هل يتحول السودان إلى أوكرانيا جديدة في المنطقة؟

04/24/2023 - 12:11 PM

Prestige Jewelry

 

 

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

هناك مساع دولية لتعزيز حضورها في أفريقيا في ظل استقطاب دولي حاد في افريقيا، ويمثل السودان حلقة استراتيجية مهمة تربط بين منطقتي شرق أفريقيا والساحل والصحراء، فنهاك مخاوف من الاشتباكات المتواصلة بين القوات المسلحة وبين قوات الدعم السريع ألا تقتصر على الداخل السوداني بل تمتد إلى مستويات إقليمية ودولية، رغم المواقف الدولية المعلنة التي تشدد على ضرورة إبقاء الأزمة في إطارها السوداني ورفض التدخلات الخارجية.

لكن الأهمية الجيواستراتيجية التي يتمتع بها السودان خصوصا في ظل سعي أطراف الصراع إلى توفير داعمين إقليميين ودوليين يمكن أن يتحول السودان إلى ساحة استقطاب دولي، لكن نجد أن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أجرى اتصالات هاتفية مع قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان وكذلك مع قائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو، كذلك وزير خارجية أمريكا بلينكن قام بنفس الدور، هدف السعودية الحفاظ على استقرار السودان والمنطقة، فيما هدف الولايات المتحدة يتعلق بمكافحة الإرهاب وتعزيز الديمقراطية، وهناك هدف آخر يتعلق بتحجيم النفوذ الصيني والروسي في القارة السمراء، فالسعودية وأمريكا لم تستثنيا طرفا دون طرف، من أجل التوسط وحل الأزمة بأسرع وقت ممكن.

خصوصا بعدما بثت شبكة CNN الأميركية أفادت أن فاغنر الروسية عرضت تقديم أنظمة صواريخ مضادة للطائرات مخزنة في أفريقيا الوسطى لمساعدة قوات الدعم السريع في قتالها ضد الجيش السوداني، لكن نفته قوات الدعم السريع، واعتبره قائد فاغنر يفغيني بريغوجين رئيس مجموعة فاغنر العسكرية الروسية الخاصة من انه مجرد استفزاز نافيا التورط في النزاع السوادني الحالي، لكن التقارير تستند على زيارة قائد قوات التدخل السريع حميدتي إلى موسكو في فبراير 2022 استمرت ثمانية أيام حيث تجدد الحديث وقتها عن منح موسكو قاعدة عسكرية في ميناء بورتسودان، هذا إلى جانب أن الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على قوات فاغنر الخاصة في أفريقيا عقوبات بعد تحقيقات كشفت دور المجموعة في استغلال الذهب وتهريب الذهب إلى ميناء اللاذقية في سوريا ثم شحنه إلى موسكو.

 فيما هناك التزاما روسيا بتقديم المساعدة العسكرية والتدريب للجيش السوداني وفق اتفاقيات رسمية سابقة، فيما تعد الصين الشريك الأكبر للسودان ولعدد كبير من الدول الأفريقية وهو ما يثير مخاوف الولايات المتحدة من تحويل حضور الصين الاقتصادي إلى حضور سياسي وعسكري خصوصا وأن الصين تستثمر اكثر من 250 مليار دولار مقابل 50 مليار دولار للولايات المتحدة في أفريقيا خصوصا وأن الصين تمتلك استثمارات في قطاع البناء والتشييد.

لذلك من مصلحة الصين أكثر من مصلحة الولايات المتحدة التوسط في حل الصراع، وبالفعل عرضت التوسط بين الجانبين الذي يعد بمثابة امتداد للتوسط بين السعودية وإيران في بكين، فمن له مصلحة في تحويل السودان إلى أوكرانيا جديدة في أفريقيا روسيا أم أمريكا؟، خصوصا إذا امتد أمد الأزمة في السودان، ما يدفع قوى إقليمية ودولية إلى التدخلات لتأجيج الصراع وتحويل السودان إلى أوكرانيا في المنطقة.

 والصراع في أفريقيا معلن بين الولايات المتحدة من جهة وبين الصين وروسيا من جهة أخرى، وهو ما حدث في الصومال وتشاد ومالي وأفريقيا الوسطى وليبيا وغيرها خصوصا في تعقد شبكة مصالح القوى الكبرى في افريقيا، لكن حتى الآن هناك إجماع دولي بشأن عدم تقديم الدعم المباشر لأي من طرفي الصراع، وهو ما يمكن أن يدفع باتجاه إنهاء سريع للاقتتال والحد من مخاطر اكتساب الصراع طابعا إقليميا أو دوليا، بعدما كان النظام السوداني في عهد البشير مركز استقطابات دولية نظرا لتقارب البشير مع روسيا وعقد صفقات تسليح كبيرة وأعلن آنذاك عن ترتيبات لوجود البحرية الروسية في بورتسودان.

 لكن الإطاحة بالبشير في 2019 أربكت الكثير من الحسابات الدولية وازداد نفوذ الولايات المتحدة في السودان، أي أن الجيش السوداني بدأ يوازن بين جميع القوى الدولية، ونجحت الولايات المتحدة من إحداث تقارب مع إسرائيل وظهور تقارب بين المؤسسة العسكرية السودانية والغربية مقابل تقارب سريع بين قوات الدعم السريع وروسيا يرتبط بسياق جغرافي بوجود النفوذ الروسي في دول الساحل وفي أفريقيا الوسطى وليبيا وتشاد بجانب انتشار قوات فاغنر الخاصة الروسية في حماية عمليات التنقيب عن الذهب والمعادن النفيسة بدول الساحل والصحراء ولقوات التدخل السريع دور بارز في هذا التنقيب.

لكن من يتتبع المشهد السياسي الدولي سيكون هناك تريث من التورط والانخراط في مثل تلك الصراعات، وربما تتعامل الولايات المتحدة مع الأزمة السودانية وفق سيناريو إدارتها للحرب الأهلية في أثيوبيا في نوفمبر 2020 بين التيغراي والحكومة الأثيوبية، وفي نفس الوقت ستسعى روسيا والصين نحو الحفاظ على التوازن كما هو معلن حتى الآن.

وقد عانى الاتحاد الأفريقي كمظلة أفريقية للحل ما بين إخفاقات ونجاحات نسبية في أفريقيا، حيث تعاني 22 دولة أفريقية نزاعات مسلحة، وهو نزاع سوداني سوداني، وليست حرب خارجية بالوكالة لتنفيذ أطر سياسية كحزب الله في لبنان والحوثي في اليمن والمليشيات داخل العراق وسوريا، فأسباب الاقتتال داخلية، ومنها صراع على النفوذ وفي كيفية الانتقال السياسي، فالجيش يود دمج كامل لقوات التدخل السريع، بينما قوات التدخل السريع تود دمج تدريجي، وكل طرف يدعي قدرته على كسب الشارع السوداني وقدرته على حسم هذا الصراع لصالحه، لكن منظومة التدخل السريع قبلية ولاءها أسري خصصت لإخماد حركات مناطقية، استخدمها البشير ثم لحمايته من الانقلابات، لكنها انقلبت عليه في 2019، وأصبحت شريكا أساسيا لثورة ديسمبر، وتم وضع وثيقة دستورية بين المكونين العسكريين والمدني في 17 أغسطس 2019 لكن المكونين العسكريين انقلابا في أكتوبر 2021 على الاتفاق، فعلق الاتحاد الأفريقي أنشطة السودان حتى عودة السلطة التي يقودها المدنيون، ويصر قائد الجيش السوداني على عدم التراجع عن دمج قوات الدعم السريع في الجيش وقال أن دولة بها جيشان سيكون مصيرها ما يحدث الآن في بلاد أخرى، وأن الدمج سيكون جزءا من الاتفاق الإطاري الذي توافقنا عليه جميعا وأن الجيش ملتزم بالعملية السياسية لإنهاء الصراع وأن الحكم العسكري ليس لديه أي مستقبل في تطوير أي دولة في العالم، ونريد حكومات مدنية متوازنة بلا صراعات.

نتيجة وقوف السعودية على الحياد بين طرفي الصراع في السودان تمكنت من إجلاء رعايا 11 دولة من السودان يمثلون مختلف الجنسيات من الكويت وقطر والإمارات المتحدة ومصر وتونس وباكستان والهند وبلغاريا وبنغلاديش والفلبين وكندا وبوركينا فاسو في أربع سفن تحمل 158 شخصا بإسناد من مختلف أفرع القوات المسلحة.

سبق أن لعب الاتحاد الأفريقي دورا من خلال عضويته في الآلية الثلاثية التي تضم الأمم المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) في التوصل إلى اتفاق مبدئي للتقريب بين الفرقاء السودانيين بعد الإطاحة بالرئيس السوداني عمر البشير في أبريل 2019 والذي كلل بتوقيع الوثيقة الدستورية بين المكونين العسكري والمدني في 17 أغسطس 2019، ورغم تعليق الاتحاد الأفريقي أنشطة السودان بعد الانقلاب في أكتوبر 2021 حتى عودة السلطة التي يقودها المدنيون إلا ان الاتحاد كان له دور في الساحة السودانية وقدم موسى فقي خطة إلى رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان في يناير 2022 تتضمن رؤية الاتحاد حول سبل الخروج من الأزمة، بعدما نجحت في وقف الأزمة في أثيوبيا وتوقيع اتفاق بين جبهة تحرير شعب تيغراي في 2 نوفمبر 2022 بمدينة بريتوريا لوقف إطلاق النار بعد عامين من الاقتتال.

 تنسق السعودية هي وبقية أطراف الرباعي مع الآلية الثلاثية لحل الأزمة في السودان بدعم دولي وبدعم من الرباعية الدولية التي تتكون من السعودية ودولة الإمارات والولايات المتحدة وبريطانيا والتي استثمرت كثيرا في عملية التحول الديمقراطي في السودان، وأنها لن تقبل بانهيار عملية التحول بصورة مفاجئة.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا

  [email protected]

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment