العندليب الخالد (2)

04/10/2023 - 10:56 AM

Atlantic home care

 

 

 

بقلم: ألفة السلامي

"الأحزان كانت مستنياه مع لحظة مولده". إنه العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ الذي احتفلنا منذ أيام بذكرى رحيله الـ 46 حيث توفي في 30 مارس 1977. لقد كان اليتم قدره ونصيبه منذ تفتحت عيناه في هذه الدنيا؛ رحلت أمه وتركته، وتشاءم الجميع من هذا المولود الذي يفقد أمه مع ولادته. وقالت إحدى السيدات: "هاتوه يرضع من والدته عشان يموت".. لكن اسماعيل شقيقه الأكبر استنجد بوالده حتى ينقذ عبد الحليم من هذه المؤامرة. هذا ما روته الحاجة علية شبانة شقيقته في حواري معها عندما زرت منزل عبد الحليم لأول مرة -أخذت موعدًا قبلها لمقابلتها- وكان ذلك في الذكرى الـ25 لوفاة العندليب على ما أذكر.

"عنزة" عبد الحليم:

أضافت الحاجة علية أخت حليم أن والده توفي هو الآخر ولحق بزوجته بعد عدة أشهر من مولد العندليب. واستاءت الأسرة من فكرة الطالع السيء الذي يردده الناس حول هذا الطفل وهو "لسة في اللفة" بريء من هذا الظلم البشري. "غير أن الله يبتلي عباده لأنه يحبهم ويعدهم لمجد يعلمه هو". هكذا علقت الحاجة علية، وقالت إن حليم رضعته أمهات القرية كلهن حتى أصبح أخًا لغالبية أبناء القرية أنداده.

لكنَّ حليم توقف فجأة عن الرضاعة. وروت شقيقته قصة ربما لا يعرفها بعضكم، وهي قصة المعزة التي أحضرها والد حليم خصيصًا لإرضاعه بعد أن امتنع المولود عن الرضاعة من أمهات قريته، قرية الحلوات التي اكتسبت شعبية في محافظة الشرقية، لأنها أنجبت عبقرية فذة في الفن والمشاعر الصادقة. وتولَّت عَلِيّة أخته رعايته بعد ذلك ولعبت دور الأمِّ مع عبد الحليم رغم أنها لا تكبره إلا ببضع سنوات قليلة. وكانت الحاجة علية تكرِّرُ في حوارها أن حليم هو بمثابة ابنها قبل أن يكون أخيها، وهو صديقها وحبيبها وكل شيء غالي في الدنيا، وهما روحان في جسد واحد أو جسدان في روح واحدة على حد تعبيرها.

روت أيضا كيف أن أول مبلغ من المال حصل عليه حليم أصرَّ أن يشتريَ به فستانًا لها وحقيبة يد - شنطة على حد تعبيرها- وهي تبتسم عند الحديث عن تلك الذكريات مع تسلل العبرات من عينيها في نفس الوقت.

حفل البرت هول للمجهود الحربي:

سامر أبو شندي: ذكرى وفاة العندليب عبد الحليم حافظ و يوم الأرض | رأي اليوم

سألت السيدة علية عن أهم حفلات عبد الحليم التي شعر بعدها بسعادة ومتعة ورضا عن النفس .. وكان في ذهني حقيقةً أن أجرها للحديث عن حفلاته الخارجية الشهيرة في الخليج والمغرب العربي. وكان ردها مختلفًا حيث أشارت إلى حفلته التاريخية لصالح المجهود الحربي في قاعة ألبرت هول بلندن وحضرها ثمانية آلاف شخص. ذهب وهو حزين مهموم وعاد وهو فرحان ومتفائل. هذا ما ذكرته السيدة علية عن حالة عبد الحليم قبل وبعد الحفل. وقدّم العديد من الأغاني خلال حفل البرت هول، مثل "عدى النهار". وأوضحت أن حليم كان مختلفًا بعد النكسة فلم تعد له بسمته إلا بعد العبور وكانت جلساته وسهراته مع الفرقة وأصدقائه ومنهم صلاح جاهين لا يفارقها الحديث عن الهزيمة.

الوداع يا حبيب الملايين:

حبّ الحاجة علية لحليم لا يحتاج برهانًا فدموعها التي تنهمر منها تشعر معها أن حليم فارقها للتو رغم مرور ربع قرن على وفاته حين إجراء الحوار. واستحضرتْ خلال الحوار لحظات حليم الأخيرة بمستشفى "كينج كوليدج"، حيث أنها لم تفارقه في تلك الرحلة وأصرت على بقائها إلى جانبه. وذكرت كيف أنزل الله صبره عليها لحظة وداعه وقبلته مستودعة الله "ضناها" وعادت بهما الطائرة إلى الوطن من لندن وهو في تابوته متدثرًا بعلم مصر الذي سيصاحبه إلى مثواه الأخير. وهذا أروع مشهد يعكس قيمة حليم لدى أبناء شعبه وخلوده للأبد في ذاكرة الوطن وفي ضمير محبيه. أما الحاجة علية فلم يفارقها أبدًا طيلة حياتها مشهد حليم عند وداعه وهو نائم مبتسم ومستسلم لقدره!

وخرجت الجماهير في الشوارع لتشييع جنازة حليم أفواجًا أفواجًا وهي تردد "الوداع يا حليم يا حبيب الملايين". كانت جنازة شعبية خالدة تذكرنا بجنازة أم كلثوم وعبد الناصر وغيرهما من الخالدين. وسقط العشرات خلال موكب الجنازة إغماءً وكان يومًا حزينًا ظهر فيه جليًا كمّ الحب الذى يكنه الملايين من عشاق فنه. وظل منزل عبد الحليم بعد وفاته مفتوحًا أمام الزائرين من مختلف الدول العربية وحتى الأجنبية وذلك في ذكرى ميلاد العندليب يوم 21 يونيو وفي ذكرى وفاته يوم 30 مارس. ويقع المنزل بحي الزمالك في عمارة "زهراء الجزيرة". هذا المنزل زرته للمرة الثانية وكان ذلك في الذكرى الـ31 لوفاة العندليب ولكن المقابلة هذه المرة أجريتها مع السيدة زينب إبنة شقيقته الحاجة علية التي تسكن فى الشقة المقابلة، وكان سبب إجراء الحوار نقل جثمان عبد الحليم من مقابر البساتين نظرًا لأن الصرف الصحي غمر المقابر. وقد زرت بعد ذلك المقبرة أيضًا.

بطل أسطوري في المخيلة الشعبية:

أتذكر خلال الزيارتين للمنزل أن جناح العندليب كان على حاله، كما تركه بعد وفاته بملابسه وأدواته وعوده وأنتيكاته، ويحكي كلٌّ منها قصته الرائعة مع حليم. وخلال زيارتي لمدافن البساتين حيث وارى الثرى جثمان العندليب، كانت محافظة القاهرة قد بدأت إجراءات نقل الجثامين نظرًا لخطورة المياه الجوفية على المنطقة وخوفا من أن تغمرَ المقابر أيضًا. كانت قد اختلطت الأسطورة بالواقع وانتشرت قصص عن أن جثمان العندليب كما هو لم يتحلل. ولمست كمّ الحب الذي نسج تلك الخيالات التي حولت عبد الحليم إلى بطل شعبيّ لا يجب أن يغير ملامحه الزمن حتى بعد مماته. وجدت حينذاك كتابات ورسوما لآلاف المعجبين والمعجبات وقعوا أسماءهم على المساحة الإسمنتية المطلية المحيطة بباب المدفن والجدران، وكلها رسائل رمزية مشفرة تتخذ من حليم وأغنياته وسيلة للوصول إلى الحبيب وكأنه مازال حيًا ينتقل بين القلوب ويملؤها حبًا وأملا وطمأنينة وسلامًا.

خبر وفاته في نيوريوك تايمز:

في كل حوار عادة ما يخرج الصحفي بمعلومات جديدة لا يعرفها كثيرون. وكان الجديد في حواري مع الحاجة علية شبانة صحيفة نيويورك تايمز والتي كانت تملك نسخة قديمة و"تاريخية" نشر بها تقرير عن وفاة عبد الحليم حافظ بتاريخ 1 إبريل 1977 في صفحتها الـ18. وهذا الاهتمام بالحدث من الصحيفة الأمريكية ذائعة الصيت يعتبر أمرًا نادر الحدوث، وكيف لا تهتم بوفاة من وصفته بملك الموسيقى الشعبية العربية في الشرق الأوسط.

كتبت الصحيفة في مقدمة التقرير أن السفارة المصرية في لندن أعلنت أن عبد الحليم حافظ، المطرب المصري الذي يعد ملك الموسيقى الشعبية العربية في الشرق الأوسط، توفي هنا الليلة الماضية أثناء علاجه من مرض في الكبد. لا أذكر تفاصيل أخرى في التقرير.

تمنيت اليوم لو كان عصر الموبايل قد بدأ لألتقط صورة لموضوع نيويورك تايمز. لكن الحاجة علية روت أن صحفيين أجانب بالعشرات زاروا منزل حليم بعد وفاته ونشروا موضوعات عن وفاته في صحف عالمية أخرى حيث صوروا مقتنياته وأجروا حوارات معها وذهبوا أيضًا "للبد" الحلوات مسقط رأسه وقابلوا أصدقاءه من الملحنين مثل كمال الطويل ومن الشعراء مثل الأبنودي. رحمهم الله جميعًا فقد كانوا من فئة العظماء!

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment