ميشال ن. أبو نجم
بعد ثلاثة أعوام ونصف على أحداث 17 تشرين، انجلى الغبار الإعلامي والسياسي الذي فبركَته أعنف حملة دعائية ترهيبية مورست في تاريخ لبنان الحديث، عن سلسلة من الحقائق الدامغة.
آنذاك، تقاطع الإستثمار السياسي الداخلي، والتخطيط الأميركي – الإقليمي، مع الأزمة المالية التي أنتجتها المنظومة المصرفية – السياسية. وكان واقع مشاركة التيار الوطني الحر في النظام، والتوقعات الكبرى للناس من الرئيس ميشال عون الذي يواجه منظومة شرِسة ومتجذّرة، من بين الأسباب الأساسية التي استثمر فيها مخططو الأحداث لخلق انطباعات كان آنذاك من الصعب جداً تغييرها.
الحقيقة الأولى، أن التيار الوطني الحر هو رأس حربة مواجهة هذه المنظومة المصرفية – السياسية، هو الركيزة التنظيمية التي يمكن أن يراهن عليها الشعب اللبناني، نظراً لما يمثله من حجم شعبي ونيابي. من التدقيق الجنائي إلى حكومة حسان دياب التي كان الرئيس نبيه بري أول ضاربيها بالفأس على رأسها حماية لرياض سلامة ومصالح المنظومة، إلى دعم القضاء الشجاع الذي مثلته غادة عون في متابعة كل قضايا اللبنانيين في استعادة الأموال المنهوبة والمهربة، وملاحقة رياض سلامة حتى النفس الأخير. بقي "التيار" مواجهاً، وفي الموازاة ينقض عليه محركو التحركات على الأرض، وبعض العبثيين من الإعلاميين والسياسيين الذين يعشقون الرفض لمجرد الرفض، ولم يستطيعوا يوماً في تاريخهم أن يبنوا مساحاتٍ مشتركة للتلاقي وبناء برنامج سياسي واضح، كما يحصل في المجتمعات المتحضرة، وكما يُفترض أن تفعل "انتفاضةٌ"، و"ثورة"...
قيل للبعض النظيف في "الإنتفاضة" مراراً، إنكم لن تستطيعوا فعل أي شيء لوحدكم. غداً ينجلي الغبار ويتبين الخيط الأبيض من الأسود، لكن الأوهام كانت أكبر من الوقائع.
الحقيقة الثانية، هي أنَّ هذه الحالة السياسية اللبنانية المتمثِّلة ب"التيار"، تبقى بالفعل وحيدة، وللمفارقة أن هذه الوحدة والتفرد، يقدِّمان لها كل عناصر القوة. حليفه حزب الله لديه أجندته الإقليمية، وفي المقابل تعلو مصلحته في الدفاع عن نبيه بري كل رؤية لبناء دولة قادرة وعادلة، لا نظاماً سياسياً فاسداً وعفِناً كالذي بنته منظومة التسعينات. القوى المسيحية وجدت في الإضطراب الشعبي الفرصة للإنقضاض وتصفية الحسابات. بعض المجموعات الصغيرة، التي نشأت من رحم 17 تشرين وعلى ضفافها، والتي يمكن التلاقي معها على تقاطعات مشتركة، صمّت آذانها وتوهَّمت قدرتها وحيدةً على فعل التغيير.
واليوم، يبقى "التيار" وحيداً في المواجهة مع المنظومة المصرفية – السياسية – الإعلامية، حتى لو تطلع إليه ناشطون ومجموعات على أنه الأقدر على رفع مبادئ تمثلهم. وهذا، ما يقدم له كل العصب واستنهاض قاعدته التنظيمية عبر استعادة منطق الراديكالية، لا المهادنة مع السلطة.
الحقيقة الثالثة، هي أن "التيار" يبقى هذه الحالة اللبنانية الصافية، التي لا تأتمر بأي قوة خارجية، أو داخلية مهما كبر شأنها، ومهما بلغ حجم التحالف والتقاطع. مصلحة لبنان، الذاتية، تبقى هي الموجه والبوصلة. القوى الأخرى، تنتظر اتفاقات بكين، وتوجيهات دول عربية، وماذا يخطط الإليزيه، وما توحي به السفيرة الأميركية. من يلتقي ميشال عون وجبران باسيل من ممثلي تلك الأطراف، يعرف جيداً أنه يواجه كثيراً، آذاناّ وطنية صمّاء...
في التسعينات، رفع التيار الوطني الحر المواجهة مع السيطرة السورية والأمنية اللبنانية إلى أعلى مستوى، متجاوزاً سقف الطائف الذي تمسكت به قوى أخرى معارضة. لم يكن يتقاطع معه إلا بضعة شخصيات راديكالية تدور في الفلك المسيحي، وناشطون ومجموعات يسارية شبابية ونخبوية ضئيلة، بنى "التيار" معها مساحات مشتركة في سبيل السيادة والحريات ووطن أفضل، خالٍ من تشوهات الحرب ورواسبها.
ما أشبه اليوم بالأمس...











05/17/2023 - 12:02 PM





Comments