" قائد السفينة الذي لايمكنه النجاة بدونها، لا يمكن وصف قراره بالغرق بالقرار الإرادي"
د. فهيم عبدالإله الشايع
السعي إلى تحقيق العدالة أول هدف وأهمها في وجود القانون بيننا وعلينا، ولعله ليس بالجديد أن نتكلم عن العدالة، لقدمها بقدم وجود القانون وقبله، وما يلفت الانتباه هو نسبية العدالة التي يتفق عليها الجميع، وبالرغم من هذا جاء القانون – بأصله العام – مطلقاً من حيث التثبت والتسبيب والأحكام، ولعل أهم ما يمكن أن يوظف في القانون هو معياره المطلق في التطبيق، ليساعدنا كركيزة أساسية في تحقيق العدالة، لنصل إلى الاتفاق في النقطة الأولى أنَّ أهم ما يعرفه الإنسان من وسائل لتحقيق العدالة هو القانون، وأهم ما يمكن للقانون أن يحتويه لتحقيق العدالة هو معياره المطلق، دون أن يؤثر هذا المعيار – المطلق – على حقيقة أنَّ العدالة المرجو تحقيقها هي نسبية.
أول وأهم مبادى العدالة في القانون هو حرية الاختيار، فمتى كانت إرادتك حرة، وأختيارك لا تشوبه شائبة سُؤلت عنه وتحملت نتائجه، فمسؤوليتك العقدية تنتج متى كان ركن الرضا الذي يرتكز على حريتك في الاختيار سليماً بالإضافة إلى تحقق المتطلبات الأخرى، كذلك مسؤوليتك القانونية تنشأ عندما تكون صاحب إرادة حرة ومختاراً، وهذا الكلام قد يكون بديهياً في القانون، ومن المسلمات وفي الحقيقة لا يشغلني كباحث ويلفت انتباهي موضوع أكبر من موضوع المسلمات، والسؤال الذي أحاول الإجابة عنه : هل كان افتراض حريتنا في الإرادة افتراضاً سليماً ؟ بمعنى هل نحن مختارون لقراراتنا بالمفهوم المطلق الذي تعامل معنا فيه القانون، وما يمثله له هذا الاطلاق من أصل عام ؟
أستعمل أغلب المشرعين الوسائل ذاتها للوصول إلى معيار وجود الإرادة الحرة، الا وهي اجتياز عمر معين، مع استمرار أن يكون سليم العقل، وهو معيار أثبت جدارته، إلَّا أنَّه يتصف بكونه مفترضاً وظاهرياً، وهذا ما يهم مقالتنا، فكونه مفترضاً أنَّ المشرع افترض وجود خطين الأول متمثل بالحد الأدنى للعمر، في أغلب البلدان يترواح بين ( 18- 21) سنة، وهنا يفترض المشرع افتراضاً مطلقاُ بأنَّ من يصل إلى هذا العمر تكون قراراته المبنية على اختياراته ليست حرة فقط، بل وصلت إلى درجة من الوعي تجعله مسؤولاً عن هذه القرارات المتخذة بحرية ووعي، أمَّا الخط الثاني يتمثل بعدم الإصابة بمرض عقلي يؤثر على الوعي وبالتالي يُمكن أن يؤثر على حرية اتخاذ هذه القرارات، وللأسف هذان الخطان هما مجرد افتراض قد يكون بعيداً عن العلاقة التي كان يبحث عنها المشرع، افتراض أنَّ الوعي يتعلق بعمر معين يُمكن عنده الجزم باكتمال الوعي واستقراره، قد يكون أمراً شخصياً لا موضوعياً وبالتالي نحتاج إلى فحص كل شخص وتحديد عمر معين هو الذي يُمكن أن يصل إليه ليكتمل وعيه، لكن في الحقيقة تقتضي طبيعة القانون من كونه مطلقاً أن نقر بأنَّ تحديد عمر كمعيار لكل الأشخاص هو التصرف السليم، لكن يبقى هذا التحديد وعدم الإصابة بمرض عقلي معين هما شرطان ظاهريان، يجعلان المعادلة كالآتي " إنَّ الإنسان يبقى واعياً وحراً ما لم يكن قد أصيب بمرض عقلي يؤثر على سلامة قراراته ووعيه "، وتسمية بعض الأمراض أو الحالات وتحديدها، وبالتالي استبعاد وجود حالات أخرى قد تؤثر على حرية اتخاذ القرارات أو الوعي اللازم لاتخاذها.
لو عرضنا كمثال قضية من أرشيف المحاكم سنجد أنَّ الأمر فيه اختلاف : أدين ( X) عام 2000 من قبل محكمة في الولايات المتحدة عن قضية اعتداء جنسي على طفلة من أقاربه، بالحبس لمدة 4 سنوات، وكان المدان أعلاه يبلغ من العمر 35 سنة ويعمل مهندساً، ولديه عائلة وحياته مستقرة وسلوكه طبيعي قبل ارتكاب جريمته، وجاء في شهادة زوجته أمام المحكمة ( أنَّ زوجها تغير سلوكه في السنة الأخيرة موضحة هذا التغيير بكثرة مشاهدته للأفلام الاباحية وغيرها من تفاصيل تعكس تغيراً واضحاً في السلوك الجنسي)، في السنة الأولى من مدة حكمه قام بالاعتداء الجنسي على أحد المودعين ( السجناء)، وبعد أقل من شهرين أخذ يعاني من صداع شديد، أكتشف الأطباء بوجود ورم في منطقة تدعى (Orbitofrontal Cortex)، خضع لعملية جراحية لإزالة الورم، وبعدها اعتدل سلوكه على ما كان معتاداً عليه في السابق، بعد مرور أكثر من ستة أشهر، لاحظ المراقبون المسؤولون عن المودعين ( السجناء ) تغيراً ملحوظاً في سلوك المدان أعلاه، فقد أخذ سلوكه بالعودة إلى الانحراف وفي الوقت ذاته كان المدان يعاني من الصداع ذاته، وبعد أن خضع للفحوصات تبين أنَّ هناك جزء من الورم لم يستأصل في العملية الأولى، وبعد استئصاله، عاد سلوك المدان إلى الوضع الطبيعي.
هذه القصة تأخذنا لمنطقة غاية في الحساسية والخطورة، مجرد ورم يجعل سلوك الإنسان منحرفاً، أو يتحكم في سلوك الإنسان، أو بمعنى آخر، أنَّ هناك تأثيراً على الإرادة في اتخاذ القرارات قبل الشروع بالفعل، وهذا ما يعني أنَّ الإنسان في ظروفٍ معينةٍ لا يتمتع بإرادة كاملة الحرية، وإنَّ للجسد هيمنة وسيطرة كنا قد أسقطناه تماماً من حساباتنا، والجزء الأكثر رعباً بالنسبة لي يتمثل بأنَّ المدان أعلاه كان مقتنعاً عندما أعترف بفعله أنَّه مذنب، وهذا ما يأخذنا للحديث عن الوعي في السطور القادمة.
ولو ذهبنا إلى أرشيف الأبحاث العلمية سنفهم بعض الأمور : في الحقيقة منذ مدة طويلة يحاول الإنسان اكتشاف العقل البشرية والابحار فيه، لأنَّه يمثل تركيبة معقدة تنتج أفعال الإنسان من ميول وتصرفات وغيرها، وقد نجد أن عالماً مثل (Banjamin Libet) بدأ تجاربه على العقل البشري منذ عام 1985، ليثبت لنا أنَّ هناك اشارات في المخ تتكون قبل التفكير باتخاذ القرار، لكن ما توصل إليه العالم (John Haynes) بموجب ورقته البحثية المنشورة في مجلة (Nature) عام 2008 بعد اجرائه اختبار لشريحة من الناس من خلال مراقبة كهرباء المخ، وتركهم أمام اختيار بين اتجاه اليمين واليسار، أستطاع التنبوأ باختياراتهم قبل 10 ثواني من قرارهم، وقد وصلت نسبة صحة تنبوأته إلى 80% ، وهي نسبة كبيرة حصل عليها من مراقبة بعض يسير من خلايا المخ، فماذا لو استطاع الإنسان تحيليل وقراءة 86 مليار خلية موجودة في مخ الإنسان ؟
يتبادر سؤال إلى مخيلتي مفاده : هل يمثل داخلنا شخص واحد – إن صح القول – أو جهة واحدة هي مسؤولة عن اتخاذ القرار ؟ - أقصد هنا باتخاذ القرار لحظة الانتهاء من التفكير والانتقال إلى أولى مراحل التنفيذ- فإذا كنا كذلك، فإنَّه من غير الممكن أن يعلم أحد لحظة اتخاذ القرار والانتقال إلى التنفيذ، لكن ما رأيناه في التجربة أعلاه يدل على وجود حد للتحضير والتفكير واتخاذ القرار يسبق وعينا بذلك، فلو افترضنا أنَّ وعينا بهذه المراحل يبدأ عند الدقيقة الخامسة – مثالاً – فهناك مدة ( من الدقيقة الأولى إلى الدقيقة الخامسة) هي المدة الفعلية التي تبدأ فيها هذه المراحل، وقد شاهدنا بقراءات بسيطة لبعض خلايا المخ يُمكن – العلماء بواسطة بعض الأجهزة – معرفة هذا المراحل قبلنا؟
وبالتالي يُمكن من خلال هذه المعرفة توجيهنا أو تصنيفنا والتحكم بنا، فضلاً عن ذلك فإنَّ الوعي ينشأ لاحقاً، وهذا الأمر يأخذنا لنظرة مختلفة عن وعينا عما هو متصور لدينا، فالعقل البشري الذي يُنشا الوعي يمكنه خداعنا من خلال هذا الوعي، كما شاهدنا في القضية أعلاه، أنَّ المدان كان مقتنعاً بأنَّه مذنب ومختارٌ لأفعاله، لكن في الوقت نفسه إذا لم يكن وعينا وتحليلنا للأمور هو من يعالج ويكون القرارات والسلوك والتصرفات، وكان مجرد واجهة يخدعنا فيها عقلنا، فما هو ذا التأثير الحقيقي على اتخاذنا تصرفاً معيناً دون غيره ؟ هل تصرفاتنا مجرد محاكاة مسجلة في DNA والعقل يقوم بتحليل هذه البيانات وترجمتها إلى قرارات من أفعال وتصرفات ؟ والوعي والإرادة الحرة ما هما إلَّا أدوات متقدمة من ابتكار العقل لها بمرحلة متأخرة على اجتياز مراحل التفكير والتحليل واتخاذ القرار ؟ هل يجب أن يسبق الوعي كل شيء أم أنَّ هناك أشياء تسبق الوعي في وجودها؟ وبالتالي يُمكننا الحديث عن صناعة الوعي من قبل العقل.
هذه الأسئلة التي يستغربها العقل البشري عند الكتابة، سيقابلها باستغراب أكبر عند القراءة، وهذا الأمر ليس بالغريب، والعلم وحده – قريباً – سوف يقربنا أكثر من ترجمة ما يحدث في العقل البشري، لكن إن كانت الرواية قريبة مما عُرض في أعلاه فإنَّ أغلب نظريات المسؤولية القانونية سوف تنهار، ولم يعد هناك إرادة حرة مطلقة، يُمكننا بوجودها محاسبة الشخص عن أفعاله، وهذا ما سيؤدي إلى ولادة نظريات قانونية جديدة ستكون أرحم بكثير من الموجودة الآن .
* خبير قانون معتمد
دراسات خاصة في الفلسفة
باحث في مقارنة الأديان











04/24/2023 - 07:59 AM





Comments