت مئوية عاصي الرحباني الشهر الفائت بهدوء. هذا الرجل الذي كتب تاريخ لبنان بصوت فيروز، وصنع لنا وطناً موازياً شكّل لنا منارة أمان على مدى العقود التي خلت. طبعاً وباستثناء بعض المقالات و المبادرات الفردية التي احتفت بالذكرى، غابت ذكرى عاصي عن الشاشات التي لم تستسغ فكرة إعطاء ساعة من الوقت لأحد أهم رجال الوطن، فإعطاء الأولوية للكلام العقيم والأعمال الهابطة أصبح هو أولوية.

الكلام عن عاصي لا يتم من خلال عبارات مديح سطحية لا ترتقي إلى مستوى التعبير المطلوب، وقد يكون التكريم الأنسب هو من خلال التذكير بالكلام الذي كتبه عاصي، فكل عبارة نسجتها أنامله الرقيقة كفيلة بأن تكون موضوع أطروحة أو كتاب.

قولك يا عطر الليل جنّ الغضب بالبال و جرّح بياض الشال؟ هي أيضاً من أحب العبارات إلى قلبي و هي من مسرحية فخر الدين. بالنسبة لي، تختصر هذه العبارة الصراع بين الخير و الشرّ، الصراع بين الجمال و القبح، الصراع بين الشموخ و الإنكسار، بين الحياة و الموت. فالشال الأبيض الذي لطالما تغنت به فيروز في عدد كبير من أغانيها هو رمز لبنان البهي، لبنان المنارة الساطعة، لبنان الذي تغنى به الشعراء، لبنان العيش المشترك، لبنان الذي صمد في المعارك، لبنان الذي لا يزال يحاول أن ينفض عنه غبار حكم الإعدام الذي أصدره بحقه عدد من أبنائه.

من جهة أخرى، الغضب يللي بالبال هو الشر الذي يعصف بهذا الوطن من دون انقطاع، هو دوامة الخراب التي تعيث خراباً بين زوايا الوطن، هو الطائفية التي شلّعـت أوصال المناطق، هو التعصب الأعمى الذي مزّق أرصفة و طرقات المناطق وهو الحقد الذي بنى الفواصل والجدران بين المناطق.

ألم نر في الأسابيع الماضية ما حصل في لبنان؟ فعلى الرغم من المصائب التي تكاد أن تغرق الوطن وعلى الرغم من الصراعات التي تكاد تدفن لبنان تحت أنقاض الدمار، فقد رأينا أنّ إشكالات سخيفة كموضوع تغيير ساعة الوقت أو موضوع ارتياد شاطئ البحر في منطقة معينة تحولا إلى حلبة صراع طائفي رمى حطباً إضافياً في موقدة الوطن المشتعلة. ما بال الشعب لا يتغير؟ ما بال تفكير الشعب يتأخر يوماً بعد يوم؟ و لكنّ عاصي قال هذا أيضاً، حين ختمت فيروز مسرحية يعيش يعيش بقولها: حاج تصرخ يا منادي ...الرعيان بوادي والقطعان بوادي.

نحن اليوم و أكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى عاصي، بحاجة إلى صوت فيروز. لطالما شكّل صوت فيروز درعاً حامياً لجأ اليه الناس للهروب من الواقع اللبناني الذي المؤلم. نعم هذه حقيقة، وبعيداً عن حبي الأزلي للسيدة فيروز، هي حقاً ليست مطربة، ليست صوتاً يستمع إليه الناس بل هي درعاً واقياً يختبئ الناس وراءه و يقصدونه للحماية. عادةً حين يشعرالإنسان بالحاجة إلى الراحة، يلجأ الى الصلاة، فذكر الرب و التعبّد له كفيلين بإضفاء شعور الراحة.

ومما لا شك فيه أنّ عين الرب الساهرة على لبنان الحبيب هي الحامي الأساسي لهذا الوطن الذي كتب له ألا يموت و ألا يعيش بل أن يبقى هكذا كما ذكر الفنان رفيق علي أحمد في مسرحيته الشهيرة "جرصة". وبعد أن ينتهي اللبناني من الصلاة، يمكنه أن يستمع إلى صوت فيروز. فهذا الصوت الذي فعل فعله في أعمال البشر على مدار عقود من الزمن كان من الظواهر القليلة جداً الذي لم يستطع الواقع اللبناني الأليم أن يمسّها. صوت فيروز بقي بعيداً عن أي نوع من أنواع الصراعات أو القبح، وشكّل حصنا منيعاً أمام أي محاولة إختراق، ليبقى أحد ركائز الوطن وليصبح محفزّاً للشعب اللبناني على الاستمرار.

مؤلمة الصورة التي يمثّلها راجح، هي صورة شبح يمعن بالتخريب من دون أن يستطيع أحد الإمساك به، هي صورة انتظار لا ينتهي، و هنا أيضاً أتذكر أحد عبارات مسرحية جبال الصوان التي تمثّل فكرة انتظار الغد الآتي حين يخاطب الشعب غربة قائلا: ودينا المراسيل و اسألنا المراسيل، حصد المنجل عنق السبلة وما طليتي. جميلة هذه الصورة الشعرية و لكنّها مؤلمة أيضاً، فهي تمثّل انتظار طويل الأمد، تمثل شعباً أرهقته التجارب وتمثّل وطناً ينتظر الخلاص. غير أنّ عاصي وبصوت محبوبته يترك مساحةً للأمل في نفس المسرحية حين تقول فيروز: قرب موسم الحصاد و قرب ملتقانا.

و نحن هنا في مئوية عاصي نردد عباراته التي تصف واقعنا: علوا البيارق تعب الليل، حراس المدينة قالوا صار غياب هدموا قصر الزينة قفلوا مية باب، أنا صرت اكبر و شادي بعدو زغير، حكاية بيروت حكاية الرصيف التعبان من الناس، وعبارات كثيرة أخرى تعبر عن واقعنا الذي تعبنا منه.

بانتظار الخلاص، بانتظار النهاية السعيدة، وبانتظار القيامة من هذا الواقع المرير، الف تحية لك أستاذ عاصي.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment