الفن ظهير للتطوير المجتمعي

04/30/2023 - 11:10 AM

Atlantic home care

 

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

ينتابني الحزن الشديد حين أرصد مشاهد طويلة ومكررة في مسلسل يحظى بالتصفيق رغم كونه يعرضُ أنواعًا مختلفة من العنف المعنوي والجسدي وتسيل خلاله الدماء في معارك متكررة عن قصد من صناع العمل تدور بين ممثلين ويكون الانتصار فيها للبطل الذي يأخذ حقه بيده ويؤدِّبُ هذا ويقتل ذاك ويستهلك المخدرات ويتزوج ثلاث وأربع زيجات ويسلّف الناس بالربى. ومطلوب من المتفرجين التصفيق للبطل والسخرية والشماتة في الضحايا رغم غياب القانون والمؤسسات التي لا نراها تتدخل في الأحداث وكأنها جمهورية الغاب، يسودُ بها في النهاية قانون الغاب الذي لا يعترف إلا بقوة العضلات وكثرة الأموال. وفي حين تملأُ هذه المشاهد غالبية الحلقات يكتفي صناع العمل بلفتات تعكس أن هذا البطل الذي يعشش في خلاياه وشرايينه العنف يستطيع أن يكون طيب القلب عادلاً منحازًا للحق. فأي معالجة هذه التي ترسخ القيم السلبية الخطيرة والمدمرة للمجتمع، وكيف نمنع المجتمع من التأثر، لاسيما الشباب، وهو المتشبعٌ ومنذ سنوات طويلة بالعشوائية والعنف والفوضى.

أليس لهذا إلا معنى واحد وهو تراجع قيمى وأخلاقى واجتماعي؟! وإذا ادعى فنان أو مخرج أنه ليس إلاَّ ناقلاً مخلصًا أمينًا لما يحدث في المجتمع .. والمجتمع فيه بلاوي متلتلة.. لا ينتظر أن نقول له آمين وبرافو بل لابد على العكس من مواجهته وتوضيح دوره. ليس دوره أن ينقل في عمل فني مشاكل سلوكية هي دائمة الانفجار في وجوهنا يوميًا، بل عليه دور مهم أيضا من المفترض أن يؤديه الفن والفنان. وإذا لم يكن لدى الفنان وعي كاف بهذا الدور فهذا يعني أنه لم ينضج، وقد يكون عليه أن يعود إلى تاريخ الدراما أولاً ليتعلم من المسلسلات والأفلام التي عاشت وماتزال ومن المعالجات التي كانت فارقة في حياة الشعب وكتبها عظماء أيضًا. هذا هو الفرق بين فنان وآخر. لدينا فنانون عظماء تسلحوا بالثقافة قبل العضلات والسيارات والطائرات، وعلّموا أنفسهم بل هم في حالة تعلّم مستمر مدركين أن الفنان المحبوب يتحول إلى قدوة يتم تقليده في مظهره وسلوكه وأفعاله، لذلك من المهم معرفة ما يؤثر في حياة الناس ويكون في صالحهم وما يكون غثًا فيزيدها وحلا.

لم تختلف قصة المسلسل "رقم واحد أو نمبر وان" هذا العام. هي قصة الرجل "المزواج" وزوجاته يتنافسن في إرضائه وطاعته؛ يتعرض ابنه للاختطاف مثلما تعرضت ابنته للاختطاف في مسلسل العام الماضي. كل المشاهدين يعرفون من خطف ابنه إلا هو! وهوكعادته يتحرك وفقًا لغرائزه ونزواته حيث تلتف حوله نساؤه ويصبحُ التحدي والتشويق للمتفرج كيفية إدارته لعلاقاته مع تلميحات جنسية ضرورية لركوب الترند. ولا نكتفي بتلك العلاقات السامة غير السوية بل تترسخ هذه المعاني في مشاهد التباهي بقدرته البدنية متمثلة في العنف على من حوله، وهو عنف غير مبرر حتى لو كانوا خصومه. أما التباهي بقدرته الجنسية فتتمثل في تقسيم الأسبوع على أربع زوجات باستثناء يوم واحد إجازة! يضاف الى ذلك التفاخر بثرواته رغم كون أحد مصادرها التسليف بالربى. وتلك المشاهد التي يتابعها المتفرج منذ الحلقة الأولى وتتشكل خلالها صورة مكتملة للبطل لا يمكن أن تمّحي فجأة وخلال الحلقتين الأخيرتين بعد أن تبلورت في حلقات طوال شهر، حتى لو كان قد طلّقَ جميع نسائه واحتفظ بواحدة في النهاية -هي أم ابنه- فبناء "مورال" للمسلسل قد تمَّ بالفعل ومحاولة العودة للتصحيح في نهاية المسلسل لا يمكن أن تمحي التدمير القيمي طوال الحلقات. كما أنها عودة يشوبها التردد من جانب البطل حيث مازال يردد في حواره مع أمه: "مش قادر أعيش وعلى ذمتي زوجة واحدة "!

لعلَّ من أصعب الأمور على أي كاتب ومتذوّق الفن أن يسيرَ عكس الاتجاه. والأغلبية لا تعني دائما سلامة الرأي ورجاحته. كما أنها لا تخيف من يدافع عن أهمية أن يكون للفن رسالة أبعد من مجرد الترفيه والتسلية. الرسالة تقتضي تربية ذوق الناس وتهذيب سلوك البعض بعيدا عن العنف والمخدرات والفساد وعدم احترام النساء. ومن العبث أن تتحول الشاشة إلى تكريس العوار في السلوكيات التي تحتاج إلى تغيير. المجتمع الآن في مراحل البناء والتطوير وهناك جهود تبذلها الحكومة لتنفيذ سياسات عامة مكلِّفة حتى تكون داعمة ومحفزة لذلك التطوير المستهدف، ومن المحزن ألاَّ تكون الدراما والفنون والثقافة بشكل عام ظهيرًا داعمًا لهذا التطور المُضني والمطلوب بشدة. من الصعب البناء ومن السهل الهدم. لذلك من الضروري دعم الفن الذى يحمل رسالة للارتقاء بالمجتمع وتغيير الواقع السيئ إلى واقع أفضل وعدم السكوت عن الأفكار التي تمجد التخلف باعتبار أنها "شعبية" أو"جماهيرية"!.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment